شرفات على الحدائق الخلفية - فتحي فوراني - حيفا

ثلاثة شعراء.. وقصيدة واحدة!


جلسة أدبية ثقافية شخوصها ثلاثة..شاعر يجري ولا يُجرى معه..وانطلق صاروخًا محلقا في السماء السابعة..وآخر على ظهر خيله.. يجري ويجري ويجري..ويسعى لئلا يُجرى معه..وثالث يخوض وسط المعمعة!..والمسافة بينه وبين الشعر لا تقل عن ألف سنة ضوئية!

موضوع الحوار: القصيدة النثرية..والانفلات الشعري الذي يسيطر على الشارع الأدبي هذه الأيام..والذي يشبه "لطًّا على سحنة"..ويُدخل القارئ في متاهات وأحاجٍ وألغاز تستعصي على الإفهام والأفهام..لا سيما وأن الذين يكتبون هذا اللون من "الإبداع" لا يملكون الحد الأدنى من الموهبة..و"الإبداع" الوحيد الذي يجيدونه..هو رصف الكلام رصفًا عشوائيًا قد يعني ألف شيء وشيء ولا يعني شيئا بعينه..ثم "تسفيطه" بشكل فوضوي مرتّب على آخر طراز..وبطريقة توهم القارئ العادي المصاب بداء المطالعة..أن هذا الكلام نوع من "القصيدة النثرية" التي تنتمي إلى فن "الشعر الحديث" الذي لا يفهمه ولا يتذوقه إلا المثقفون والنخبة من أصحاب الذائقة الشعرية الرفيعة!

هكذا تكون البهلونيات "الإبداعية"..ولا يمكن أن تكون غير ذلك. وإلا فلا!

**


ويطيب لأحد الإخوة الثلاثة أن يطرح فكرة طريفة لإماطة اللثام عن التهافت في "نظرية الشعر الحديث": أن يقوم الثلاثة بتجربة "إبداعية" "فلنكحية" تكسر الرتابة المثيرة..التي تخيم على المشهد الأدبي الرمادي!

وتكون التجربة على النحو التالي: بناء لوحة أبجدية تجريدية كاركاتيرية مؤلفة من الكلمات غير المتآلفة والجمل العشوائية البهلوانية، ثم نشرها في الصحيفة اليومية التي انتقلت إلى رحمته تعالى قبل أكثر من ثلاثة عقود والتي دأبت على الترويج لهذا اللون من "الشعر" الهابط، الذي "ينأى بنفسه" عن التعبير الصادق عن نبض الإنسان العربي الباقي في وطن آبائه وأجداده..والناهض لتوّه كالعنقاء من بين أنقاض النكبة..

وكان الطموح أن تكون هذه اللوحة السوريالية قصيدة مميّزة لم يستطعها الأوائل ولن يقوى على صنع مثلها الأواخر!!

والفكرة وراء هذه "البهلوانيّة الشعرية" المُحكمة إقامة الدليل القاطع على أن ما ينشر في الصحافة اليومية وتروّج له بعض الصحف..لا يعدو كونه ضربًا من ضروب الدجل اللفظي الذي ينتحل الزيّ الشعري المتباهي تجديدًا وحداثة!

ينتهي الثلاثة من ورشتهم ويخرج من بين أصابعهم نَص "إبداعي" حديث وظريف..يتربع على عرشه عنوان مثير وطريف.."سمفونية الجرح العاري"!

ولا علاقة لهذا العنوان من قريب أو بعيد بـ"مضمون القصيدة" العارية من أي مضمون!

ولا علاقة له بالسمفونيات ولا الجراحات ولا العاريات!

وتولد "قصيدة نثرية" عزّ نظيرها عبر جميع العصور الأدبية..فتظهر على المسرح تتبختر بخيلاء..وتتألق بهاءً وكبرياء..وأنفها يلمس سقف السماء!

هي قصيدة تفخر بنسبها وانتمائها النبيل إلى عائلة "شعر التفعيلة".. وتتباهى بنسبها وزنًا وقافيةً وصرفًا ونحوًا وغموضًا وإبهامًا وانغلاقًا..تتحدى سيبويه وأصحابه الأكرمين! وهي في الحقيقة لا شيء..لا معنى ولا لغة ولا خيال ولا إبداع..ولا يحزنون!

**

من حيفا تطير "القصيدة" إلى صحيفة "أخبار آخر زمان" بتوقيع "شاعر" وهميّ لا علاقة له بالشعر ولم يسمع به أحد!

والعلاقة بينه وبين الشعر ما صنع الحداد!

تنشر "القصيدة"..فيحدث زلزال في خارطة ما اصطلح على تسميته "بالشعر المحلي"..وتأبى "القصيدة" على نفسها إلا أن تشق طريقها لتتربع على "عرش الشعر"..وتضع على رأسها إكليل غار..وتحظى بالجائزة الأولى في مسابقة الشهر..

بعد أسبوع من النشر..يعلن عن فوزها بالجائزة الأولى..وتنصيبها ملكة على عرش الجمال الشعري!

فقد صنعوا منها للجمال مثالا وانحنى البعض خُشّعًا على قدميها!

وتستبشر خارطة الشعر بميلاد "نابغة ذبياني" جديد..عندما أتى ملأ الدنيا وشغل الناس..فقد أتى بما لم يستطعه الأوائل..أين منه عمالقة الشعر القديم والحديث؟!

تصل الجائزة المالية تتهادى بخيلاء وكبرياء..تمشي الهوينى ..كأن مشيتها "مرّ السحاب لا ريثٌ ولا عجل"!

وعلى صدرها قلادة خضراء..حوالة بنكية بمبلغ عشرين ليرة! (حين كانت الليرة ليرة!)

فتُنصب مائدة عامرة يزيّنها ما لذّ وطاب من ألوان الطعام والشراب وفاكهة من أعناب ورمان..وتكون سهرة نواسية مميّزة..احتفالا واحتفاء بميلاد الفضيحة الأدبية التي أماطت اللثام عن مدرسة الدجل الشعري..هذا الدجل الذي تمارسه صحافة عصر الانحطاط الحديث..

ويكون زلزال تسونامي زلزل المشهد الأدبي..وجعل الملك يمشي عاريًا!

وكاسك يا وطن الدجل والفضائح!

**


حنين قاتل إلى الشمال


لقاء ثقافي في تل-أبيب..

كتاب وأدباء وشعراء عرب ويهود..لقاء يهودي- عربي..وأحاديث وحوارات ونقاشات..بعضها صادق وبعضها أبعد ما يكون عن الصدق..حديث مراوغ عن التعايش والسلام المفقود..والحلم المنشود..

وتكون حلقة صغيرة على هامش هذا اللقاء..الشاعر راشد حسين وصديقته وشاب طموح يخطو خطواته الأولى في عالم الأدب..

يعرّف راشد صديقته المثقفة على الشاب الطموح.."كاتب وناقد واعد"..يقول راشد..

فيأبى الحياء إلا أن يشهر راياته!

شهادة تبعث الرضى وتدغدغ الـ"نا" في نفس الشاب الذي..يشق طريقه إلى عالم زاخر بالطموحات وأحلام الشباب النيسانية!

**


وكان أحد الأحزاب "اليسارية" قد اعتصر حبة الليمون الفلسطينية..وتركها تواجه مستقبلا يخيم عليه الضباب وتنعدم فيه الرؤية والرؤيا! فوجد يوليسيز نفسه أسير غربة قاتلة!

أنت غريب عن خبز أمك وحميمية أهلك وإخوتك..أنت بعيد عن أصدقائك من الكتاب والشعراء "أهلك السياسيين"..في حيفا والناصرة..

وكانت غمامة سوداء "مارقة"..مارقة عابرة قد خيمت على العلاقات بين الشاعر وبين أهله السياسيين..هذه الغمامة الـ"مارقة" ما لبثت أن انقشعت..وعادت المياه إلى مجاريها الطبيعية..وصافي يا لبن!

يسأل راشد عن أحوال الأصدقاء في حيفا: كيف حال محمود وسميح وعصام وباقي الأصدقاء؟

ويعبر عن رغبته في أن أرتب لقاء في بيتي يجمع جميع الأصدقاء الصدوقين في الشمال..ويعيد المياه إلى مجاريها الطبيعية..بعد أن "جاع التاريخ" وكاد أن يأكل أبناءه..وانطلق إعصارًا تسوناميًّا كاد يدمّر العلاقات الحميمة بين الأصدقاء المرابطين في الخندق الثقافي الواحد!

عودة إلى زمان الوصل..في حيفا!


محمود درويش وراشد حسين وصديق ثالث ينوّر في قلبه بستان رمان صفوري ويحن إلى تراب صفورية عندما كانت على ظهر خيلها.. وقبل أن تدوسه الأقدام الهمجية..

ولقاء في "مملكتي" الصغيرة..غرفة المكتبة الخاصة التي كان يؤمها العديد من الأصدقاء والكتاب والشعراء والمثقفون..الذين يشكلون أبرز المعالم على الخارطة الثقافية..

لقد كانت ملتقى الأحبة..

ويكون لقاء أدبي حميمي مؤثر..فُتحت فيه الصناديق المغلقة..حول مقالة راشد الشهيرة "حين يجوع التاريخ" التي نشرها في مجلة "الفجر"..في فترة حالكة من تاريخ القومية العربية ليلة ساد التوتر في العلاقات بين الناصرية والشيوعية!

وقال راشد وعلى شفتيه ابتسامة حييّة لا تخلو من نغمة حزينة: كم كان عمري عندما كتبت هذا المقال؟..أربعة وعشرين عامًا!؟

**

ويكون السهر سهرًا..ويمتد حتى ساعات الفجر الأولى..

أنظرُ إلى عيني راشد..فأرى جمرتين متوقدتين متعبتين أرهقهما السهر..

ويقترح راشد أن نستريح ونستغل ما تبقى من "ساعات الليل" اليتيمة ونخلد إلى الراحة..فقد جعلنا النوم سباتا!

ألا ترى عيني الواحد منّا ككوز الرمان؟..ويؤشر بقبضة يده كقابض على كوز رمان جاء لتوّه من بساتين صفورية الخضراء..مشخصًا كيف يكون الكوز الأحمر!

ويطلّ أبو نواس على المساحة المتبقية من هزيع الليل المشرف على مطلع الفجر..فيرى الدنّ منطرحًا..جسمًا بلا روح!

وبعد أيام يعاود راشد مواصلة مشواره الذي بدأه..وينشر إبداعه الشعري في مجلة "الجديد" التي رئس تحريرها محمود درويش..فتكون مرحلة جديدة! وتكون نافذة مشرقة تشكل عودة من تاريخ جاع حتى كاد يأكل أبناءه!

فخير الخطّائين التوّابون! وتأبى عظمة الشاعر ونبل أخلاقه وأصالته القومية..أن تتنازل عن هذه الفضيلة..

ويعود يوليسيز التائه إلى بيته (1)..إلى جزيرته الخضراء..وإلى عشّه الدافئ..بين الأهل والأحبّة الصادقين الصدوقين!

**


-3-
مقهى ريتس..وملتقى الأحبة!

لأول مرة يزور الإتحاد السوفييتي..وعاد إلى أرض الوطن إلى حيفا..مشحونًا بالانطباعات والانفعالات التي تركت في نفسه أعمق الأثر..ويريد أن يحدث عنها أول من يلتقيه من الأصدقاء..وأن يشاركه في هذه الانطباعات التي هزت وجدانه..وتركت بصماتها العميقة والمضيئة في نفس الشاعر.

نلتقي في شارع "الأنبياء"..عناق حارّ بعد غيبة..يكاد يطير فرحًا باللقاء..يريد أن يحدّث..يريد أن يفتح قلبه..يريد اقتسام الفرح مع من يلتقيه من أصدقائه..ليبسط أمامه انطباعاته وانفعالاته من مشواره في الاتحاد السوفييتي.

- هيّا نذهب لنجلس في مقهى "ريتس"..

ومقهى "ريتس" هو مقهى ثقافي يقع في منطقة الهدار..اعتاد الكتاب والشعراء والمثقفون ورجال الصحافة الذين يشكلون أطياف الخارطة الأدبية..أن يلتقوا فيه..وتكون لقاءاتهم الثقافية الممتعة..وتكون حوارات ونقاشات مع المثقفين اليهود حول الكثير من القضايا الأدبية والثقافية والسياسية..وآخر الإبداعات التي أشعلت وأشغلت المشهد الأدبي..

- أريد أن أحدثك عن الإنسان السوفييتي..

ويتوثّب الفرح والحماس من عينيه..

ويروح يحدث عن لقائه بالإخوة السوفييت. يتحدث عن حميمية المشاعر التي سيطرت على اللقاء وعن ينابيع المحبة الغامرة التي تدفّقت حوله وأحاطته من الجهات الأربع..

- تشعر أنك بين أهلك..إنهم شرقيون حاتميون في طباعهم وكرمهم واستقبالهم للضيف..إنهم أصحاب نخوة..شعرت أنني بين أهلي وأصدقائي..لقد أحاطوني من كل جانب..واستقبلوني بحفاوة بالغة..

لم أشعر أنني غريب إطلاقّا..إنهم شعب طيب..ألإنسان السوفييتي إنسان رائع..إنه إنسان إنسان!

أودّ لو أزور الاتحاد السوفييتي ثانية!

يقول الشاعر.

فهل كان يعلم أن حلمه سوف يصنع له أجنحة ويحلق ثانية في سماء الاتحاد السوفييتي؟

وهل كان يعلم أنه سينطلق من هذه المحطة..ليحلق..ويغزو سماء تضيق بها سماء الكون؟

وهل كان يعلم أنه في الطريق إلى مشروع "بناء وطن له ولشعبه بالكلمات"؟!

**


بعد مسافة زمنية ليست طويلة..ينطلق من راديو "صوت العرب" من القاهرة نبأ نزول الشاعر الفلسطيني محمود درويش ضيفًا على أرض الكنانة..ويتألق المذيع في وصف الحفاوة البالغة التي حظي بها "شاعر المقاومة" والاستقبال الذي أعدّه له الإخوة الكتاب والشعراء والمثقفون ورجال السياسة الكبار في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي.

وأقول في نفسي: لقد عملها محمود..لقد خسرته!

**


-4-
توفيق فياض..والصعود إلى أسفل!

ثلاثة..محمود درويش وتوفيق فياض..وعبد الله أبو الفتوح الصفدي..

المكان: محطة ساحة الحناطير..أو ساحة الخمرة..التي جار عليها زمن العجائب فأصبحت بالعبرية وبقدرة قادر "كيكار باريس"..أي ساحة أو ميدان باريس!

نخرج من المطعم الشرقي..وننزل إلى النفق الأرضي كي نستقل "الحنطور الكهربائي".."الكرمليت" (ألقطار الكهربائي) الذي أنشأته شركة فرنسية..

نرتقي الدرج الكهربائي المتحرك إلى أعلى..والذي يصعد باتجاه منطقة الهدار..

هنا محطة "الأنبياء"!

يصل الدرج الصاعد إلى منتهاه..

أين توفيق؟ كنا ثلاثة ونحن الآن إثنان!؟ أين اختفى ثالثنا!؟

هل انشقت الأرض وابتلعته!؟

وهل اختطفه الخطّافون المحترفون..أولاد الكلبة؟!

نلتفت وراءنا..فنرى المصعد مستمرًا في صعوده..وتوفيق مستمرًا في تقهقره وهبوطه!

يتقهقر في الاتجاه المعاكس لسير المصعد..ويخطو إلى وراء خطوات إيقاعية منسجمة مع إيقاعات الدرج الكهربائي!

يصيح محمود مداعبًا: ماذا تفعل يا أهبل..أجننت؟!

فيرد توفيق من قاع الدرج بسذاجة محببة: إنني أفكر في كتابة قصة قصيرة عنوانها "ألصعود إلى أسفل"!!

ينتهي الصعود إلى أسفل! ويبدأ الصعود إلى القمة!

يصعد الكاتب..وينضم إلينا..فينفجر الثلاثة ضاحكين..وتنتشر الطرفة في الهشيم الأدبي..ولا يبقى صديق من الأصدقاء إلا ويستمرئ الحكاية ويروي للآخرين قصة "الصعود إلى أسفل"!!

وتنفتح شرفات الذاكرة..فتتداعى الخواطر حتى تصل إلى الناصرة..وإلى "الأعلام المنكسة إلى أعلى!!" التي أنتجتها ورشة "القصيدة النثرية م.ض" لصاحبها الشاعر ميشيل حداد (أبو الأديب) صاحب "النقد الغلافي".."من الغلاف إلى الغلاف"..ولها قصة طريفة..لنا معها لقاء!

فيا أبا أديب الحبيب..أنت في الذاكرة!

وإلى لقاء من نوع آخر..مع"الأعلام المنكسة إلى أعلى!!"



(1) يوليسيز: بطل من أبطال الأساطير اليونانية (ألإلياذة والأوديسة)، وهو شخصية رئيسية في الإلياذة وبطل في الأوديسة المنسوبتين إلى شاعر الإغريق هوميروس.

ترحّل يوليسيز في بحر لا شواطئ له بعيدًا عن وطنه أثينا. ثم عاد إلى وطنه بعد عشر سنوات من التيه والتجوال والمغامرات العديدة. وشاعت في بعض الأدبيات المعاصرة صفة "التائه" مقرونة بهذا البطل الأسطوري "يوليسيز التائه"!


12/3/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600