محمود درويش يحتاجنا لأن بلادنا تحتاجنا.. - حسن خضر


يُراد للشاعر أن يكون حاديًا لعيس القبيلة في ثقافة تُقدّس الضحية، لا مكان فيها لاقتصاد السخرية أو لمجازات طروادية تقض سكينة "الثوابت"

الصراع على "كيف نفهم محمود درويش" ينطوي في جانب منه على حمايته من مصير الأيقونة
أعادة درويش صياغة فلسطين من مأساة صغيرة في آسيا إلى تراجيديا كونية في تاريخ العالم


أكتب، اليوم، في الذكرى الثانية لرحيل محمود درويش، للتذكير بأمرين: أولاً، أن محمود درويش أكبر وأهم من أن يُستعاد بطريقة موسمية، وثانيًا للقول إن يوم مولده، في الثالث عشر من آذار، الذي أصبح عيدًا وطنيًا للثقافة الفلسطينية، يمثل الـمناسبة التي تؤسس لتقليد ينبغي الحفاظ عليه، والاحتفاء به، على مر السنين. فنحن نحتفي بالحياة لا بالـموت.

بيد أن الكلام عن الأمرين معًا لا يقتصر على دلالة الاحتفاء بالحياة، بل ينطوي في جانب منه على محاولة للقبض على معنى محمود درويش في الثقافة الفلسطينية. وقد أصبح هذا الـمعنى بعد رحيله مفتوحًا على احتمالات كثيرة.

لـم يعد قادرًا على حماية الـمعنى بنفسه، كما فعل في حياته، ومن واجبنا نحن، الذين عشنا في زمنه، واقتربنا من عالـمه بهذا القدر أو ذاك، ألا نغض الطرف عمّا يُنذر بمصادرة وتأميم الـمعنى، أو يُهدد بتحويله إلى موضوع للـمضاربة.

ولكي لا ندعي البراءة، أو ذهول الفجيعة، فإن الـمصادرة والتأميم، كما الـمضاربة، ليست حكرًا على الفلسطينيين والعرب، ففي أربعة أركان الأرض، كان الصراع على معنى الرموز السياسية والثقافية الكبيرة جزءًا من الصراع على هوية الـمجتمع والثقافة. لا مبرر للكلام عن الاستثناء الفلسطيني أو غيره.

تتجلى أهم علامات الـمصادرة والتأميم، وكذلك الـمضاربة، في عملية تحويل الرموز السياسية والثقافية إلى أيقونات، أي تجريدها من فرديتها وفرادتها، واختزال تاريخها، ومُنجزها السياسي أو الأدبي في مقولات، وتوظيفها بطريقة لا تنسجم، بالضرورة، مع الـمعنى الحقيقي لأصحابها. في الحقبة السوفياتية، مثلا، تحوّل مايكوفسكي إلى أيقونة، ولـم يكن ذلك ممكنًا دون تنظيف تاريخه الشخصي، ونصه الأدبي، من التردد والشكوك والهواجس والـمخاوف التي راودته بعد انتصار الثورة.

ولو افترضنا، جدلاً، أن التردد والشكوك والهواجس والـمخاوف التي راودته، ظلت جزءًا من ميراثه الحي، ولـم يحجبها موظفو الثقافة السوفياتية، لكان من الـممكن التفكير في مصير مغاير لتلك الثقافة، وربما في مصير التجربة الاشتراكية نفسها. فالتردد والشكوك والهواجس والـمخاوف صفات إنسانية لا تصلح كشعارات، لكنها تحمي الثقافة من وطأة اليقين، وسطوة الـموظفين، وفي الحالتين يخسر الاستبداد وتكسب الديمقراطية.

لذلك، وبقدر ما يعنينا الأمر، في هذا الجزء من العالـم، فإن الصراع على "كيف نفهم محمود درويش" ينطوي في جانب منه على حمايته من مصير الأيقونة. فما المقصود بمعنى محمود درويش؟

بداية، الـمعنى يُستمد من النص والسيرة الشخصية، وبين الاثنين في حالته علاقة لا تنفصم. فالنص وصاحبه عصيّان على التنميط والقالب الجاهز. أسموه مع صعود نجمه "شاعر الـمقاومة"، فتمرّد على التسمية على الرغم مما في رصيدها من غواية. لم يكف عن كونه مقاومًا، بل ابتكر مفهومًا جديدًا للمقاومة، وطالـما أن "الشعر لا يحتاج إلى براهين وطنية، والوطن لا يحتاج إلى براهين شعرية" يصبح الإبداع فعلاً من أفعال الـمقاومة في أصفى وأرقى معانيها.

والإبداع، أيضًا، خروج على النمط والتقليد. النمط والتقليد هما ما ورث الفلسطينيون من فنون القول الشعري العربي باعتبارهم عربًا، وما اجترحوا من صور لهويتهم باعتبارهم فلسطينيين. في الحالة الأولى لـم يقطع محمود درويش مع الشعر العربي، بل أصبح وسيلة إيضاح ناجحة لكلام إليوت عن حضور السلالة الشعرية في نص الشاعر الكبير، وفي الثانية لـم يغترب عن فلسطين بل رفعها وأعاد صياغتها: من مأساة صغيرة في آسيا، إلى تراجيديا كونية في تاريخ العالم.

ومع هذا، وذاك، وبما أن الـمآسي الصافية تنطوي، دائمًا، على مفارقات كثيرة، وكوميديا سوداء، لـم يكن في فعل المقاومة، ولا في الخروج على النمط والتقليد، ما يحيل إلى يقين خالص، أو إلى اقتصاد في السخرية. فالعشب على قبور المنتصرين والمهزومين محايد، والفصول تدور. وهذا ما أغفله أدونيس، مؤخرًا، بطريقة مُحزنة لأنها شخصية تمامًا.

لم تمر التحوّلات التي أحدثها محمود درويش دون ضجيج لا تزال أصداؤه تتردد من حين إلى آخر. ففي ثقافة تُقدّس الضحية، لا يحتمل معنى المقاومة أكثر من بطولة امتشاق السلاح في الواقع أو اللغة، وما من معنى للضحية خارج ما تنزف من دم، وتحض عليه، وتُحيل إليه. وفي كل الأحوال يُراد للشاعر أن يكون حاديًا لعيس القبيلة. وما من مكان في ثقافة كهذه لاقتصاد السخرية، أو لمجازات طروادية تقض سكينة "الثوابت".

لهذه التحوّلات دلالات سياسية، أيضًا. وفيها يتجلى معنى أن الثقافي سياسي بامتياز. ويمكن في الواقع ترجمتها إلى لغة السياسة دون عناء. فالاعتراف بحق الإبداع في التمرّد على التنميط، والقبول بفكرة الخروج على النمط والتقليد، وتحرير العلاقة بالتاريخ من تجهّم اليقين، أشياء لا تعترف بها المجتمعات ولا الثقافات المُغلقة، التي تنام على ريش الأيديولوجيا، وتطير على جناح "الثوابت" والغمام.

لذلك، عندما يقول البعض: نحن نحتاج إلى محمود درويش، وهو لا يحتاجنا، فهذا القول صحيح وخاطئ في آن. صحيح إذا كان محمود درويش مثالاً لثقافة تطرح من الأسئلة أكثر مما تقدّم من إجابات، وخاطئ إذا كان مجرّد رصيد نسحب منه ولا نُضيف إليه. والصحيح القول: إن محمود درويش يحتاجنا بقدر حاجتنا إليه. لن يكتب أحد قصيدته نيابة عنه، لكن البلاد التي عاش من أجلها، وحلـم بما ينبغي أن تكون، والقيم الإنسانية الرفيعة التي عبّر عنها، وحرقة الإبداع، وإرادة التجاوز، وثقافة الأسئلة، التي حكمت نصه ووسمت حياته، كلها أشياء لا تغيب بغياب صاحبها، والصحيح أن حضوره من وفي حضورها. فإذا حضرت حضر، وإذا غابت أصبح أيقونة.

واليوم، بعد عامين من الرحيل، ربما يسأل محمود درويش: كم كتابًا نشرتم، وكم ندوة عقدتم، وكم مسرحية مثلتم، وكم فيلـما أخرجتم، وكم أغنية غنيتم، وكم شجرة زرعتم، وكم مرة أحببتم، وكم فكرة أرقتكم، وكم سؤالاً طرحتم، وكم مرّة سخرتم من أنفسكم؟

هذه هي أسئلة محمود درويش، الذي يحتاجنا، لأن بلاده لـم تغب بغيابه، وبلادنا تحتاجنا.


* كاتب فلسطيني مقيم في رام الله

14/08/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600