يعيشون هناك، لكن قلوبهم راسخة هنا - جوني منصور

حضور الذاكرة الجماعية

تحتاج عملية حفظ الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني إلى إحياء هذه الذاكرة بالعودة إلى أحداث الماضي ودراستها وفهمها جيدًا، وذلك لإدراك جوهر ما وقع من مآسي ونكبات. ولكن لا تتوقف عملية استعادة الذاكرة بالعودة إلى الأحداث التاريخية التي أصابت الشعب العربي الفلسطيني، إنما هناك حاجة ماسة للغاية في الاستعانة بالنصوص الأدبية ومنها الشعر لفهم أحاسيس ومشاعر وتطلعات الناس على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم الحياتية. وفي خضم هذه العملية سنخرج عن المألوف في هذه المرة بالاستناد إلى الشعر والاستعانة بمضامينه وتعابيره من أجل سبر غور حب الشعراء لحيفا.

ما السر الذي تحمله حيفا؟

ونسأل السؤال التالي: ما هو كنه هذا السر في حبهم لحيفا؟ منهم من ولد وعاش في حيفا، ومنهم من لم يولد فيها بالرغم من أن أهله وأسرته منها، ومنهم من لا صلة مباشرة أو غير مباشرة، لا من قريب ولا من بعيد بهذه المدينة، إنما كتبوا عنها قصائد رائعة وجميلة وذات حس إنساني مرهف. يبدو بكل وضوح أن حيفا أحد أسرار هذا الكون، بل أحد أجمل أسرار عالمنا، مما جذب وما يزال عشرات من الأدباء والمفكرين والكُتّاب والشعراء إلى الكتابة عنها بكل ما لديهم من طاقة وقوة.

شاعران لحيفا


عبد الله منصور

عبد الوهاب محمد الجبوري


واخترنا لهذا المقال شاعرين: الأول هو عبدالله منصور وهو فلسطيني المولد، والثاني عبد الوهاب محمد الجبوري عراقي الأصل والمولد والمنشأ، فلسطيني الروح والرؤى.

عبدالله حسين منصور من مواليد قرية المنسي الواقعة في قضاء حيفا، والتي دمرتها الآلة الحربية الاسرائيلية في عام 1948 وحولتها إلى ركام وطردت أهلها الأصليين وجعلتهم لاجئين في غير وطنهم. وأقامت المؤسسة الاسرائيلية على بقاياها مستعمرة "منشيه" القريبة من مستعمرة يوقنعام على سفوح جبل الكرمل إلى الجنوب الشرقي لمدينة حيفا. وعاش فترة طفولته وصباه في ربوع هذه القرية الوادعة والجميلة والتي تحمل تاريخًا نضاليًا مجيدًا، إذ أن عائلته قدّمت عددًا من الشهداء البررة في سبيل فلسطين الوطن الغالي الذي نحب. وحظي شاعرنا بفرصة زيارة حيفا وهو ولد، وتركت المدينة الكبيرة في نفسه موقعًا استثمره لاحقًا في بعض أعماله الأدبية.

وبعد تهجير أهالي القرية التحق بمدرسة جنين الثانوية لينهي فيها دراسته الثانوية في مطلع الخمسينات من القرن المنصرم، ثم التحق بجامعة بيروت العربية في فرعها بمدينة الإسكندرية بمصر، ونال الليسانس باللغة العربية، ثم نال درجتي الماجستير والدكتوراة في الآداب العربية من الجامعات الباكستانية. وعمل في مجال الإعلام في الأردن وعمد إلى نشر قصائد ومقالات أدبية متعددة في الصحف المختلفة في الأردن والعالم العربي. ومن أبرز القصائد التي كتبها تلك التي تحمل اسم "حيفا". ويبدو بوضوح أن حيفا قد تركت أثرًا في ذكرياته وفي خياله، فعبّرَ عن ذلك بصور رائعة في الجمال.

"لحيفا نُطرّزُ خارطة من شظايا

وزوبعة من شجر

ونصطفُ في دبكةٍ للشهيد الأخير

فحيفا مُخبأة في زوايا

حقول شعير

ونرجسة من حجر

وحيفا كشمس معلقةٍ فوق صدر الصبايا"

إنه يميل إلى أن يؤنث حيفا ويجعلها امرأة تجمع في داخلها هموم الشعب الفلسطيني. ولكن لا يُبقيها عند هذا الحد بل إنه يجعلها رمزًا للتحدي ورفض الاستسلام والظهور بالعنفوان الذي لا ينكسر، فيقول:

"سلامٌ عليك

توضأ بعشب الحقول

وخبئ سلاحَكَ في مقلتيك

فما زال سيفُكَ يعرُبيًّا

وما زلت تعشق ظهر الخيول"

وبكونه مشردًا ولاجئًا فإنه عمل على جعل حيفا قريبة منه ليخفف من لوعته وحزنه على الفراق:

"لماذا أحِنُ إليك، وأنت قريبة؟

لماذا أحِنُ إليكِ، وأنت بعيدة؟

وقد صِرتِ احتياجي

وكل اكتمالي

وصرتِ الحبيبة"

إنه مشتاق إلى حيفا، وشوقه يرافقه كهمِّ كبير لدرجة الابتهال والسهر ليحظى برؤيتها، فيقول:

وقفتُ حزينًا

وعيني تُسافرُ صَوْبَ الشمال

وكُلّي ابتهالْ

وأسألُ عنكِ رفوفَ الحمام

هموم السهارى، وطول الليالْ"

وتلاحقه صور حيفا في مواقع تشرده وتنقلاته الكثيرة ككُلِّ فلسطيني حكمت عليه النكبة بهذه الحالة فإن حبه لحيفا يختلط بحبه لأمه، مما يؤرق حياته وكلماته، فيكتب ما يلي:

"أحيفا بدَت؟...

أمْ مناديل أمي ملوحة كالبيارق؟

أحيفا نأت؟...

أم حروفي التي أخذتْ شكلَ مرحلتي؟"

ويتسع بعده من المكاني الضيق ـ أي من حيفا ـ إلى البعد المكاني الأوسع ـ أي إلى فلسطين:

" من أجلِكَ يا وطني أشربُ ماء البحرِ

واتركُ زورقَ أحلامي مشلولاً فوق رمالِ

تشتاق لقطرةِ ماء

من أجلِكَ أركبُ ظهرَ الريح وأمضي بارودًا

غضبًا ودماء".

ويحاول أن يتصل بحيفا بكل طريقة ممكنة بعد أن سدّت اسرائيل فرص عودة أهل فلسطين الأصليين وأصحاب الأرض إلى وطنهم:

وسألت الأسماكَ عن البحر المفقودْ

لم تُجِب الأسماك

وسألتُ الأسلاك عن الدربِ المسدود

لم تُجب الأسلاك"

وما أجمل تلك الصورة التي يُصَوّر فيها بقاء الوطن في زاوية ما في داخله بالرغم من كل التنازلات التي تجري بالجملة للوطن:

"فاكتب الآن ما شئت

عن وطن غائبِ في الضلوع".

أما الشاعر الثاني الذي اخترناه لهذا المقال فهو عبد الوهاب محمد الجبوري. وهو من مواليد الموصل في العراق في العام 1957. وحائز على عدة شهادات في مجال الألسنية، وخاصة تخصصه باللغات السامية كالعبرية والآرامية والأدب العبري الحديث والمعاصر. ونشر عددًا من الدراسات والبحوث، منها كتاب "اللاسامية في الفكر الصهيوني"، "مدخل إلى النقد الأدبي العبري"، "المُحارب" مترجم عن العبرية ومن تأليف يهودا هرئيل، و"قاموس المعرفة اليهودية" مترجم عن العبرية ومن تأليف شموئيل غاؤون، وغيرها كثير. والجبوري ناشط في عدة هيئات وجمعيات ومؤسسات أكاديمية وثقافية في العراق وخارجه.

والشاعر والباحث العراقي الجبوري، كما أسلفنا، لم يولد في حيفا ولا في أي جزء من فلسطين، إنما تركت قضية فلسطين العادلة أثرًا بالغًا في فكره ونشاطه، أسوة بعدد كبير من الباحثين ونخب المثقفين العرب. وعبّر عن حُبه لفلسطين المتألمة والمتأملة من خلال تبنيه نموذج حيفا، فحيفا اعتبرها مُنطلقًا لُغوي وكوني لتجاربه الشخصية وتجارب الأمة العربية. فهو يستخدم حيفا نموذجًا لكيفية تعامل العرب مع القضية الفلسطينية وكيفية نظرته هو إلى هذه القضية.

كتب الجبوري قصيدة بعنوان "حبيبتي حيفا" والتي تكشف لنا معالم شعرية وإنسانية تؤكد بقوة وزخم التزام الشاعر بالقضية.

"حيفا... والكرمل... والشطآن

مصابيح أودت بها ريح الشتاء

عيون سمراء، تتهاوى على الأجفان

حيفا، محبوبة القلب والأحزان

يذوي رونق سحرها إذا صبّ اللهيب عليّ

يوم فراقها، شوقًا يشاطرني بوحها

اشتاق لظِلِها، لأشرب من نهر الكحل

أعومُ في بحر عينيها

أضاءت تخط على يدي مشاعلها"

نلحظ أن حيفا حبيبته الحزينة، الغائبة الحاضرة في ضمير الشاعر وضمير كل عربي، فهو يشكي همه، ويُظهر شوقه إليها، وهي كالمحبوبة يغوص في بحر عينيها، وبحر حيفا، وما أدراك ما بحر حيفا هذا!!

"هي حيفا ... حبيبتي

أُغازلُ وجنتيها

فأرتقي قمم الكرمل بين راحتيها

كصوت أبي الذي رحل قبل المغيب

كدعاء أمي: أيها النحيب

كن ناعمًا ورقيقًا كحلمي

كجدتي...

لاذت حمائمها بأوردتي

لا أمل درب غربتها

وقد غفا بهديل مزمار

هي حيفا... حبيبتي

هذي عتبات مجدها

أزفّ لها نواعيري"

يستحضر من خلال حيفا صوت الذين رحلوا مبكرًا كأبيه، وأمه وجدته، وهو بهذا يصف لنا بشاعرية قوية صور الرحيل والألم والأمل، مشاركًا بذلك الشعب الفلسطيني الذي تم ترحيله بالقوة والعنف عن موطنه الأصلي. ويُكرّر الشاعر "حيفا ... حبيبتي"عدّة مرّات ليؤكد بصورة مستمرة دونما انقطاع أن حيفا لها دلالات المرأة الحبيبة، والوطن الغالي، والأرض والأم، والنور...

هذه حيفا، إنها الجنة في الجمال

تلك إذن هي حيفا، هي صورة مصغرة للوطن بكامله. الوطن والقضية صنوان ولا يفترقان، يجمعهما أمر واحد وهو السير نحو مستقبل واعد فيه دائما حب الوطن بالرغم من البعد، وفيه أيضا صدق وعدالة القضية الفلسطينية.



17/06/2010



® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600