لولاه... لخفَّ بنا الأمل - محمد كتيلة
حبي لهذا الوطن، والذي إسمه فلسطين، كان ولا يزال، نتيجة صدمة الولادة في الغربة والشتات، بعيداً عن الأرض، وبسبب تربية مقهورة، مليئة بالمآسي والأهوال، ومن الحكايات التي توجعك وتدميك أحياناً، لتدرب فيك حب الحياة وعشقها بعنف وخوف وجنون على أرض بعيدة.

ومن أجل البقاء الصعب والمر، كانت بدايات الحكايات، مثل نهاياتها التي لا تنتهي، عليك وحدك، وعلى من يحملون ذات الشبه، تقع مسؤولية التحمل، كيفاً وغصباً عنك، كما عليك إستيعاب أبعاد الصراع، وإن كان عصياً على إحتمالات أي إنفراج مؤقت أو محتمل، في الزمن الراهن والبعيد، بعيداً عن الإنفجارات المتكررة والموجعة، أما المجابهة والمواجهة، ومقاومة الموت والتشرد، والحرمان الدائم والمتواصل، والعيش في المخيمات، والمنافي والسجون، وعلى هامش الحياة وخارجها، فهذه قضايا مؤقتة، ولا تعني شيئاً، لأن الحياة، لا يمكن أن تكون، إلا هناك.

وفي الختام، قالها المبدع محمود درويش، ووصل إليها قبلنا جميعاً، واختتم بها حياته، لنكمل معه وبه، ما قالته لنا تجربتنا المريرة والمستمرة: 'على هذه الأرض ما يستحق الحياة ' ومع درويش، قرأنا ما قاله المفكر العالمي الأهم، إدوارد سعيد، في كتابه 'خارج المكان' عن معنى وصعوبة الحياة في المنفى، بعيداً عن مكان الولادة، وعن ماهية القهر الذي يرافقنا كالظل، ويجعلنا نعيش كل حياتنا مهمشين وهامشيين.

لا مخاطرة من الإعتراف، ولا هي مكابرة: حبي لفلسطين، وبعد أن فوجئت بوهم الحياة، بعيداً عن الأرض، أرض الحياة الأولى، كان من خلال أمي أولاً، لأنني ومنذ نعومة أظفاري، وثقت في حبها لوطنها، وهي تذرفه أمامي وفي عيوني وأيامي ولعبي وكتبي، هي، من إمتنعت عن حب أي شئ في الدنيا، لأن الذي ضاع منها وحرمت منه إلى الأبد، تكمن فيه الحياة والحب، كل الحب وكل الحياة ، والحب، لا يكون إلا له وبه ومعه.

ضاعت منها فلسطين، وتاهت عنها، بعد أن أُقتلعت منها وشردت، ولأن أمي ـ مثل غيرها من الأمهات الفلسطينيات ـ لا تعترف بحقيقة وجودها، إلا في حيفا، كان علي أن أشاطرها مصاعب وأوجاع الإقتلاع وتشردها، من أصغر دمعة، إلى أعلى صرخة، وإن كانت مكتومة تجرح الصدر والعمر، وتطعن القلب والروح معاً، وأن أعيش معها، على أطلال الذكريات والتذكر، فإذا ما حننت لأتفيأ في حضنها هرباً من جور الحياة في المنفى، كنت لا أجد، غير بيارات البرتقال والليمون، والكرمل بوديانه ومنحدراته المشرفة على البحر، وأرى في مخيلتي، طلة الجليل، وسهوله المطرزة بالجوامع والكنائس والناس، فكنت أكبر وأمشي في كل هذه الحرمانات، وأنسى حاجاتي الأساسية من حضنها.

لقد أحبت أمي الله كثيراً، وسعت إليه، لينقذها من حبها الطاغي على كل حياتها، فقد تستطيع أن تمنحنا شيئاً من أمومتها الفطرية، التي حرمنا من عشبها.. أحبته بشغف، لأنه الوحيد، القادر على تخفيف حدة الألم، من هول الخسارة.

هذا هو، الإنتماء الأول، والذي كبرت عليه ولم أفطم منه بعد ولن.. أما الإنتماء الثاني، والذي أعانني على الوقوف في نفسي، وترميم الفجوات المظلمة والمنهكة في روحي، ولكي أمشي 'منتصب القامة ومرفوع الهامة' قدر المحاولة، وما أستطيع أنا وغيري، وقبل ظهور المقاومة الفلسطينية وبعدها، فهو هذا النبيل، محمود درويش ـ إبن أمي ولغتي وأرضي ـ بالإضافة للكثيرين الكثيرين، من فدوى وإبراهم طوقان، إلى سميح القاسم وغسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا وسميرة عزام، وتوفيق زياد وراشد حسين، وغيرهم الكثير.. إلا أنني، ومن خلال محمود درويش، استطعت أن أفهم معنى وجودي وحقيقتي كإنسان فلسطيني، غائب عن نفسي، ومحروم من معنى الهوية، ومن إمكانية حضوري في المشهد الإنساني العام، كبشر وكفلسطيني إبن قضية.

شعره العالي، قواني ومكنني من اكتشاف قوة الحياة الكامنة في الشعر، كوسيلة أخيرة، للدفاع عن حقي في الوجود، بالمعنى الإنساني والجمالي، وخاصة، لأنني حرمت من التعرف على نفسي كاملة، من دون أي نقصان،. وهو، من علمنا مقاومة النسيان.

لم أتوهم يوماً، أن محمود درويش مجرد شاعر عابر، لأنه استطاع وبجدارة، وعلى مدى أكثر من جيل، أن يخمر الوطن في جرار الذاكرة والوجدان، وفي ضمير العالم، وخاصة العربي، من المحيط للخليج، ومجازياً، تمكن وبشكل مدهش، أن يكون هو الوطن، في حد ذاته، ولم يحتكره لنفسه، لما فيه من جمال وافر، يستحقه جميع الفلسطينيين، وباعتبار فلسطين سيدته، ناشدها باستحقاقه للحياة، وبات من وجهة نظري، شاعر فلسطين الأول، في غيابها وعدم معرفتي بها.

وبمهارة فائقة التصور، وبحضوره المستمر والمتواصل بدون إنقطاع، وبطريقة إبداعية هائلة ومتوهجة، إستطاع أن يلدني على عشب الأرض، إلى جانب بئر ما أو سوسنة، وأن يكون حقيقة أمي المحررة من مخاوفها وذعرها، المحصنة من ذرف الدموع هباءً منثوراً. من خلاله إكتشفت قوة الأرض، وسر إشتباكي في حبها، وفسر لي ولغيري، سر تعلق الفلسطيني بأرضه بعيداً عن رطانة اللغة والعواطف الهشة.. وأن الدم الفلسطيني، المسفوك في العلن، يستحق الإحترام من العالم أجمع، كل الإحترام، وليس البكاء والعطف، والشفقة وجمع التبرعات والهبات، حسب مواسم مهرجان الموت.

هو من عدل ذاكرتي وحنيني، وهو من صب صباً جمال الوطن، البهي والشهي، في عظامي ودمي، من خلال تجواله الشعري المبهر والمدهش: في مراعيه، وفي إحياء زارعيه، وبعثهم من الجذور، أجداده القدامى، المنحوتين في الصخر، وماء السماء والبحر، أجداده الجدد، الهائمين حول الأرض، أحفاده، ينابيعه ونجومه، التي جن فيها واحتفل بها في لياليه الحزينة، سنابله، رعيانه، وروده، أفراحه وأعراسه، صحوه ونومه، الشهداء والمقابر البيضاء، والغابات، السهول والوديان، النايات والكمنجات والأقمار، وكأن قمره لا يشبه غيره من الأقمار، ويختلف عن غيره في فلسطين، وسياجات البيوت، والتوت البري، وصوت العنب في الجرار، وأحصنة الفلاحين، التلال والظلال، والتين والزيتون، والكرمة والقهوة 'سيدة الصباح'، الرجال والنساء الكنعانيات، الطرقات القديمة، الممرات الضيقة، وأدراجها النازلة الصاعدة، في المدى والصدى والندى، منحدرات ومرتفعات الجبال، الأماكن الأثرية الثرية والمقدسة، مفكري الوطن وأنبياء الوطن، الحاضر والمستقبل، وما نعمل وما نأمل، الغزاة الذين مروا، والذين لا بد أن يعبروا، الغزالات والأيائل، والظباء والقطا، وروائح المكان، المفاتيح والأجراس، وعبق الكنائس والجوامع، روح الوطن المتغلغل في الحنطة، وما ينضج في التنور، وما يعجن ويخبز في الوجدان الصافي والمقطر، سحر العادات وأعياد التقاليد، الرمان والرياحين، زهر اللوز والطيوب والبخور والنعناع الطري، البر والبحر، العوسج والبنفسج، وجدائل البامياء والثوم.. هوالإنتماء الثاني، والذي لا يفارقني ولا يبتعد أبداً عن هويتي الأولى، التي أسهم في تكوينها، بعد أمي، هو الحاضر الدائم بالأمس وفي الغياب.

في المخيمات، المتناثرة حول الأرض، وما بعد الخيام التي تشبثنا بأضلاعها، خوفاً من الضياع، كانت قلوبنا الهشة والمثقوبة كالغربال، بحاجة لمن يخفف عنا حمولة المخيلة، ومن يرأف بنا وبالخيال. كنا بأمس الحاجة لشاعر مبدع، يمتلك بالجبلة الأولى وبالموهبة، كل الإمكانيات لجعل الوطن الطاعن في البعد، والكائن في البعيد والوعود والوعيد، أقرب إلينا من مجرد الحنين إليه، وسهل المنال، ولتمكيننا من لمسه وشمه، والعيش فيه بكامل الحواس، كقطعة شمس، لتكسر برودة المنفى وإذابة الجليد في الروح، كحفنة ضوء، تساعدنا على احتمال العتمة، والمشي في التيه والظلام، كمعطف من هواء لنطير إليه وننسى ولو قليلا دمنا المسفوك والمهدور في العلن.

لولاه... لخفَّ بنا الأمل، ولولا شاعريته المفرطة في سرد الحكاية الفلسطينية، ومنذ البدايات، لكان وقوفنا على أرض الذاكرة، أقل صلابة، في مواجهة مهرجان الموت والنسيان. ولولا إدوارد سعيد والكثير القليل ممن غابوا ومن هم على قيد الحياة والموت معا، لكانت صورتنا أقل وضوحاً ومدعاة لليأس.. لكنه، هو هو، وما كان وما سيبقى، إلا هو، نجمتنا الساطعة في دمنا، وشمعة الأمل الباقية فوق رماد الجسد الفلسطيني.

كاتب فلسطيني يقيم في كندا


عن القدس العربي
4/12/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600