إكتشاف بيت أبي الطيب المتنبي في حلب



مرت مئات السنين على وفاة المتنبي، غير أنه ما يزال حيا في نفوس الناس عبر أبلغ الأشعار والحكم. في حلب السورية تم مؤخرا اكتشاف البيت الذي عاش فيه وكتب قصائده التي لم تجلب له الصداقات فقط، بل الحساد والعداوات أيضًا.

لو قمنا بسؤال عدد من شباب اليوم عن صاحب هذا البيت الشعري الذي تتناقله الألسن جيلاً بعد آخر "ما كل ما يتمنى المرء يدركه/ تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"، فإن قلة منهم ستعرف الجواب الصحيح رغم ترديدهم لأبياته التي تتضمن الكثير من الحكمة حسب رأي معظم الأدباء والنقاد. إنه الشاعر الكوفيّ أبو الطيب المتنبي الذي سطع نجمه في تاريخ الأدب العربي من خلال أبيات شعرية تكاد تصلح لكل زمان ومكان لما فيها من بلاغة وإبداع ورقة ودقة. لكنه أيضا شاعر "الأنا" المبالغ في الفخر بنفسه، أوليس هو الشاعر الذي تغنى بنفسه أمام سيف الدولة الحمداني بقصيدته، التي قال فيها:

الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صممُ

ويكتسب هذا الحضور اليوم أبعادًا ملموسة مع اكتشاف البيت، الذي عاش فيه المتنبي قبل 1100 عام في مدينة حلب السورية أثناء حكم سيف الدولة الحمداني. وقد اكتُشف البيت على بعد أمتار قليلة من قلعة حلب، التي تعد إحدى أجمل القلاع في العالم. ويتألف المنزل المُشيد من الحجارة الشهباء، التي نسب اسمها لمدينة حلب ذات التاريخ الممتد لأكثر من اثني عشر ألف سنة، من طابقين، وعدد من الغرف ذات الحجم المتوسط بأبواب خشبية ونوافذ تتربع فوقها قناطر بألوان جميلة وتصاميم السورية.

أما الفضل في اكتشاف مكان البيت فيعود إلى المؤرخ محمد قجة، الذي يتولى كذلك منصب المستشار الثقافي في محافظة حلب. فقد اهتدى إلى موقع البيت اعتمادًا على وصف ورد في كتابي كمال الدين بن العديم "بغية الطلب في تاريخ حلب" و"زبدة الحلب من تاريخ حلب"، إضافة إلى مراجع أخرى لابن الشحنة وغيرهم. وفي هذا السياق يقول محمد قجة: "يشير ابن العديم إلى إن المتنبي نزل في حلب337 بعد لقائه سيف الدولة وكانت أقامته بجانب "دور بني كثرة" أو بيوت بني كثرة، عشيرة عربية قريبة لابن العديم سكنت حلب في تلك الفترة، الأمر الذي جعلني أحدد الموقع من خلال كتابات ابن العديم".

مسكن للمطلقات ومركز للسياح


ويوضح ابن العديم في كتابه كيف أن دار المتنبي تحول إلى "خانقاه" أي مضافة بعدما هدمت حلب على يد "نقفور فوكاس البيزنطي"، وعرف الموقع بعدها باسم "خانقاه سعد الدين كبشتكين" في الفترة الزنكية والأيوبية، حيث إن سعد الدين كان من كبار مساعدي نور الدين الزنكي. وقد "تعاقبت أسماء ووظائف مختلفة على المكان، الذي يسمى الآن بالمدرسة البهائية، أبرزها المحكمة الشرعية، وقبلها المدرسة الصلاحية، وقبلها خانقاه – أي مضافة – سعد الدين كبشتكين"، كما يقول قجة. ويضيف المؤرخ السوري قائلاً: "وقبله أحد بيوت آل العديم التي سكنها المتنبي في فترة سيف الدولة الحمداني". وبعيدًا عن أجواء حياة المتنبي ازدحم البيت بالزوار عندما أصبح في فترة ما مركزًا للقاء الأسري، حيث كان المطلقون يزورون أبنائهم الذين يقطنون برفقة أمهاتهم في هذا المنزل. لكن مع تحويل البيت إلى مركز سياحي بات الآن بات قبلة للشعراء والسياح والشباب اللذين يرددوا أبيات المتنبي دون معرفة الكثير عن حياته الخاصة وحبه لخولة أخت سيف الدولة.

ويقصد بيت المتنبي هذه الأيام وفود وسياح من كل حدب وصوب يحاولون من خلال هذه المكان استرجاع الزمن والتقرب من المتنبي عبر الواقع الذي عاشه، وليس فقط عبر قراءة أشعاره. ويقول كاسر الأسد، مدرّس لغة عربية "إن كل الناس تسمع بالمتنبي بحكم أن المناهج التدريسية تتضمن قصائد له، ومع اكتشاف بيته يمكن للمهتمين الاطلاع على أجواء إنتاج هذه القصائد". ويردد كاسر وهو يتجول أمام البيت بيت المتنبي: "أطاعن خيلاً من فوارسها الدهرُ/ وحيدًا قولي كذا ومعي الصبرُ".

وسوف يتم تحويل بيت المتنبي إلى متحف يضم قاعدة بيانات الكترونية تحتوي على معلومات عن المتنبي وشروح لدواوينه وكذلك غرفة تجهيزات صوتية لسماع قصائد المتنبي على لسان شعراء معاصرين. كما سيكون هناك غرفة كبيرة لعرض قطع أثرية تعود للفترة الحمدانية سواء بالملابس أو النقود وغيرها.

متنبئيات
ومَن العداوة ما ينالك نفعُهُ              ومن الصداقة ما يضر ويؤلمُ
إذا اعتادَ الفتى خوضَ المنايا           فأهونُ ما يمرُّ به الوحولُ
إذا أنت أكرَمت الكريمَ ملكتَه            وإن أنت أكرمْتَ اللئيمَ تمرّدا
إذا رأيتَ نيوبَِ الليثِ بارزةٌ           فلا تظُنَّن أن الليثَ يبتسِمُ
إذا أتتكْ مذمتي من ناقصٍ              فهي الشهادة لي بأني كاملٌ
ما كُل ما يتمنى المرءُ يُدْرِكه تجري   الرياحُ بما لا تشتهي السُّفُن
ذو العقلِ يَشقى في النعيمِ بعقلهِ         وأخو الجهالةِ في الشقاوة يَنْعَمُ
لا يْسْلَمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى      حتى يُراق على جوانبه الدَّمُ
مَن يَهُن يسهُلِ الهوانُ عليه              ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
ومِن نَكَدِ الدنيا على الُحر أن يرى     عدوًا له ما من صداقتهِ بُدُّ




عفراء محمد
حلب
1/5/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600