دُمتَ لنا ديمة سَكوبًا! - فتحي فوراني
بداية أود أن أشكر رابطة الخريجين على هذه اللفتة الكريمة..في تكريم الذين نذروا أحلى أيام العمر..من أجل مستقبل أشرف لشعبنا وللأجيال الصاعدة..

إنها لفتة لها دلالاتها..وعلينا أن نهتم بالأحياء ونكرمهم في حياتهم ليقرأوا بريق الوفاء في عيون الأوفياء..ويكونوا شهودًا على مواسم الفرح وعلى البذور التي روّوها بدم القلب وأفنوا حياتهم في غرسها وريّها ورعايتها حتى تُؤتي أكلها وتضيء البوصلة أمام شعبها.

وفي هذا التكريم شاهد على أننا شعب وفيّ يقدر عميقًا أبناءه الذين ضحوا بالغالي والنفيس وساهموا في بناء شخصية الأجيال الصاعدة وإعدادها للأيام الآتية.

**

في الخمسينات من القرن الماضي..نهض جيل من بين أنقاض النكبة..أبى أن يرفع الراية البيضاء..فرفع راية الكرامة والكبرياء..وأضاء الطريق أمام شعب ينزف وطنًا مثخنًا بسهام ذوي القُربى..وذوي البُعدى..

لقد آلى هذا الجيل على نفسه إلا أن يكون طليعة تغذّ الخُطى نحو عالم أفضل.. فامتشق سلاح الكلمة وراح يبث الأمل والتفاؤل..ويستنهض الهمم تحدوه إرادة فولاذية عصية على الكسر..لنسف الظلام المكدس في طريقها!

لقد تسلحت هذه الطليعة بأقصى درجات المسؤولية..فنذرت نفسها وشبابها للنهوض بشعبها النازف..حتى يواصل المسيرة..لاجتراح الربيع المشتهى!

كنت يا أبا الأمين واحدًا من هؤلاء الذين وقفوا في خط الدفاع الأول..فكتبت قصيدتك "الأرض" التي أصبحت أيقونة تعلقها الأجيال على جدران الذاكرة..وترددها في المحافل والمنتديات الأدبية..

"ألأرض" والشاعر..ثنائية تربطها علاقة جدلية..ووجهان لعملة واحدة!

**

ذات مساء جلس حبيبنا وصديقنا..حبيبكم وصديقكم..محمود درويش على كرسي الاعتراف..وخط رسالة إلى حنا أبو حنا..ضمنها شهادة. يفتح أبو الأمين الرسالة ويقرأ العبارة التالية: "أنت يا أبا الأمين علمتنا تُرابية القصيدة".

إنها شهادة أدبية يعتز بها أبو الأمين..ويحتفظ بها في مكان دافئ من زوايا القلب.

**

قبل أكثر من نصف قرن وُضع حجر الأساس..للكلية العربية الأرثوذكسية..صرحًا ثقافيًا محصنًا كرامةً وكبرياء..

وقد وقف على حراسة هذا الصرح طليعة وطنية شريفة وواعية وحاملة رسالة..تناوبت على حراسة الهُوية الثقافية والوطنية والقومية والإنسانية للكلية. وقد تصدت هذه الكتيبة للسهام المصوبة إلى صدر هذه القلعة الثقافية..مستهدفة إرادة شعبنا وأجياله وحقها في الحياة الحرة الكريمة في وطن الآباء والأجداد.

كان الأستاذ حنا واحدًا من أبرز القيادات في هذه الكوكبة..

كان وزملاؤه عينا ساهرة دافعت عن الوجه الثقافي للكلية. لقد أخذت هذه الكتيبة على نفسها أن تتخندق في الصف الأول من الجبهة الثقافية..فتصدت لسياسة التجهيل التي أرادت لهذه الأجيال أن تَنشَأ أجيالا من الحطابين وسقاة الماء..وأرادتها غصنًا يابسًا مقطوعًا من شجرة..بلا هُوية ولا قومية ولا لغة ولا تاريخ ولا تراث ولا كرامة..

لقد أرادتها قشرة بطيخ..مطروحة على هامش التاريخ!

كانت الكلية وحُراسها عينًا ساهرة..تقرأ الخارطة..ويلتقط "رادارها" كل نأمة وكل همسة..واليد على الزناد!

**

نيقولاي غوغول من آباء الأدب الروسي. يكتب غوغول قصة قصيرة بعنوان "ألمعطف"..فيذيع صيتها وتترك بصماتها على إبداعات جيل من الأدباء الروس..

وتبعًا لذلك..تنسب لأحد الكتاب الروس المقولة الشهيرة "كلنا خرجنا من "معطف" غوغول".

واليوم..لو سألنا الأجيال تلو الأجيال: من أين تخرجتم؟ لأجابوا: كلنا تخرّجنا من "معطف" الكلية الأرثوذكسية ومن معطف الأستاذ حنا أبو حنا"! فقد حمّلنا أبو الأمين زوادة طافحة عشقًا للغة العربية..لغتنا القومية..وفتح شهيتنا على مصاريعها عشقًا للأبجدية العربية!

فهلا نهلت الأجيال الصاعدة شيئًا من هذه الزوادة الأدبية الشهية؟

**

ويتابع النهر مسيرة طويلة مليئة بالعذاب الجميل..

فتنطلق "نداءات الجراح" لتزوبع الضمائر التي تغطّ في سبات عميق!

ويتمترس يحيى في "حديقة الصبر"..مستشرفًا طلوع الفجر!

ويأبى إلا أن "يتجرع السم حتى النهاية"..فيظل واقفًا ولا يرفع الراية البيضاء!

ثم يستقل بساط الريح ويحلق في "سماء القصة القصيرة"..فنشرف من عل على قصص وحكايات..وتنفتح عيوننا على عيون القصة العربية والعالمية..

**

"دار المعلمين الروسية في الناصرة" (ألمسكوبية)..كانت نبعًا ثرًا..نهل منه كوكبة من المبدعين والمثقفين العرب الذين وفدوا من العالم العربي..فتعمدوا بهذا النبع واحترفوا القمم..

هناك..نلتقي ميخائيل نعيمة اللبناني ونسيب عريضة السوري وخليل بيدس رائد القصة القصيرة الفلسطينية..ونلتقي كلثوم عودة الأديبة النصراوية..سفيرتنا إلى بلاد الثلوج الدافئة!

ويأبى أبو الأمين إلا أن يمتعنا بنزهة إلى هذا النبع الثقافي الذي يتوثب منه العطاء الحاتمي.

يحمل أبو الأمين قنديله..فيشد الرحال وعيناه على "غابة التراث العربي"..بحثًا عن المناجم الكامنة في هذه الغابة!

**

استراحة قصيرة..كأس من عصير البرتقال..

ويتابع النهر مشواره الملحمي..فنلمح صومعة أدبية ترتاح على كتف الكرمل..تزيّن هامتها يافطة كتب عليها "ثلاثية ابن الأمين"!

فنلقي عصا الترحال تحت "ظل الغيمة"..ونلتقي يحيى..ونطبع على جبينه قبلة..وتنفجر الأرض عيونًا..فيدفع يحيى "مهر البومة"..ويدفع مسيرة الإبداع إلى غايتها المنشودة..ويظل سائرًا حتى ينتهي إلى "خميرة الرماد"..فنرى من بعيد وميض نار..

أرى خلل الرماد وميض نار ويوشك أن يكون لها ضرام

أهي خميرة تنذر بميلاد الزلازل القادمة؟!

وفي الظل الظليل..نجلس إلى واحة خضراء..تضوع في سمائها ريح الصَّبا!

تكون جلسة أنس ممتعة..يتحلق الأحبة حول مائدة أدبية عامرة بما لذّ وطاب من ألوان "الفستق الأدبي"..وتكون وليمة أدبية نعيش فيها مع "المستطرف من كل فن مستظرف"!

إن هذه الطيبات..منارات شاهقة ومشرقة وشائقة في رحلة أدبية..ستظل نبعًا ثرًّا معطاء تغرف منه الأجيال..ولا ترتوي!

**

أيها الأخ الحبيب الأستاذ حنا أبو حنا..

أنتم الملح الثقافي للأرض الأدبية في وطن الآباء والأجداد..

وأنتم المورد الحاتمي العذب..كثير الزحام..

يا أبا الأمين..أعطيتَ عافيةً وعمرًا مديدًا..

ودُمتَ لنا ديمةً سكوبًا..تُخصب الأرض عطاء..وتبشر بميلاد ربيع أدبي لا أحلى ولا أجمل..

سلام الله عليك..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

**

(نص الكلمة التي ألقاها الكاتب في حفل تكريم الأستاذ حنا أبو حنا، والذي دعت إليه رابطة خريجي الكلية الأرثوذكسية العربية في حيفا. أقيم الحفل بتاريخ- 11-2-2010 في قاعة الكلية الأرثوذكسية وشارك في إلقاء الكلمات الإخوة والأساتذة: د. مسعود إغبارية وإدوار شيبان وإميل العبد وكميل ضوّ وجوزيف خوري وعلا عويضة وفتحي فوراني. وعرض أثناء الحفل شريط تلفزيوني تضمن مقابلة بُثت من التلفزيون الفلسطيني في برنامج "وجها لوجه" أجراها الممثل محمد بكري. وتخلل البرنامج عزف على الجيتار لطالب المعهد الموسيقي عنان زريق.)

24/2/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600