للأرض أهلها - سليم البيك

وهذا العام أيضا سنحيي الذكرى، وسنعلم أننا اقتربنا عاما من يوم عودتنا، وسنعيد ونحيي ونقترب ونقترب أكثر إلى أن نغيّر قليلا في التاريخ، وفي رقم الذكرى، أو في الذكرى ذاتها، ليكون احتفالنا بالذكرى الأولى لعودتنا إلى ترشيحا، ليبدأ الزمان رحلته من هناك تصاعديا، طبيعيا، بعد أن كان يمضي- كما الآن- نازلا إلى ذالك التاريخ.

الإيمان بعودتنا لا يحتاج إلى شرعية دولية (وإن وُجدت) ولا إلى دراسات وبحوثات (وإن وجدت) ولا إلى منظمات أهلية (وإن وُجدت) وعلى أهمية كل ما ذكر. بل يحتاج أساسا إلى قرار جمعي عن هذا الشعب اللاجئ في المخيمات والشتات، والقرار موجود منذ قررنا إقفال الأبواب بالمفاتيح وأخذها كي نعود بعد أيام علّنا نجد كل شيء على حاله، ومنذ قررنا إطلاق ثورتنا المعاصرة التي حفظت للفلسطيني هويته وكرامته وحوّلته من صورة اللاجئ إلى صورة الفدائي المقاتل لأجل عودته، كما كتب غسان كنفاني "خيمة عن خيمة تفرق"، أي خيمة الفدائي عن خيمة اللاجئ. والعودة التي قاتلنا لأجلها لم تكن إلى الضفة وغزة كما اكتفى البعض، فذاك "مجيء" كما سماه محمود درويش، وليس عودة.

الجيل الأول للنكبة قاتل للبقاء في البلد، لكن الأغلبيّة منه هُجّرت، الجيل الثاني قاتل من المخيمات لأجل العودة إلى البلد، لكنهم لم يعودوا ولم نعد بعد، الجيل الثالث والرابع وكل الأجيال اللاحقة ستواصل ما قاتلنا كفلسطينيين لأجله منذ النكبة، وهو قتال من أجل العودة إلى كل قرية ومدينة هُجّر أهلها منها، العودة إلى ترشيحا ذاتها التي هُجّرنا منها، ولن نقبل أن يقابَل نضالنا على مدى 61 عاما بـ "الذهاب" كزوّار إلى الضفة وغزة - وهما القسم العزيز من فلسطين- فنضالنا هذا لا يقابله إلا عودة إلى ترشيحا وسحماتا والطيرة وحيفا وبيسان ويافا وكل فلسطين.

هذا القتال لا يكون بالسلاح فقط. معركتنا الثقافية والأخلاقية مع العدو لا تقلّ شأنا عن غيرها، وقد تزيد.

فلنقاتل:

من أجل حفظ الهوية الوطنية الفلسطينية: الحكايات الشعبية والأغاني والرقصات والتطريز والمأكولات والعادات الاجتماعية وكل ما يخصّ فولكلورنا الفلسطيني الأصيل، وقبل كل شيء اللهجة التي بدأت تزيح عن لهجة أجدادنا التي حملوها معهم بأمانة من ترشيحا إلى المخيمات.

ومن أجل ترسيخ الارتباط المادي والمعنوي لللاجئ الفلسطيني بأرضه وانتمائه لها ونشر ثقافة العودة بالحقائق والأرقام، وتعزيز الإيمان بأن لا طريق آخر غير فلسطين وليس حتى أي بقعة من فلسطين، بل تلك بالتحديد التي هُجّرنا منها.

ومن أجل الارتقاء بالأدب والسينما والمسرح والرسم والموسيقى وكل ما يمكن أن يحفظ ويثبّت اسم فلسطين ويرتقي بثقافتها المعاصرة المنطلقة من هويتها الوطنية وعمقها العربي والإنساني، وتمايزها في كل ذلك.

ولابد من مؤسسات شبابية تتبنى كل ذلك أو بعضا منه، وتعمل على تنظيمه وتفعيله كما هي الحال مع حركة شباب ترشيحا القائمة بهذا المهرجان.

معركتنا الآن، كمؤسسات وأفراد، هي في كل ذلك.

وترشيحا ستواصل اقترابها طالما أن الوقت لا يتوقف، والزمن يمضي. لكننا نملك أن نسرّع هذا الزمن، فلنكن فاعلين لنُثْبت لترشيحا والجليل وفلسطين أولا ولأنفسنا ثانيا أننا نستحقها، وأنها تستحق هذا القتال وهذا الشعب.

ولِيعلم العالم أنّ للأرض أهلها، وهم أهل لها.

...................

* ألقيت ككلمة مهرجان إحياء يوم ترشيحا الذي أقيم مؤخرا في مخيم برج البراجنة في بيروت، كما أقيم مهرجان مواز في بلدة ترشيحا في فلسطين وآخر في مخيم النيرب في حلب.


المصدر : موقع الحرية - horria.org
8/1/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600