. ABNAA' SUHMATA Asso.


العودة الى أخبار منوعة

أبــو ماهــر اليمانــي إلــى مثــواه الأخيــر: هنــا «ســينام» طويــلاً.. بعيــداً عــن مهــده - جعفر العطار


في قرية سحماتا الفلسطينية في آواخر عام 1946، كان فتى اسمه محمد خشّان يبحث، بين الجموع التي افترشت الأرض تستمع إلى الأخبار من مذياع القرية الوحيد في منزل المختار، عن شاب يدعى أحمد اليماني، الذي كان يشغل منصب سكرتير «حزب العمّال الفلسطيني»، قبل اغتيال رئيسه سامي طه في مطار بريطانيا.

لمّا رأى الفتى هيئة اليماني، أحسّ بأنه يشبه الصورة التي رسمها له في ذهنه: «شاب طموح، ومتواضع. شاب في هيئة قائد». الصورة، كتبها الفتى، عندما شاخ، في مذكراته، مع بعض التفاصيل الوافرة عن «القائد» الأستاذ، الذي سيصبح من مؤسسي «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

يوم أمس، كان خشّان، الذي أضحى سبعينياً، يجتهد في تذكر «بصمات» اليماني، كأنه يقرأ من كتاب المذكرات وهو يشارك من باحة مسجد «الإمام علي» في الطريق الجديدة، في الوداع الأخير للرجل الكبير. هناك، شارك في الصلاة على جثمان اليماني قبل مرافقته ليوارى في الثرى في «مدافن الشهداء» بالقرب من مستديرة شاتيلا.

كان اليماني، كما يتذكر تلميذه، يدوّن الأخبار المستقاة من مذياع القرية على قصاصات من الورق، ويثبتها على جدران حوانيت القرية. كبر اليماني، وصار مديراً لثانوية «مبرّة الملك سعود» في مخيم «برج البراجنة»، بعد مروره في نفق نضالي ذاق فيه طعم الفقر والقهر، والسجن والتعذيب، والانتصار، كما الانكسار.

«هذه ليست مدرسة، وإنما ثكنة عسكرية»، قال أحمد الشقيري ضاحكاً عندما زار الثانوية في المخيم. كان اليماني، كما تقول ذاكرة تلميذه، يرى في الثانوية مدخلاً لتعليم أجيال تروم تحرير وطنها فلسطين، فكان يعلمهم من الكتاب، ويلقنهم «نشيد القسم» الذي كتبه، ويصطحبهم إلى مخيمات كشفية، يعلّمهم فيها أساليب القتال عبر العصي، ليقاتلوا العدوّ بما تيسّر.

من منزله المتواضع في الطريق الجديدة، رفع أصدقاء اليماني وأقرباؤه نعشه «النائم» في علم فلسطين، وحملوه إلى المسجد، في مسيرة متواضعة تشبه «القائد المعلّم»، كما يحلو لمحبيّه تسميته.

ينشد مروان زعطوط نشيد القسم، كأنه في حضرة «المعلّم» اليماني في مدرسة «الأونروا» في مخيم «عين الحلوة»، قبل عقود خلت: «فلسطين لن ننساك.. ولن نرض وطناً سواك.. نعاهد الله والتاريخ أن نستعيدك.. عاشت فلسطين.. وعشنا للعودة المنتظرة». يقول الستيني إن «المعلّم» كان يشترط على كل تلميذ أن يردّد القسم في كل صباح، وإلا منع من التعلّم.

تلامذة «الأستاذ» يصلّون على جثمانه في المسجد. حبّات مطر خفيفة تهطل على رؤوس أحباء مؤسس الفرع العسكري في «حركة القوميين العرب»، تمتزج مع حبّات الأرزّ ما إن يخرج النعش، متوجهاً، بين الحشود التي توافدت من مخيمات الجنوب وبيروت والشمال، إلى مثواه، بالقرب من أمين الحسيني وغسان كنفاني وشفيق الحوت وغيرهم.

تتوزع على الرصيف المحاذي لمدخل المسجد أكاليل ورد، أرسلتها منظمات وجمعيات وأحزاب فلسطينية وغير فلسطينية، مذيلة باسم الجهة المرسلة. بين الأكاليل، ثمة أكليل موقّع باسم «مؤسسة بيت أطفال الصمود»، تجاورها عبارة «نقيّ أنت، في حياتك وذكراك». عبارة طفولية إلى «طفل» كبير، داهمه الموت في أرض غير تلك التي اشتهى أن يحيا ويموت فوقها: سحماتا - فلسطين.

يقول محمد قدّورة، ابن مخيم «الرشيدية» الذي تربطه أواصر القربى باليماني، إن أبا ماهر تابع شؤون المؤسسة التي أسسها كنفاني، وأطلق عليها اسم المؤسس. ويوضح الرجل أن أبا ماهر، الذي ترك عائلته منذ الصبا ملتحقاً بالثورة في فلسطين، كان يؤنس برؤية الأطفال، كأنه يرى «قادة تحرير الأرض التي تمنى العودة إليها.. فعاد اليها نائماً».

تتسارع وتيرة هطول المطر على رؤوس المشيعين، الذين مشوا خلف نعش «أستاذهم المناضل» كما يقولون، تتقدمهم أعلام فلسطين و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، ويرتفع صوت مارسيل خليفة من السيارة التي تقدمت الموكب، مردداً «بالأحمر كفنّاه.. بالأبيض كفنّاه».

أبو عرب رجل خمسيني، مشهور بمشاركاته الدائمة في المسيرات المتضامنة مع القضية الفلسطينية. كما أنه مشهور بخطاباته العفوية، التي يتوجه بها إلى المارة. بالأمس، كان أبو عرب غاضباً وحزيناً في آن، يصرخ في وجوه الجميع: «ثمة اثنان وعشرون ملكاً ورئيساً عربياً.. مقابل رئيس إسرائيلي واحد. الملوك والرؤساء باعوا فلسطين».

يرمق الرجل صورة اليماني، ويعيد تكرار عبارته، بغضب أقوى تهتز معه الكوفية التي تلف عنقه. يصرخ، قبل وصول الجثمان إلى مثواه، قائلاً: «رمز فلسطين الأخير رحل. حامل القضية على كتفيه رحل بهدوء. اليماني مات على أرض غير فلسطينية. اليماني رحل وتركنا بين ملوك لا يعرفون اسم عاصمة فلسطين».


عن السفير
5/1/2011



العودة الى أخبار منوعة




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600