أسئلة الطفولة عن الوطن.. حفظتها القلوب وسجَّلتها القصائد - سمير عطية
ربما كانت الدهشة هي الكلمة الأنسب لوصف حال ملايين المشاهدين وهم يتابعون كلمات أطفال غزة على الفضائيات في أثناء العدوان الصهيوني على القطاع في كانون الثاني (يناير) الماضي.

دهشة الاستماع إلى مواقف هؤلاء الأطفال، ورؤيتهم الثاقبة لما جرى ويجري، دهشة الثبات والمصابرة، دهشة الصمود رغم النزف، والتشبث بالأمل رغم كل ما يمكن الدهشة التي توصل إلى الانبهار الكبار من الصغار، فتولد على شفاهنا أسئلة عنهم: كيف، ومتى، ولماذا؟!

في تراثنا العربي الإسلامي، سجل التاريخ نماذج متميزة لأطفال، عاشوا ثقافة الإيمان والثبات، ثقافة أن الوطن انتماء ووفاء وتراث وتاريخ وهوية ودين وحضارة، وكان ذلك مقدمة لإنجازات متميزة في ما بعد، سواء في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم)، أو في العصور التي أعقبت ذلك، لنجد أن شخصيات خالدة كانت متميزة في طفولتها، وما محمد الفاتح وصلاح الدين الأيوبي إلا من هذه النماذج الخالدة قديماً، وحديثاً كان الفتية الثلاثة للثلاثاء الحمراء في عكا، وعشرات الأمثلة المقاومة في الثورات والانتفاضات التي عاشها شعبنا الفلسطيني في القرن العشرين والسنوات القليلة في القرن الذي تلاه حتى الآن..

في سطور الأدب والأدباء، الضمير الوجداني لشعبنا وسفره الخالد، هناك عشرات الأمثلة التي يمكن أن تكون كتاباً بحثياً أو دراسة أكاديمية أو فيلماً وثائقياً أو غير ذلك من وسائل العلم الثقافي.

فعلى سبيل المثال، كانت الطفولة أحد مرتكزات رواية «عائد إلى حيفا» للروائي الشهيد غسان كنفاني في أسئلتها وتوصيفها لحال طفلين ينشآن في محضنين مختلفين في فلسطين بين جلاد وضحية، ليرسم المفارقة التي كادت أن تطابق إحدى قصص الواقع الفلسطيني.

وكان «محمد زر الورد» بطلاً في حكاية شهدتها انتفاضة الحجارة، هذا الطفل الذي وقف في وجه الدورية الصهيونية ولم يتجاوز الخامسة من عمره، فكُتبت فيه عدد من النصوص الشعرية، وأطلقت بعض الأناشيد التي تغنت ببطولة أطفال فلسطين.

إنه الطفل الذي حملته دروب النكبة والنكسة إلى الشتات، ورغم ذلك لم تتغير ألوان حكاياته ولا عبقها، ولم يحكِ لأولاده إلا عن فلسطين.

حكايات الأطفال في فلسطين ليست وليدة اللحظة إذن، وأسئلتهم التي تسبق أعمارنا نحن لم تأتِ مصادفة!

لقد قالها الشاعر الفلسطيني خالد أبو العمرين في قصيدته الشهيرة «في القدس قد نطق الحجر»، حين كان يصف أبطال انتفاضة الحجارة قائلاً:

أطفالُنا كبروا هديرُ هتافِهِم صوتُ الزَّلازلْ

اللهُ أكبرُ في ضميرِ الشَّعبِ تسري فَيقاتلْ

إذن.. كان الأطفال يكبرون بمواقفهم المقاومة، بإيمانهم، فاستحقوا أن يكونوا أنموذجاً يتقزّم معه مجموع القاعدين، وهذا ما قاله الشاعر السوري الراحل نزار قباني في ثلاثية أطفال الحجارة:

قدْ صغرنا أمامكم
ألفَ قرنٍ
وكبرتم
خلال شهر قرونا

ومع هذا العطاء الذي يكبر رغم صغر السن، كان لا بد أن تكبر الحكاية في وجدان كل واحد منهم، وتكبر الأسئلة التي تبحث في عيون الآباء عن الوطن، فلا تذوبه سنوات النسيان أو التهجير، كما أراد قادة الصهاينة لها في الحلم/ الوهم.

ولعلّ الشعراء أكثر من قاموا بتوثيق هذه الأسئلة بلغتهم الرقيقة، وأسلوبهم الجذاب، بالشعر الذي يشتعل بالغضب ولا تغيب أشرعته في البحار بعيداً عن شواطئ الديار..

فقد كان الشاعر في كل مرة قريباً من نبض شعبه، من أسئلة أطفاله، من عيونهم المشتاقة للوطن وأسئلتهم التي تحثّ الخطى نحوه.

فها هو الشاعر هارون هاشم رشيد في قصيدته «مع الغرباء» يقدم لنا أسئلة ابنته عن الوطن والدموع والعودة في حوارية شعرية موجعة:

لِمَاذَا..؟
نَحْنُ يَا أَبَتِي..؟
لِمَاذَا، نَحْنُ أَغْرَابُ!؟
أَلَيْسَ لَنَا، بهَذَا الْكَوْنِ
أصْحَابٌ، وَأحْبَابُ؟
أَلَيْسَ لَنَا أخِلاّءُ
أَلَيْسَ لَنَا أحِبَّاءُ؟

****


أَبِي…
قُلْ لِي بِحَقِّ الله
هَلْ نَأْتِي إِلَى «يَافَا»؟
فَإِنَّ خَيَالَها الْمَحْبُوبَ
في عَيْنَيَّ قَدْ طَافَا
أنَدْخُلُهَا أعِزَّاءَ
بِرَغْمِ الدَّهْرِ.. أشْرَافا؟
أَأَدْخُلُ غُرْفَتِي، قُلْ لِي
أَأَدْخُلُهَا، بَأحْلامِي؟
وأَلْقَاهَا، وَتَلْقَانِي!
وَتَسْمَعُ وَقْعَ أَقْدَامِي؟
أَأَدْخُلُهَا بهَذَا الْقَلْب؟
هَذَا المُدْنَفِ الظَّامِي


*****

هذه الأسئلة المتلاحقة التي شكلت حواراً بسيطاً في مفرداته، عميقاً في رؤاه ومؤلماً في معناه.

أسئلة عن الشتات وأسبابه، والوطن وكيفية العودة إليه ومتى يكون، ولم يغب عن سؤال الطفلة وصف هذه العودة في مفردتي «أعزاء..أشرافا»! وكم في هاتين الكلمتين من دلالات واسعة، وإجابات عن أسئلة كبيرة.

يُعتبر نص الشاعر هاشم رشيد السالف وما سنورده من أمثلة أخرى لنصوص شعرية نماذج «توثيق أدبي» عن الطفولة الفلسطينية التي لا تزال تتشبث بالوطن، بل إنها نصوص تستحق أن تُحفظ في الصدور وتحفر في القلوب.

فقصيدة الشيخ يوسف القرضاوي «ثورة لاجئ»، يورد حواراً مع غلام يبكي فلسطين، وحين يسأله الشاعر عن حاله يجيب الفتى:

يا عمُّ إنيَ غصنٌ لا حياة له
قُطِّعْتُ بالغدر عن أصلي وسيقاني
فقدتُ روحي أمي والحبيبَ أبي
فقدت أهلي وأرحامي وجيراني
واللاعبون معي في شارعي ذهبوا
موتى استراحوا، وموتى شأنهم شاني
لقد تفرّق أهل الحيّ في بلد
إلى الكهوف بأقطار وبلدان
فقدْتُهم، ففقدْتُ العيشَ بعدَهُمُ
كيف الحياةُ بلا أهلٍ وخِلان؟!
وهذا جزء من إجابة هذا الطفل الفلسطيني في النص الشعري، فبعد أن يجيب السائل ويصف له ما أصابه من أهوال، ورغم هذا النحيب المبرر من طفل أصيب بكل هذه المصائب والمحن إلا أنه يفخر بأبيه الذي دافع عن الوطن العزيز:

يا عمُّ مات أبي في خير معركة
وما بكيت عليه مثل أوطاني
القصيدة على طولها تقدم حواراً مليئاً بالألم الذي لا يحاصر الأمل، ليرسم مشهد الانتصار القادم لفلسطين رغم المآسي التي أصابتها، وهي رسالة عظيمة، يقدمها الشاعر في هذا النص الشعري. ولعل هذا ما يوضح كيف تُبنى ثقافة الأطفال على الثقة بالانتصار رغم الجراح.

وبالقدر الذي تكبر الأسئلة على شفاه الأطفال، فإن الشعراء يقتربون من هموم أطفالهم المبكرة..

وربما كشف النص الشعري الطويل للشاعر خميس لطفي شيئاً من هذا بأسلوبه السهل الممتنع الذي تتسم به قصائد هذا الشاعر:

وكبرتِ، يا عمري، سنةْ
وبدأت تنتبهين لي،
ولدمعتي، لمَّا تسيلُ،
وتسألين بحرقةٍ، مُستبيِنة
ـ ماذا جرى لك يا أبي؟!
ـ «لا شيءَ»، كنتُ أقول في الماضي،
وكنتِ صغيرةً،
لا تفهمينَ معانيَ الكلماتِ،
مثل: مَن اليهودُ؟!
وما هي المستوطنة؟!
واليوم تبدو لي الإجابة ممكنة
هم، يا ابنتي، مَن شرَّدونا،
من فلسطينَ الحبيبةِ،
كنتُ حينئذٍ أنا في الثامنةْ
ما كان ينقصنا الطعامُ ولا الشرابُ،
وكان للأيام نكهتُها،
وموجُ البحرِ كان لنا،
وأقمارُ السماءِ،
وضفَّتانِ على امتداد النهرِ،
كنَّا طيبينَ وحالمينَ،
ولا نخاف من الغد الآتي
وننعم بالسكينة والحياة الآمنة

***


وكما لاحقت أسئلة الطفولة شعراء فلسطين فإنها لاحقت الشاعر السعودي المعروف عبد الرحمن العشماوي في قصيدته «وقفة على أعتاب مستوطنة»، فقد جاءت أسئلة ابنه عميقة في معناها، أسئلة متلاحقة عن المستوطنات التي انغرست في جسد الأرض:

يا أبي
كنا على التكبير نستقبل أفواج الصَّباحْ
وعلى التكبير نستقبل أفواج المساءْ
وعلى التكبير نغدو ونروحُ
وبه تنتعش الأنفس تلتئم الجروحُ
وبه عطر أمانينا يفوحُ
فلماذا يا أبي لم نسمع اليوم الأذانْ؟!
ولماذا اشتدت الوحشة في هذا المكان؟!
يا بُنَيَّ اسكتْ فقد أحرقني هذا السُّؤالْ
أنت لم تسألْ ولكنّك أطلقت النِّبال
أوَ تدري لِم لمْ نسمع هنا صوت الأذانْ؟!
ولماذا اشتدت الوحشة في هذا المكانْ؟!
هذه القرية ما عادتْ لنا
هذه القرية كانت آمنهْ
هي بالأمس لنا
وهي اليوم لهم مستوطنَهْ
هي أسئلة الأطفال، أطفال الحكاية الفلسطينية في كل مكان، يبحثون عن إجابات تروي ظمأ الحكاية، وتقترب بهم من أناشيد الانتصار وزغاريده..

وربما لم أبتعد عن هؤلاء الشعراء، فقد تكرر معي ما حدث معهم، ولاحقني الوطن على شفاه ابنتي، حين كانت في الثالثة من عمرها، وسألتني عن الوطن وكيفية السفر إلى المسجد الأقصى!

صَغيرتي تقولُ لي.. وفـي كَلامِهـا دُرَرْ
ألنْ نزورَ يا أبي.. ديارَنا خلفَ القَمـرْ؟
وهل أظلُّ يا أبي.. أعيشُ حُبِّي بالصُّورْ؟
ألنْ نُصلّي يا أبي.. بمسجدِ الغالي عُمرْ؟
أجبْ ندايَ إنَّني.. ورثتُ هَمِّي في الصِّغرْ
إذا الدروبُ أُغلقتْ.. أطيرُ مِن فوقِ النَّهرْ
وإنْ تمترسَ العدا.. سأختبي بينَ المَطـرْ
لألتقي بِموطني.. ويَنتهي عهـدُ التتـرْ

* * * *


المصدر: مجلة العودة - العدد الرابع والعشرون
25/9/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600