العودة الى أخبار منوعة

زيارة المعاناة لأسرى الحرية وذويهم: الأقارب والأحفاد وتصنيفهم درجة (ب) - محمد خلف


*عندي ثلاثة أحفاد لم أراهم أو أتكلم معهم منذ سنين وكم يلوّعني الشوق لمداعبتهم والحديث معهم وخصوصًا لأنهم أتوا إلى هذه الدنيا وأنا جدّهم موجود داخل السجن ولا أراهم ولا أتكلم معهم الا من خلال الصور التي يدخلونها إليّ أثناء الزيارة. فمن بين أسوار سجني البغيض ومن قلب هذه المحطة النضالية أتساءل – بأي حق وبأي منطق إنساني تُتخذ مثل هكذا قرارات تخجل منها شريعة الغاب والأنظمة الديكتاتورية؟*

ان ما يميز هذه الدولة بكل أجهزتها الأمنية والسياسية ومن ضمنها إدارات السجون عن باقي الدول الأخرى هو الإبداع بصناعة القوانين وإصدار القرارات المجحفة بحق الأسرى بشكل خاص وبحق العرب بشكل عام، فانا ومن على هذه الصفحات لا أريد ان أتطرق لرزمة القوانين العنصرية التي شرعتها الكنيست ضد العرب وأبرزها قانون النكبة وقانون تمير وقانون الحاضر غائب وقانون المصادرات لملايين الدونمات من العرب بشتى ذرائع وهلمجرا من قوائم طويلة وسوداء تتلفّع بها هذه الدولة المرعوبة أمنيًا. فأغلبية الصحف العربية وأبرزها صحيفة الاتحاد الناطقة باسم الحزب الشيوعي وصحيفة فصل المقال الناطقة باسم حزب التجمع الوطني الديمقراطي وصحيفة كل العرب وغيرها من الصحف ووسائل الإعلام وأبرزها إذاعة الشمس، تناولت كل هذه الأمور.

ولكنني هنا أود ان أتطرق إلى القرارات المجحفة بحق أسرى الحرية، قرارات تُصنّف الزوار إلى درجة (أ) ودرجة (ب) وهذه القرارات تعمل بها إدارات السجون وتطبقها بحذافيرها كخطوات تندرج بعزل الأسير عن معارفه ومجتمعه قدر الإمكان وينسحب ذلك من خلال تحديد عدد الرسائل كل شهر، والمسموح لكل أسير رسالتين عاديتين فقط + أربع بطاقات صغيرة الحجم، ولا يقف الأمر عند هذا الحد وإنما بعض الرسائل الخارجة من السجن أو الداخلة إليه تضل طريقها ولا تصلنا أبدا. فلنعود من خلال هذه المقالة للكتابة عن الزيارات وتصنيفها.

أولا ان تحديد يوم الزيارة يوم احد أو أي يوم في أواسط الأسبوع يخلق مشكلة ومعاناة كبيرة لذوي الأسرى، لان أيام العمل أو الدراسة بالنسبة لذوي الأسرى تبدأ من يوم الأحد حتى الخميس وأحيانا أيام الجمعة ان كان العمل في الوسط اليهودي، فمن الصعب جدًا في هذه الحالة ان يحظى الأسير دائما بزيارة أسرته من زوجة وأولاد وبالأخص إذا كانت الزوجة تعمل والأولاد يتعلمون، ففي هذه الحالة يضطر ذوو الأسرى التعطيل من أعمالهم ودراستهم مما يُخلّف إشكالات معهم من قبل سلك التعليم وأرباب العمل هذا أولا.

أما ثانيًا، فهو انتظار ساعات طويلة أمام بوابة السجن من قبل ذوي الأسرى من اجل لقاء أسيرهم لثلاثة أرباع الساعة، أما الأدهى والأمرّ من ذلك، هو السماح فقط للمصنفين درجة (أ) بالزيارة، أي يعني الوالدين والاخوة والأخوات، هذا في حالة كون الأسير أعزب، أما في حالة كونه متزوجًا حينها نضيف على القائمة الأولى الزوجة والأولاد فقط. أما ما تبقى من الأقارب أو الأصدقاء فممنوعون منعا باتًا من الزيارة. ولقد كانت احتجاجات وشكاوى كثيرة حول هذا الموضوع ولكن بدون جدوى، فكما يقول المثل العربي "لا حياة لمن تنادي" والمثل الآخر "إذا كان حاكمك ظالمك تشكي همك لمين". فكيف إذا ما كان الشاباك مهيمنًا على كل مرافق الدولة. فالجواب واضح وجلّي – وهذا ما تنبأ به المفكر الكبير والراحل يشعياهو ليفوفيتش قبل عشرات السنين من وفاته..

لم تكتف سلطات السجون بكل هذه الخطوات المجحفة واللاانسانية وإنما ارتأت بان الأمر يجب ان لا يقتصر على القائمة المذكورة أعلاه من الممنوعات فاتخذت أيضا قرارا أكثر إجحافا وأبشع إنسانيا وهو منع الأحفاد من زيارة جدهم. فأنا كاتب هذه السطور احد هذه الحالات المأساوية جراء مثل هذه القرارات العنصرية والتي تندرج ضمن أبشع أدوات الحرب النفسية التي تدار ضد أسرى الحرية من قبل إدارات السجون. فانا عندي ثلاثة أحفاد لم أراهم أو أتكلم معهم منذ سنين وكم يلوّعني الشوق لمداعبتهم والحديث معهم وخصوصًا لأنهم أتوا إلى هذه الدنيا وأنا جدّهم موجود داخل السجن ولا أراهم ولا أتكلم معهم الا من خلال الصور التي يدخلونها إليّ أثناء الزيارة. فمن بين أسوار سجني البغيض ومن قلب هذه المحطة النضالية أتساءل – بأي حق وبأي منطق إنساني تُتخذ مثل هكذا قرارات تخجل منها شريعة الغاب والأنظمة الديكتاتورية؟ كيف تدّعي الدولة بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وتكذب بهذا على العالم وتنتهج في نفس الوقت نهجًا لا أخلاقيًا ولا إنسانيًا؟ أم ان الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان مقصورة على بني جلدتهم فقط؟ ان هذه الدولة المرعوبة امنيًا والمصابة بالهوس الأمني ترتعد فرائصها حتى امام الأحفاد، متذرعة بحجج سخيفة وواهية مما يذكرني بالمثل العربي القائل "ان شر البليّة ما يضحك" – لكننا نحن معشر الأسرى إذ نؤكد بأننا اصلب وأقوى وأعلى من كل قامات قوى الاضطهاد والعنصرية ودائمًا نغني ونردّد ما قاله الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي "لا بد للقيد ان ينكسر" فنحن معشر الأسرى نقول لا بد من بزوغ شمس الحرية مهما طال ليل الظلم وليل الأسر.

(الأسير السياسي وأسير الحرية – سجن الجلبوع – قسم 2)
24/9/2012





العودة الى أخبار منوعة




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600