على هذه الصخرة سأقيم قلعة الإبداع! - فتحي فوراني



لقد آن لهذا الرجل أن يستريح من الجهاد في ساحة الوغى التربوية..ويذوق حلاوة الاستراحة..استراحة المقاتلين..الذين قاتلوا أكثر من أربعين عامًا..في سبيل بناء جيل يعرف كيف ومن أين تؤكل الكتف..

جيل يتطلع نحو مستقبل يواكب وتيرة التطور العلمي الذي تتوالد منه مفاجآت تطاردها مفاجآت..تنهال علينا بتسارع لم يخطر ببال الخيال!

آن لهذا الرجل أن يرتاح في جنة الورد الصغيرة..حديقة البيت التي تحتضن ينابيع الألوان..وتلعب في ساحاتها آلهات الإبداع..على همس ريشة الفنان الرشيقة..

آن للفنان أن يسترخي تحت ظلال الصنوبر في الغابات الخضراء لتصطاد ريشته شذا الألوان التي تغفو في الأحضان الكرملية..

تستطيع الآن..يا أبا خالد..أن ترى ما تريد..وأن تبدع ما تريد..وأن تجلس مع من تريد..وأن تشرب العناقيد النواسية مع من تريد..وتعشق من وما تريد..

• هؤلاء هم أصدقاؤك

تستطيع أن تختار أبا نواسك الذي تريد..وكأس المُدام وجميع شلة الأنس والندمان التي تريد..

تستطيع أن تقيم سهرات السمر وتحت سماء خيمة واحدة..مع المتنبي والبستاني وموليير وصموئيل بيكيت وابن منظور ومايكل أنجلو وليوناردو دافنشي وبيكاسو وفان جوخ..وتغسل الروح بنسمات الحرير الفيروزية الرحبانية..

هؤلاء هم أصدقاؤك..

لقد أحببت هؤلاء جميعًا..وكان هؤلاء محاور حواراتنا على شواطئ الراحة بين حصة وأخرى..وبين نرفزة وأخرى..وبين وشوشة وأخرى..وبين دعابة وأخرى..من الدعابات القعبورية!

• حكاية عشق!

لأبي خالد قصة عشق كان يجهر بها..دون أن يخشى في العشق لومة لائم..وكانت شريكة العمر على دراية تامة بأسرار هذا العشق..لقد فرحت به وكانت راضية مرضية..

كان عاشقًا للغة العربية..لغتنا القومية!

فقد عشقها عشقًا جنونيًا..

وحرص أشد الحرص على سلامتها وعافيتها ونضارة وجهها..

فاختار لها أجمل الأزياء..كان يداعبها ويمشط شعرها ثم يضمّها إلى صدره ضمّة تختزن بحرًا من الدفء العاطفي!

لقد ذاد عن حياضها..ووقف بالمرصاد لأية نأمة أو زلّة لغوية أو نحوية..

كان ينبري منافحًا عنها..حاملا راية نقش عليها النداء "دافعوا عن كرامة الأبجدية العربية".

فعندما كان يصلح أوراق الامتحانات في موضوع الرياضيات..ويصطدم بـ"مثلثان" مجرورة بالألف بدل الياء..أو حين يكتب الطالب عبارة: ينطبق "المثلثين"!! يكاد أبو خالد "يطبق" السماء على الأرض..ويغضب غضبة مضرية تهتك حجاب الشمس..ويعلنها حربًا شعواء على الزلة اللغوية..منتصرًا لكرامة الكلمة العربية المثخنة بالجراح!

غير أنه يتماسك..ويأبى أن يفعل ما فعله إبراهيم طوقان..الذي كاد يسقط ما بين البنوك قتيلا! وذلك حين:

رأى "غزالا"ً بعد ذلك كله رفع المضـاف إليه والمفعولا!!

بعدها..يقوم معلم الرياضيات بعملية شلع الآذان شلعًا تربويًا ناعمًا..يفيض محبة ودعابة..فيشهر البطاقة الصفراء..وينذر بالبطاقة الحمراء!

لقد كنتَ وما زلتَ عاشقًا للغة العربية..تحرص في ما تكتبه على انتقاء الكلمات بدقة رياضية وذائقة رفيعة..وتزن الأبجدية بميزان الخبير بأسرار الذهب وموازينه الدقيقة..وهذا ما يتجلى في "التطويبة" التي كانت شاردة في غابات المسكوت عنه!

ففي هذا الكتاب حملت المجهر الإلكتروني ورحت تدقق في وضع الفاصلة في مكانها..والنقطة في مكانها..وعلامة الاستفهام في مكانها..وعلامة التعجب في مكانها..

إنه حرص شديد عجيب..يدعو إلى الإعجاب..عندما يصدر عن معلم الرياضيات!

عرفتك رحّالة..تجول في غابات المعاجم..تتعقب آثار الكلمات الهاربة الشاردة..وتطارد غزالة الأبجدية..وتنصب لها الشراك..فتجدها مختبئة في مكان ما في أعماق "محيط المحيط"..أو "لسان العرب"..فتنقضّ عليها وتقتنصها وتمسك بها..فتفرح بها فرحًا غامرًا..كطفل يعثر على دمية جميلة مدهشة..ثم تشبعها ضمًّا وتقبيلا..وتذوب..تذوب فيها عشقًا..

فمن العشق ما قتل!

• ألكلمة كالرصاصة..إذا انطلقت يجب أن تصيب هدفًا!ألكلمة التي ستلقى أمام الآخرين..مسؤولية من الطراز الأول!

لقد عهدتك حريصًا على أن لا تخطئ..فأنت تدقق في اختيار أدق الألفاظ وأجمل التعابير..وقبل إطلاق الكلمة..لا تجد حرجًا في اللجوء إلى أستاذ اللغة العربية لإلقاء نظرة..والتدقيق في الكلمة التي ستلقيها أمام الجمهور.

جاء في تراث آبائنا وأجدادنا..ما قالته العرب: "ما خاب من استشار"..

ولم يخب أبو خالد..فقد استشار..ثم وضع خدّه على الوسادة..وأغمض عينيه..ونام مطمئنًا قرير العين!

فالكلمة مسؤولية..وسير على حد السيف..وأي انحراف عن الصراط المستقيم مصيره "بهدلة" عليها شهود..وسنّ حراب "الأساتذة" المتربصة للانقضاض على أية زلّة لُغوية!

قال سارتر عن الكلمة الملتزمة: ألكلمة كالرصاصة..إذا انطلقت فإنها لا ترجع..وإذا انطلقت..يجب أن تصيب هدفًا..

لقد أجدت فن التصويب والرماية!

فدوزنت كلمتك على إيقاع جان بول سارتر..ثم أطلقتها..فما كانت لتعود..وأصابت هدفًا..نزلت عليه صبًّا!

• عن الخوارزمي والأبشيهي وأميرات الحدائق..وخفة الظل!

عرفتك صديقًا صدوقًا للخوارزمي وصحبه من علماء الرياضيات..تسهر معهم كل مساء ..

عرفتك عاشقا للورد الجوري والأضاليا وحصان الجنة وشقائق النعمان والحبق والزوفا والكولونيا والنرجس والياسمين وغيرها من أميرات الحدائق التي تضوع شذًا في مملكة الورد..

تحمل فرشاتك الرشيقة الأنيقة..وتحلق بها في فضاء الإبداع..فتطرز على الأوراق البريئة الطاهرة أشكالا وألوانًا..وتخلق عالمًا يغصّ بأقواس قزح..

عرفتك إنسانًا إنسانًا..لطيف المعشر..خفيف الظل..ونديمًا مؤنسًا في مجالس الأنس..

عرفتك عاشقًا للفن الفيروزي والزجل الذي أطلعته جبال لبنان وأرزه وضاحيته..وما بعدها..حتى جبال الجليل!

عرفتك محدثا لبقًا وراوية للطرائف الجميلة..وصيادًا ماهرًا "للمستطرف من كل فن مستظرف"..فكنت صديق الأبشيهي ونديم بنت الكرم النواسية..وتلميذًا نجيبًا في مدرسة سلام الراسي..

تستطيع الآن أن تقرأ البيان رقم واحد..وتقول بملء الفم وعنفوان شباب العشرين: لقد ولدتُ من جديد!

• ومن كُتبت عليه خطى مشاها!

أمس مساء جاءتني عصفورة زرقاء وهمست في أذنيّ: لقد عمل الفتى مارون..في العمار سنتين..وروت نقلًا عن أهل العلم عن عرّافة الكرمل عن زرقاء اليمامة..أنها قالت: لقد كان الفتى مُعلمًا في بناء الحجر..وسيكون، مستقبلًا، معلمًا في بناء البشر!

لم يفكر الفتى أبدًا في احتراف مهنة التربية التعليم..أشرف المهن على الإطلاق!

غير أن القدر لعب لعبته..فمشى الفتى خطى كتبت عليه..ومن كتبت عليه خطى مشاها..

وانضم إلى فتية آمنوا بمبدئهم..وآمنوا أن شعبهم وضع في أعناقهم أمانة..فأشهروا المشاعل..وحملوا الرسالة!

لقد آمنوا أن مهمتهم الكبرى..صنع جيل جديد..جيل يعرف من أين تؤكل الكتف..يلتقطها على الطاير..ومن الإشارة يفهم..

إنهم فتية آمنوا برسالتهم..فركبوا بحارًا هائجة..وسبحوا ضد التيار وكانوا نموذجًا آخر..مختلفًا عن النمط المألوف..الذي أراده لنا الآخرون!

إنهم كوكبة تسير منتصبة القامة..في حقول مزروعة ألغامًا..نُصبت على سياجاتها الكاميرات الخفية..التي غرسها "الأخ الأكبر"..علي بابا وعصابته "الأربعون"!

هذه الكوكبة ساهمت في صنع مجد الكلية..ووضعتها على المواقع المتقدمة في خارطة الثقافة والتربية والتعليم في وطن الآباء والأجداد!

ومن خلال هذا الموقع..أخذت على نفسك مهمة ليست سهلة إطلاقًا..فقد أردت أن تُحدث تغييرًا في موضوع الرياضيات..لجسر الثغرة بين الموجود والمنشود..وخلق الانسجام والتناغم مع المعاهد العلمية العالية..

وتشهد النتائج وتشهد الأجيال تلو الأجيال..وتشهد المعاهد الأكاديمية العليا..أن حلمك لم يظلّ حلمًا..لقد أنزلته من عليائه..وأخذت بيده..فراح يمشي ويغذّ الخُطى على أرض ثابتة راسخة..بثقة وإباء وكبرياء!

• لا تُعدم الحسناء من ذامّ!لقد

ركبتَ العاصفة..لتكشف لنا حكايات وتفصيلات أثارت الكثير الكثير من الخفايا والخبايا النائمة في الزوايا المعتمة..وغامرتَ في إماطة اللثام..عن المسكوت عنه..وعن بعض عثرات الكرام!

فلامستَ أكثر الأعصاب حساسية..ووضعت الإصبع على كثير من الجراح الراعفة والنازفة..

في "التطويبة المفقودة"..تسلط الضوء على الحوارات التي كانت تجري بينك وبين الزملاء والزميلات..بينك وبين المسؤولين عن الكلية..بين القرايا وبين السرايا..وكانت حوارات مستفزة أحيانًا..كانت فيها العاطفة سيدة الموقف!

غير أنها نابعة من إخلاصك وحرصك على هذا الصرح الثقافي..حامل شعلة التربية والتعليم..وحامي حمى الأجيال الصاعدة..وحارس اللغة العربية والتاريخ والرياضيات والمواضيع العلمية..وحارس الهُوية الثقافية والقومية!

وقد وضعت إصبعك على جوانب شخصية..في العلاقات مع السرايا ومع بعض الزملاء..وكم كان من الأولى إبقاؤها في الظل!

ومهما كانت المآخذ التي أخذتها على القائمين على هذا الصرح..فلا نستطيع إلا أن نعترف بفضلهم على الكلية وعلى الجهود المخلصة التي بذلوها في سبيل النهوض بها والحفاظ على موقعها الريادي على الجبهة التعليمية والتربوية والثقافية..

وذلك..رغم الأخطاء التي صدرت عن أي طرف من الأطراف والتي ارتكبت بحق أو بغير حق..

فمن لا يعمل..لا يخطئ!

• إذا كنت في كل الأمور معاتبًا صديقك، لم تلقَ الذي لا تعاتبُهْ

ويرى الذين وُجهت إليهم سهام المؤلف أن هنالك "شخصنة" للمواقف التي لا ضرورة للإشارة إليها..ولا فائدة من وراء نشرها..وكان الأولى بالمؤلف أن يبقيها لنفسه أو أن يواجه المسؤولين عنها وجهًا لوجه..بعيدًا عن الأضواء..كما يرون أن نشرها لا يحقق غرضًا ولا يخدم أحدًا!

قد يتفق المتفقون ويختلف المختلفون..حول تقييم بعض الأحداث والتفصيلات التي غصّت بها "التطويبة"..

غير أنني لا أشك أن هؤلاء وهؤلاء لا يختلفون على أنها "نجحت" في إثارة الزوابع النائمة! وفتحت العيون على مساحات معتمة وبؤر ساخنة..في الحدائق الخلفية!

فأزاحت الستار عن أمور كثيرة لم نكن نعرفها!

وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة قائمة في مكان ما في الوسط!



جاء في الموروث الشعري لبشار بن برد العباسي عن انتفاء "النموذج المثالي":
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا                   صديقك، لم تلقَ الذي لا تعاتبُهْ
فعِشْ واحدًا أو صِلْ أخـاك فإنه            مُقارفُ ذنب مرة ومُجانبُهْ
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى           ظمئت، وأيُّ الناس تصفو مشاربُهْ؟


ويبقى إخلاص الأطراف المختلفة..من سرايا وقرايا..هو القاسم المشترك للإخوة المرابطين في الخندق الواحد..ويظل الإخلاص المعيار الحقيقي للنهوض بهذا الصرح التربوي الطليعي!

قد يختلف البعض حول مدى الصحة في المواقف المختلفة ومعايير تقييمها في هذه الحوارات..على المستوى الفكري..والمستوى الشخصي والعاطفي..
لكنني لا أشك للحظة أنك عبّرت عن مشاعر..نابعة من قناعاتك أنت!
ومن الطبيعي أن تختلف عن قناعات الآخرين..
فهذا أنت..هذا أنت..ولا تستطيع إلا أن تكون أنت!
والآخرون هم الآخرون..ولا يستطيعون إلا أن يكونوا "آخرين"!
"ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة، ولا يزالون مختلفين"!
• على هذه الصخرة سأقيم قلعة الإبداع!لقد

شمّرت عن السواعد..وطمحت إلى دفع مركبة النهوض بالكلية..لكي تحافظ على ريادتها في جبهة التحدي الثقافي والحضاري الذي نواجهه في هذا الزمن الرمادي المتعب!

لقد ركبتَ مركبًا صعبًا..وحاولتَ ترويض الأعاصير..بحثًا عن "التطويبة المفقودة"!

وأخيرًا انطلقت صرخة الفرح..يوريكا..يوريكا!

لقد عثرت على "التطويبة المفقودة"..ورفعت الراية وغرستها على قمّة من قمم الكرمل..ونقشت على صخرة شامخة بحروف خضراء تتلألأ من بعيد: على هذه الصخرة سأقيم قلعة الإبداع!

(نص الكلمة التي ألقاها الكاتب في الأمسية الثقافية التي أقامتها رابطة الخريجين في الكلية الأرثوذكسية العربية في حيفا حول كتاب "التطويبة المفقودة"- سيرة ذاتية- من تأليف الأستاذ مارون قعبور مدير الكلية السابق. وقد شارك في هذه الأمسية، إضافة إلى الكاتب، الأساتذة حنا أبو حنا ود. جوني منصور ومارون قعبور).


17/4/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600