لمحات من الحياة الثقافية في حيفا العربية - جوني منصور


مع اتساع مساحة العمران في حيفا منذ نهاية القرن التاسع عشر نحو غرب وشرق المدينة، شهدت المدينة طفرة كبيرة من النشاطات والفعاليات الاجتماعية والثقافية على مختلف أنواعها، وإن كانت تدريجية في نهاية العهد العثماني إلا أنها كانت علامة فارقة ومتميزة لظهور ونمو وعي ثقافي رفيع المستوى بين أبناء حيفا العربية، وبتأثير عدة عوامل، منها مساهمات المدارس، وبوجه خاص تلك التي كانت تدار من قبل هيئات تبشيرية أو مسيحية وإسلامية وطنية، وبداية ظهور وانتشار الصحافة في فلسطين عمومًا، وازدياد المؤثرات الأوروبية في حياة الناس، وغيرها من عوامل.

وما ميز المجتمع العربي الحيفاوي أنه لم يكن مجتمعا اتكاليًّا أو مستهلكًا فقط، إنما كان مجتمعًا مبدعًا، عرف كيف يستفيد من طاقات وقدرات أبناءه في ميادين عديدة، مما أثرى حياة المجتمع ووفر له مساحة واسعة من النشاطات الفكرية، والتي بدورها جعلت هذا المجتمع يتصدر لفترة طويلة المشهد الثقافي الفلسطيني، خاصة في فترة الانتداب البريطاني.

حول الحياة الثقافية التي ميّزت حيفا في النصف الأول من القرن العشرين، وما قدمته من إبداعات ومساهمات أدبية واجتماعية وفكرية يدور مقالنا هذا، متخذين بعض المحطات الهامة في مسيرة الثقافة الفلسطينية في حيفا بهدف إعطاء صورة عامة، علنا أو غيرنا يسعى إلى الغوص عميقًا في المشهد الاجتماعي والثقافي لحيفا العربية لمعرفة كيف وصلت هذه المدينة بفضل أبناءها إلى مستويات عالية جدًّا وراقية للغاية، وكيف أنها تعرضت إلى تطهير ثقافي ومكاني بعد أن أنجز التطهير البشري في عام النكبة 1948.

  • جمعيات أهلية همها التثقيف والإبداع

    اقتصرت الجمعيات الأهلية في حيفا العهد العثماني على الطوائف الدينية، بالرغم من وجود قانون الجمعيات العثماني الذي كان يتيح تأسيس الجمعيات ومباشرة أعمالها، إلا أن حياة المجتمع كانت تدور في فلك الطوائف الموجودة في المدينة. لكن هذا الوضع بدأ يتغير منذ بداية القرن العشرين، حيث تأسست بعض الجمعيات لرفع المستوى الأدبي والتعليمي. ففي فترة الانتداب البريطاني شهدت حيفا ويافا وعكا ونابلس والقدس وطبرية وغيرها من مدائن فلسطين حركة قوية ونشطة من تأسيس وإقامة الجمعيات لغايات كثيرة، من أبرزها خدمة المجتمع ورفع مستوى أدائه الاجتماعي والاقتصادي والعلمي. ومن أوائل الجمعيات الأهلية التي تأسست في حيفا كانت "الجمعية الإسلامية" برئاسة مفتي حيفا الشيخ محمد مراد، و"الجمعية المسيحية" برئاسة الثري فؤاد سعد. وطبعًا شهدت فلسطين في مطلع الانتداب إقامة الجمعيات الإسلامية ـ المسيحية المشتركة، إنما في حيفا كانت منفصلة، ولكنها تعاونت فيما بينها في معظم مواضيع الساعة وفي مقدمتها مناهضة المشروع الصهيوني الهادف إلى إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين على أرض الفلسطينيين وعلى حساب وجودهم الضارب في عمق التاريخ البشري، وعلى حساب لقمة عيشهم. ويعود الفضل إلى هاتين الجمعيتين في التمهيد لانعقاد أوّل مؤتمر فلسطيني رسمي عرف بـ "المؤتمر الفلسطيني الثالث" في حيفا في عام 1920.

    وتأسست في حيفا "جمعية الشبيبة المسيحية" التي اهتمت بالنواحي الأدبية مثل المحاضرات وتمثيل الروايات أمام جمهور المدينة، وترأسها الأديب الشاب أديب جدع. وكانت هذه الجمعية قد نشطت قليلاً في نهاية العهد العثماني باسم "جمعية نهضة فتيان الروم الكاثوليك"، إلا أنها أعادت نشاطها تحت الاسم الجديد وبزخم قوي مع بداية الانتداب.

    وتأسست في المدينة أيضا جمعيتان نسويتان الأولى"جمعية السيدات" وهي مسيحية، والثانية "جمعية تهذيب الفتاة" وهي إسلامية. واهتمت كلا الجمعيتين بتوفير فرص لرفع مستوى تعليم الفتاة العربية وتأقلمها مع متغيرات المدينة مع حفاظها على الموروث الثقافي والاجتماعي الخاص بالمجتمع الفلسطيني.

    وتأسست في حيفا جمعية متميزة يجدر التوقف عندها قليلاً وهي "حلقة الأدب" وغايتها تعزيز اللغة العربية وتشجيع فن الخطابة والعناية بالتعليم، ونشر الكتب الأدبية، وتوجيه النقد الاجتماعي وإصلاح ما يمكن إصلاحه وتهذيب ما يمكن تهذيبه من شوائب سادت هذا المجتمع بفعل عناصر تكوينه المركبة وازدياد الدخيل عليه سنة بعد أخرى. وبادر إلى تأسيس هذه الحلقة الكاتب توفيق زيبق مع نخبة من أدباء المدينة كالدكتور قيصر خوري ورفيق التميمي ويوسف الخطيب وجميل البحري وعبد الرحمن رمضان، الذين رأوا ضرورة ماسّة لرفع شأن اللغة العربية، بعد أن لمسوا تأثير الغرب عليها وعلى الناطقين بها. كم نحن بحاجة اليوم إلى مثل هذه الحلقة لتعزيز لغتنا وحمايتها داخليًا أولاً وقبل كل شيء.

    وكانت هذه الحلقة تقيم الحفلات الأدبية وتنظم المحاضرات وتعلن عن مسابقات في اللغة العربية وكتابتها، ومسابقات أخرى في التأليف المسرحي الذي لاقى رواجًا واسعًا في ذلك الوقت، وكل ذلك أيُّها القرّاء في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، أي قبل ثمانين عامًا.

    ثم تلى ذلك تأسيس "جمعية تعاون القرى" التي اتخذت من حيفا مقرًّا لها لتخدم قرى قضاء حيفا وهي كثيرة، وكانت تُعنى بشؤون الفلاح العربي، إنما وجهت عنايتها نحو تعليم الفلاحين القراءة والكتابة، وإقامة وتنظيم الحفلات الأدبية خاصة إلقاء الشعر.

    ومما لا شك فيه أن المجتمع العربي في حيفا قد تأثر بنسب متفاوتة من المجتمع اليهودي المهاجر من أوروبا على وجه الخصوص، ومن المجتمعات الأجنبية خاصة البريطاني والفرنسي، أضف إلى ذلك ارتفاع مستوى التعليم والحياة، وهذا أحدث نقلة نوعية في توجه المجتمع نحو مزيد من الانفتاح، والخروج من دائرة العائلة إلى الدائرة الأكثر اتساعًا، وإن كان ذلك تدريجيًا، حيث تأسست أندية رياضية واجتماعية وأخرى للعائلات، وهذه ـ أندية العائلات ـ ظاهرة لم يعرفها المجتمع العربي الحيفاوي من قبل، لكونه مجتمعًا تقليديًا، بمفهوم عائلي صرف. ومن بين أبرز هذه النوادي "النادي العربي" الذي ضم شبابًا من مسيحيي ومسلمي حيفا، كانت غايته تعميق الوحدة بين طرفي المجتمع الواحد من خلال نشاطات رياضية وأدبية متنوعة.

    وتأسست جمعيات أهلية مختلفة لعبت دورًا بارزًا في المشهد الثقافي كالنادي الأرثوذكسي العربي الذي خصص جل اهتمامه لرفع المستوى الثقافي من خلال محاضرات وأمسيات أدبية واستضافة أُدباء من خارج فلسطين.

  • المسرح: إقبال جماهيري متميز عَكَسَ رقي المدينة


    الأديب جميل البحري

    يبدو من خلال مراجعتنا لصحف ذاك العهد أن المجتمع العربي الفلسطيني في حيفا كان ذي ميول نحو اكتشاف التمثيل المسرحي، لذا بدأت تشهد المدينة نشاطًا مسرحيًا ملموسًا من خلال تأسيس "جمعية التمثيل الأدبي" ثم جمعية "الرابطة الأدبية". وتوجهت هاتان الجمعيتان وغيرهما إلى الأديب الحيفاوي البارع جميل البحري بطلب وضع مسرحيات يجري إخراجها مسرحيًا وتُعرض أمام الجمهور العربي سواء على خشبات المسارح المدرسية أو على مسارح المدينة، مثل مسرح/سينما كولزيوم في شارع اللنبي، وسينما عين دور، ومسرح وسينما الأمين وعدن وغيرها، أو في حدائق المتنـزهات كمتنـزه الانشراح ومتنـزه كراكين. ولم تقتصر الحياة الثقافية على إنتاج محلي وهو مبارك بطبيعة الحال لمجتمع فتي، إنما حضرت إلى حيفا فرق مسرحية كثيرة وعلى رأسها بل في مقدمتها "فرقة رمسيس" المصرية برئاسة عميد المسرح العربي الفنان يوسف وهبي، وأيضًا فرق للممثل العربي المعروف جورج أبيض الذي وضع أسس المسرح العربي الحديث. ولعبت جمعية الرابطة الأدبية دورًا بارزًا في دفع الناس إلى الإقبال بأعداد كبيرة لحضور هذه المسرحيات. وفي أعقاب تأسيس الجمعية الإسلامية في حيفا اتسعت دائرة الخدمات الاجتماعية والثقافية التي حظي بها المجتمع العربي الحيفاوي، حيث أن من بين اهتمامات هذه الجمعية نشر ثقافة حضور الجمهور المسرحيات ذات التوجهات الاجتماعية والتربوية لبناء مجتمع عربي سليم. وساهم أبناء حيفا المبدعين في تمثيل أدوار كثيرة على خشبات المسارح في المدينة. وكثف الأدباء الحيفاويون ومن خارج حيفا مؤلفاتهم المسرحية، إنما الأبرز بينهم كان جميل البحري الذي وضع وترجم عشرات المسرحيات، منها "قاتل أخيه"، "سجين القصر"، أبو مسلم الخراساني"، "وفاء العرب" وغيرها.

    ولكن الجانب الأهم في كل ما نتحدث عنه في ثقافة المسارح أن أول فرقة تمثيلية تأسست في فلسطين العربية كانت "فرقة الكرمل التمثيلية" بإدارة وإشراف الفنان الحيفاوي المعروف اسكندر أيوب بدران. ولهذا الرجل فضلٌ كبير على الحياة المسرحية في حيفا، فهو لم يحترف الفن التمثيلي بغاية الكسب المادي، إذ أنه عمل موظفًا في قسم إدارة حسابات شركة "سبيني"، وفي أوقات فراغه وبعد الدوام كان يدير مسرحًا كان موجودًا مكان حلويات عبد الهادي حاليًا. وحدثني ابنه الدكتور فؤاد بدران الذي زار حيفا قبل أربع سنوات، أن والده كان يستغل كل وقته بعد انتهاء دوام عمله في سبيل إعلاء شأن المسرح الفلسطيني، وكانت زوجته ثريا تشارك في التمثيل، لأن الفتيات منعن في ذلك الوقت من ممارسة التمثيل المسرحي. ومن أهم المسرحيات التي عرضتها هذه الفرقة كانت لشكسبير "هملت" وتناقلت أخبارها الصحف الفلسطينية والمصرية مكيلة لها المديح والكلام الطيب، وكذلك مسرحية "كرسي الاعتراف" بالاشتراك مع فرقة رمسيس المصرية .

  • من يكتشف لنا عزيز ضومط!

    وبما له علاقة بالنهضة الأدبية في حيفا فقد برز شاب حيفاوي المولد والمنشأ لعب دورًا مركزيًا في نشر الأعمال الأدبية والثقافية في برلين في المانيا وليس في حيفا، فوضع روايات في التاريخ العربي وصفته الصحف الالمانية بأنه مبدع وعبقري جدًّا، واقترح اسمه لنيل جائزة نوبل في الثلاثينيات من القرن الماضي، ومات مغمورًا في المانيا، ولا نعرف عن أخباره شيئًا. هل تتوفر لأحد من أبناء حيفا معلومات إضافية عنه؟ إننا في أمس الحاجة إلى التعرف على هذا الرجل لنتعمق في أعماله ومساهماته الثقافية.

  • الصحف: بين السياسي والثقافي


    نجيب نصار - صاحب جريدة الكرمل

    بداية ظهور الصحف العربية في حيفا كان مع الانقلاب العثماني الذي خاضته جمعية تركيا الفتاة في عام 1908 في استنبول ومنح الحريات للجمعيات والمؤسسات ، بما فيها حرية التعبير عن الرأي. فبادر عدد من أهالي حيفا أفرادًا أو مجموعات إلى تأسيس صحف، كان أولها بل أشهرها جريدة "الكرمل" لصاحبها نجيب الخوري نصار، ثم جريدة "جراب الكردي" لصاحبها متري حلاج، وجريدة "الحمارة القاهرة" لصاحبيها خليل زقوت ونجيب جانا. وتتالت عملية تأسيس الصحف في فترة الانتداب البريطاني، وأخذت زخمًا قويًا في الثلاثينيات من القرن الماضي. وركزت الصحف جهدها على مناهضة الصهيونية وكشف مشاريعها ومؤامراتها وتوجيه الناس إلى كيفية التعاطي معها. ومن أبرزها على وجه الخصوص "الكرمل" التي مالت إلى فضح سماسرة الأراضي وبائعي الأوطان من ملاكين إقطاعيين وسياسيين، ووجهت سهام نقدها إلى سياسات الانتداب، مما عرضها إلى الإغلاق عدّة مرّات وجر صاحبها إلى غرف التحقيق. ولكن إلى جانب المواد السياسية التي نشرتها الصحف في حيفا فإنها وجّهت اهتمامها نحو الأخبار الثقافية والنشاطات الأدبية والاجتماعية التي أثرَت حياة المجتمع العربي في حيفا بالرغم من اشتداد سعير الصراع الصهيوني ـ العربي. ونجد مادة زخمة وغنية في هذه الصحف حول الحياة الثقافية للمجتمع العربي في حيفا.

  • وأخيرًا ليس آخرًا...

    كانت هذه لمحات بل ومضات تعرفنا من خلالها على بعض ملامح الحياة الثقافية التي عاشتها حيفا وعاشها مجتمعها الذي تميز بالنشاط والإبداع والمشاركة الفعالة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولم ينـزوِ في برج عاجي، ولم يكن منفصلاً عما كان يجري في بقية أجزاء الوطن، إنه مجتمع فعّال وديناميكي. أليس كذلك!!!








    4/09/2010



  • ® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
      Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600