وديع البستاني عاشق حيفا وسجينها - بيان نويهض الحوت


أهو فلسطيني؟ أم لبناني؟ أم عربي؟ أم رجل عالمي؟

أهو مناضل؟ أم محامٍ عن الضعفاء؟ أم مترجم للملاحم والأدبيات النادرة؟

أهو سندباد يجوب الآفاق؟ أم شاعر يحيا مع النجوم؟ أم مواطن عادي يعشق مدينته حتى الرمق الأخير؟

هو هؤلاء كلهم في رجل واحد اسمه وديع البستاني.

هو من رفض أن يغادر حيفا حتى بعد أن هام أهلوها عبر أمواج البحر المتلاطمة في يوم أسود.

هو ابن عائلة البستاني الثرية بالعلم والمؤلفات، والتي نبغ الكثيرون من أبنائها ، وأولهم المعلم بطرس البستاني. غير أن هذا البستانيَّ وديعاً ما اكتفى بما ورث من أسماء، فكان في جميع مراحل حياته ذلك الباحث عن العلم والمعرفة، وكأنه في كل مرحلة من مراحل حياته يبدأ من جديد، إنه ذلك المتواضع، ذلك الإنسان.

شهادته من الجامعة الأميركية في بيروت كانت مجرد بطاقة دخول إلى عالم الثقافة، أما «شهادة» ابن عمه سليمان البستاني، مترجم الإلياذة، في لغة عربية قيل أنها ركيكة، فهي التي دفعته إلى تطبيق وصية ابن عمه الأكبر هذا، فأكب على دراسة القرآن الكريم على أيدي مقرئين، حتى تمكن من اللغة وأبدع، وغدا استشهاده بالآيات الكريمة علامة فارقة في كتاباته.

عاش وديع البستاني المرحلة الأولى من حياته سندباداً يتنقل من مكان إلى آخر، كان في وطنه الأول لبنان مدرساً، ومنه سافر إلى اليمن كبيراً للمترجمين في القنصلية البريطانية، ومنها إلى القاهرة موظفاً حكومياً نهاراً، ورفيقاً للشعراء ليلاً، مع أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران. ولمّا اكتشف شعر الخيّام، وحلّق مع روحه ، أبحر إلى لندن سنة 1911، حيث توفر على دراسة شعره في مكتبة المتحف البريطاني، وأثمرت إقامته في لندن ترجمته الرائعة للرباعيات، فكانت الترجمة العربية الأولى.

خلال عودته إلى الشرق من لندن عاش سندباداً بحرياً على الرغم منه، بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، فتنقل بين أماكن عدة حتى وصل إلى الهند، ثم انتهى به الترحال إلى فلسطين سنة 1919.

كان عمله الأول وظيفة حكومية، غير أنه استقال مرات عديدة احتجاجاً على السياسة البريطانية، وعاقبته السلطات يوماً بنفيه إلى بئر السبع، فالنفي الداخلي من مدينة الإقامة إلى مدينة أخرى كان عقاباً شائعاً في عهد الانتداب. غير أن البستاني لم يستسلم، كان يعمل في الحقل الوطني منذ البداية، فهو من مؤسسي الجمعيات الإسلامية ـ المسيحية، التي أنشئت خلال العهد العسكري البريطاني في خريف 1918.

في حزيران 1923 عُقد المؤتمر الوطني السادس في يافا، وانتخب المؤتمر وفداً ثلاثياً لمراقبة المفاوضات الجارية في لندن بين وزارة الخارجية البريطانية والدكتور ناجي الأصيل مندوب الملك حسين. وتألف الوفد من موسى كاظم باشا الحسيني، رئيس اللجنة التنفيذية العربية رئيساً، وعضوية وديع البستاني وأمين التميمي.

لم يطل عمل البستاني في الوظيفة الرسمية، فاستقال نهائياً. وكان قراره الانصراف إلى محاماة، وكان تخرج في معهد الحقوق سنة 1929، وافتتح مكتباً للمحاماة، لا لجني المال، بل للدفاع عن الضعفاء المظلومين، وكان من الساعين إلى تثبيت حقوق الفلاحين في أراضي الجفتلك في غور بيسان؛ وانتهت مساعيه إلى اتفاقية تنص على تمليك أكثر من عشرين عائلة وعشيرة أراضي الجفتلك.

رافق البستاني الحركة الوطنية الفلسطينية في التظاهرات مشاركاً فيها بصفة دائمة، كما برز في الصحف كاتباً وطنياً بليغاً، وفي الاجتماعات الوطنية عضواً فاعلاً. أما ارتياده المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، بطربوشه، وحضوره المؤنس، وحديثه الصادق الجريء، فكان متوقعاً في أي لحظة، فهو من الأوائل الداعين قولاً وعملاً إلى المؤاخاة الحقيقية بين المسلمين والمسيحيين، وأشعاره تشهد على عمق مشاعره الوطنية والعروبية الداعية إلى نبذ أي تفرقة أو تمييز طائفي.

حقاً، كان رمزاً للنخبة المثقفة الوطنية الواعية من أبناء جيله، فاللبناني الماروني ابن الشوف، أصبح من سكان حيفا التي احتضنت أبناءها الوافدين إليها، كما احتضنت من وُلد على ترابها.

يوم عُقد المؤتمر العربي القومي في بلودان سنة 1937، احتجاجاً على قرار التقسيم في تقرير اللجنة الملكية، جاءت الوفود من العواصم العربية كلها، وأحد هؤلاء الحاضرين الذين فاقوا الـ 450 عضواً كان وديع البستاني. وما أن عاد الفلسطينيون إلى بلادهم بعد المؤتمر حتى كانت المرحلة الثانية من الثورة قد اشتعلت، وشارك الوديع المناضل الصلب فيها ، غير أن الثورة سرعان ما توقفت، وجاء يوم ما عاد فيه بقادر على الموافقة على نهج القيادة السياسية، فابتعد بهدوء، وانزوى بين جدران منزله يقوم بالعمل الرائع الذي خلده شعراَ ونثراً، أي ترجمته عيون الأدب الهندوي (كما يسميه) القديم، عن الترجمات الإنكليزية.

انتهى من تعريبه «الغيتا»، وهي «النشيد الإلهي»؛ «النشيد السماوي»؛ «أنشودة الرب المبارك»؛ أي (كرشنا) في آذار 1947، في اليوم الذي اغتيل فيه غاندي بعد أن خرج من بيت صديقه الحميم ج. د. بولا للصلاة، فيا له من يوم اهتزت له أسلاك البرق بين عواصم العالم، كانت لغاندي المكانة الأولى لدى كل الشعوب. وكان تأثر البستاني كبيراً، فهو لمّا زار الهند قبل نهاية الحرب العالمية الأولى وأقام فيها، كان بولا صديقاً له واستمرت بينهما الصداقة، فسارع البستاني إلى إرسال برقية لبولا قال له فيها إنه أتم في اليوم نفسه ترجمة الغيتة، وهو يهدي الكتاب بالعربية إلى روح غاندي باسم شعب فلسطين.

أما التعريب «الإبداعي» للبستاني، إن جاز التعبير، فهو تعريبه لمهبراتا، التي تمكن من وضعها مع مخطوطاته الأخرى في حقيبة، وإخراجها من حيفا، بينما بقي هو وزوجته تحت الاحتلال الإسرائيلي. وقال لي ابنه المحامي فؤاد البستاني، في مطلع السبعينيات، إنه لا يعلم كيف تمكن من إرسال مخطوطاته في تلك الظروف القاهرة. وقام الابن البار بطباعة الكتاب الفريد من نوعه في الشعر الملحمي.

جاء اليوم الفاصل في حياة وديع البستاني وزوجته في نيسان 1948، حينما كان أولادهما الأربعة غائبون عنهم، وأهل حيفا يغادرون جماعات. فقررا البقاء في بيتهما. ومع مغيب شمس الثالث والعشرين من نيسان، داهم منزله ثلاثون مسلحاً من الهاغاناه، واحتلوا خمس غرف، وما خرجوا بعد شهر كامل إلا بعد أن اعتقلوه في «البرج»، فأضرب المناضل ابن الستين عاماً عن الطعام والشراب والنوم، ما اضطر أعداؤه الى الرضوخ، فعاد إلى بيته، وعاش تحت الاحتلال خمسة أعوام، غير أنه لما اشتد عليه المرض، عاد إلى لبنان، بعد أن شاهد «المهابراتا» مطبوعة في كتاب.

نهرو ووديع البستاني
ولد سنة 1888، ودرس في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم درس القانون في معهد الحقوق في فلسطين، وتخرج فيه سنة 1929. عمل في بداية حياته العملية مدرساً في لبنان، ثم انتقل الى اليمن ليعمل مترجماً في القنصلية البريطانية، وعمل بعد ذلك في القاهرة، ثم سافر الى لندن سنة 1911 وعكف على ترجمة رباعيات الخيام. ومن لندن سافر الى الهند ثم الى فلسطين.

ترجم ديوان «البستاني» لطاغور سنة 1917، وزاره في الهند وأقام لديه ثلاثة أيام. ومن مؤلفاته: «بطريركية أورشليم الارثوذكسية» (1917)، و«الانتداب البريطاني باطل ومحال» (1936). وله «الفلسطينيات» (1946) وهو ديوان شعر. وترجم ايضاً مذكرات فرنسيس نيوتن عن حياتها في فلسطين ونشره سنة 1947. أبرز منجزاته في التعريب أجزاء من ملحمة «مهابراتا» الهندية التي قال عنها زعيم الهند جواهر لال نهرو حينما أهدى إليه إميل البستاني نسخة منها: «إن هذه الملحمة المعربة هي خير ما يستطيع العرب إهداءه إلى الهند»



فلسطين - (جريدة السفير)

تموز 2010

9/09/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600