اغني لتحريض الشعب الفلسطيني - كوثر عرار
درويش قال له: نصف الجمهور سيفهمني لكن الكل سيفهمونك! أبو عرب: اغني لتحريض الشعب الفلسطيني على مواصلة النضال ضد المحتل

شارك ابو عرب في معارك 1948 التي خاضها الفلسطينيون ضد العصابات اليهودية والقوات الإنكليزية، واضطر هو وأهله إلى مغادرة الشجرة باتجاه الشمال بعد سلسلة من المعارك الدامية، ومن لبنان ركب مع بقية أبناء قريته وقرى فلسطينية أخرى مجاورة لقريتهم القطارات المتجهة إلى سورية ونزلوا في مخيم حمص للعائدين.

احترف الغناء صغيراً وشارك في العديد من الفعاليات الشعبية والإعلامية الفلسطينية في الوطن العربي وخارجه، أسس فرقة فلسطين للتراث الشعبي، وغنى لفلسطين بأرضها وشجرها وبحرها وسهلها، ولطالما أكد العودة وغنى ليوم العودة الذي لم يفارق مخيلته يوماً ولازمه على مدى عمره البالغ تسعة وسبعين عاماً ولم يزل.

كان لي هذا الحوار مع الشاعر الشعبي والمغني العربي الفلسطيني إبراهيم محمد صالح "أبو عرب"، الذي حدثنا عن حياته الفنية ودوره كفنان محترف الغناء الشعبي والثوري.



**من هو الفنان أبو عرب؟
إبراهيم محمد صالح من قرية الشجرة، مواليد 1931م، أنهيت دراستي الابتدائية في قرية الشجرة ثم انتقلت إلى قرية لوبية لمتابعة الدراسة الإعدادية وأنهيت الثانوية في طبرية، عاصرت نكبة 1948، وشاركت فيها.

**كيف كانت بدايات أبو عرب الفنية؟
كانت البدايات منذ الخمسينيات، إذ بدأت بالأغاني الشعبية الفلسطينية والشامية ولكني كنت مولعاً بالغناء منذ الصغر، وكان عمي شاعراً شعبياً وجدي كان شاعراً مقفى (الشاعر علي الأحمد) وكنت أحب سماع أشعارهما كثيراً، خصص جدي أشعاره للثورة ولثوار 1936، ولتحريض الشعب الفلسطيني ضد المحتل الإنكليزي، وككل شعراء فلسطين الشعبيين كان جدي ورفاقه يحولون الأعراس إلى مظاهرة ضد الاحتلال. كانت بداياتي في المخيم، حيث بدأت الغناء عام 1954 في الأعراس وقدمت الأغاني الوطنية والثورية، إضافة إلى أغاني الحنين للوطن والبلاد، وتطورت في عام 1959- 1960 واشتهرت على مستوى المخيم، بعدها دعيت من قبل إذاعة "صوت العرب" ركن فلسطين لتقديم الأغاني الفلسطينية، وشاركني التقديم آنذاك شعراء فلسطينيون كبار في السن منهم المرحوم الزجال "أبو سعيد الحطيني"، والمرحوم "الحاج فرحان سلام"، إضافة إلى شابين من غزة على ما أظن هما الشاعر "مهدي سردانة"، "وكامل عليوي"، وقدمنا سوية حفلة فلكلورية تراثية من الشعر الشعبي والزجل والغناء الملتزم، وكان ذلك مدة شهرين. وكان مدير الإذاعة "احمد سعيد" الذي طلب مني أن اعمل في الإذاعة لإعجابه بصوتي، ولكن كان لدي عملي في مصنع السكر في حمص ولم أكن قد قررت التفرغ للعمل الفني، ولكن لما انطلقت الثورة الفلسطينية عام 1965 ومع بدايات العمليات الفدائية، أصدرت أول شريط كاسيت بعنوان "فدائي بودع أخته"، وفيه أيضا "عتابا وفراق الوطن وحنين للدار" وكانت كلمات الاغاني من تأليفي وألحاني، واستمررت بذلك حتى الآن أؤلف وألحن جميع أغاني، وحالياً لدي 300 أغنية، و28 شريط كاسيت، ولم أزل من بداياتي وحتى الآن أسخر صوتي لغناء الأغاني الشعبية الفلسطينية الملتزمة، الوطنية والثورية.

**أنت تكتب الشعر وتغنيه، ما نوع هذا الشعر؟
أنا أقول الشعر الشعبي من الشعر المقفى الموزون على الشعر الدخيل وأفضل هذا النوع من الشعر الشعبي، بسبب تقبله من الطالب والعامل والفلاح والمثقف وجميع صنوف الشعب، على سبيل المثال سأذكر حادثة، كنت مدعوا أنا ومحمود درويش لإحياء حفلة مشتركة، ولكن الشاعر درويش رفض إحياء الحفلة معي، فقلت له: لماذا يا أخي درويش ترفض مشاركتي؟ فقال لي: إذا وقفت أنا أمام الجمهور أعتقد أن نصف الموجودين سيفهمون علي، أما عندما تقف أنت على خشبة المسرح، فسيتفاعل معك كل الموجودين لذلك أفضل أن تكون الحفلة لك وحدك، قلت له إذا هكذا الموضوع فأنا موافق.

**إلى أين وصلت الأغنية الشعبية التراثية؟ هل تعرضت للحصار والتشويه؟
سأبدأ بالشق الثاني من سؤالك، تتعرض الأغنية التراثية للتشويه والسرقة من الصهاينة، ويقدم الصهاينة التراث الفلسطيني في المحافل الدولية على انه تراث "إسرائيلي"، حتى تمت سرقة بعض الأكلات الفلسطينية الشعبية وقدمت على أنها أكلات صهيونية، إضافة إلى سرقته لزي المرأة الفلسطينية الذي يعبر عن أصالتها، وَعُبث به من خلال وضع عروق التطريز التراثية على لباس مضيفات شركة العال الصهيونية ولو استطاعوا غناء "العتابا" وإتقانها لقاموا بسرقتها أيضا. والأغنية التراثية مهملة من بعض شرائح المجتمع، ولا يوجد تشجيع للفلكلور الشعبي ولا تبني ودعم له من المؤسسات الفلسطينية والعربية، وأصبح هناك تقليد للزي الفلكلوري الفلسطيني، فمثلاً فلكلور الدبكة الفلسطينية يرتدي فيها الشاب قمباز "روزا" أو القمباز "المقلم" وكانوا يستعملون الشبابة والمجوز واليرغول لإيقاعات الدبكة، فكانت الدبكة الفلسطينية نموذجا مميزا، ولكن الإهمال أدى إلى تشويه هذا الفلكلور.

نعود إلى الشق الأول، الأغنية التراثية انتشرت بشكل جيد نجدها في الأعراس الشعبية وفي إحياء المناسبات الوطنية والقومية، وحولنا بعض الأغاني الشعبية والثورية ما زاد من انتشارها بين الشباب، وتردد كثيرا من قبل المجتمعات الفلسطينية خاصة في المخيمات وأيضا لخصوصية الأغنية الشعبية الفلسطينية تنتشر في بعض الدول العربية والأوروبية خاصة بين الجاليات العربية.

**ما هي الصعوبات التي تعرض لها أبو عرب أثناء مسيرته الفنية؟
المعاناة الكبرى هي في تعدد الفصائل الفلسطينية، إذ لا يتم دعم فرقة فلكلور ما إلا إذا كنت منتمياً إلى هذا الفصيل أو ذاك!! وإذا لم تكن منتمياً فإنه لا يتم دعمك، وقد قلت لهذه الفصائل مجتمعة بيتا من الشعر "بتغني للتنظيم أهلا وسهلا فيك.... بتغني لفلسطين دور على من يعطيك"، والوضع كان صعبا ولم أتمكن من تشكيل فرقة، حاولت التغلب على هذه المشكلة وقلت لهم أعطوني من كل فصيل اثنين لأقوم بتشكيل فرقة من كل الألوان والأطياف أي من كل الفصائل، فأنا لا استطيع أن أكون ضمن أي تنظيم لان كل شهيد قدم دمه من اجل فلسطين وليس من اجل تنظيم، والأسير يقع في الاسر أيضا من اجل فلسطين، واستطعت سنة 78 تشكيل فرقة "فلسطين للتراث"، واستمرت الفرقة في تقديم الأغاني الشعبية والتراثية وإحياء التراث الشعبي والأغاني الثورية إلى عام 1982 وعشت الحصار في بيروت، واستشهد ابني في عين عطا في لبنان وكان عمره 24 سنة.

**"إذن أنت أبو شهيد وابن شهيد"؟
نعم والدي استشهد في قرية الشجرة عام 1948، وبعد الخروج من بيروت قمت بإعادة تشكيل الفرقة لأن بعض أعضاء الفرقة السابقين لم يستطيعوا الخروج من لبنان ومنهم من استشهد، فكان يجب أن أشكل فرقة جديدة بأعضاء جدد، وفي فترة تشكيل الفرقة استشهد الفنان والمناضل الكاريكاتيري "ناجي العلي"، فأطلقت اسم ناجي العلي على الفرقة الجديدة فأصبح اسمها فرقة "ناجي العلي للتراث الشعبي الفلسطيني"، وأقمنا حفلات في معظم الدول الأوروبية والعربية، وكان التشجيع والإقبال على الحفلات كبيراً من قبل الجاليات العربية، ومؤخرا أقمت حفلة في أمريكا وكان الإقبال عليها كبيراً جدا، وقال لي البعض انه جاء من مسافة 500 أو 1000 كيلو لحضور الحفلة.

**أين تكمن أهمية الأغنية الشعبية؟
تكمن في محافظتها على التراث، إذ ترسخ في أذهان الأجيال الذين شردوا من فلسطين كيف كانت فلسطين، وكيف كانت الحياة فيها وكيف نحافظ على حقنا في العودة والتمسك بالوطن، "واللي ما اله وطن ما اله وجود"، وكذلك كيف تحافظ على أسماء المدن والقرى الفلسطينية المهجرة التي يقوم الاحتلال بتغيير أسمائها، ومن خلال الأغنية الشعبية نقوم بإحياء وإبقاء الأصالة والثقافة الشعبية الفلسطينية، فمثلا أغنية "عل الاوف مشعل" تتحدث عن معاناة الشعب الفلسطيني، من الفرار والمطاردة ودفع الضريبة بالمجيدي، ومازالت تردد حتى الآن، وأيضا هناك الأغنية الشعبية نقلت لنا قصص استشهاد بطولية مثل أغنية "من سجن عكا طلعت جنازه"، خلدت أسماء الشهداء محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير، أي أن التراث الشعبي يخلد الشهيد ويجدد النضال من خلال إحياء الذاكرة الفلسطينية، وفي الأغنية الشعبية نستخدم المفردات الشعبية القديمة مثل "الطابون والغليون والقطين والمرار والعلت والعكوب"، وأنا أفضل إدخال بعض الكلمات من لهجتنا الفلسطينية المحكية في أغنيتي الشعبية لترسيخها لدى الأجيال الجديدة.

**ما هي الرسالة التي تريد إيصالها في أشعارك وأغانيك؟
هناك رسالة ثقافية التي تحدثنا عنها سابقا، ورسالة سياسية واضحة تتضمن التحريض على المقاومة والصمود، وعلى كل فنان وشاعر ورسام كاريكاتير أن يحض على هذه الرسالة، لأن الخضوع والاستسلام وإحباط هذه الهمم جريمة، ولا يمكن لشعب أن يسترد حقوقه دون مقاومة، لذلك فإن الأغنية يجب أن تحرض على المقاومة والصمود والثبات والانتقاد للذين يستسلمون ويستنجدون بالأمريكان والصهاينة من اجل حلول لن تقدم لهم شيئاً.

وهذه قصيدة كتبتها في فترة العدوان على غزة، لم تنشر بعد:
الله اكبر يا عرب يا مسلمين
اشهد يا عالم على المعارك والصمود
الأرض تنبع من جنود مدرعين
تمطر مظلات وجنود
وأبطال غزة بالخنادق صامدين
نعم النشامى يزأرون مثل الأسود
ونزار هالريان هالحر الأمين
ما نحنى رأسه غير لرب الوجود
أما سعيد صيام يا سبع العرين
خلى صموده يركع قباله الصمود
يا عرب يا حكام ياللي نايمين
هاي معركتنا اليوم.... معركة الوجود
كيف بنبقى على هالحاله ساكتين
واللي بروح اليوم بكرة ما بعود
صار الوطن يا ناس عم بعمل رجيم
كل مالها بتكش وبتصغر هالحدود
وينها شباب الضفة والشعب الأمين
يالله انتفاضة ثالثة حجارة وبارود

**ما رأيك بما يحدث اليوم من خلاف فلسطيني؟
هناك خلاف أساسي على المبادئ، لأن ثمة طرفاً يريد بالوطن عملاً رجيماً معتقداً أنه يستطيع تحصيل بعض الحقوق بالتفاوض، وطرف آخر يريد الحفاظ على هذا الوطن وعلى العودة ولا يكون ذلك إلا بالمقاومة والبارود والحجارة، وهناك خلاف آخر على "الكراسي"، فتجد قيادة من 30 سنة أو أكثر مسمرة بالكراسي لا تريد المغادرة، والبعض يريد لهذه القيادة ان تتنحى وهذا يكون داخل الفصيل نفسه، وأنا اعتقد أن هذا خلاف على الكراسي وليس على المبادئ.

وأنا أقول للمتنازعين على الكراسي والذين يفرطون في الوطن، عندما قامت الثورة على أساس التحرير من البحر إلى النهر، وضحى الشعب الفلسطيني بمئات الآلاف من الشهداء والجرحى والآلاف من الأسرى المعتقلين، كل ذلك ليس من أجل التفاوض على جزء من الوطن!!! هذا لن يقبله أي إنسان، وهذا الفريق الذي يفرط عليه أن يتنحى جانبا ويترك الساحة للمقاومين.

**هل تعتقد أن الفلسطينيين في الشتات يفضلون الأغنية الشعبية الملتزمة؟
معظم أبناء المخيمات الفلسطينية لا يرغبون بسماع الأغاني الكلاسيكية وأغاني الحب والغرام، لكن عندما نغني لهم أغان عن فلسطين وعن أيام البلاد، تتميز بالعتابا والدلعونة والجفرا وظريف الطول والروزنة، نجدهم يلتهبون حماساً ويتجاوبون معها بشدة، ومن خلال تجربتي أستطيع أن أؤكد أن المزاج الفني الفلسطيني يتجه نحو الأعمال الفنية النضالية والثورية.

ليتنا نحن الذين نشأنا وعشنا في فلسطين ووعينا عليها، نتمسك بقضيتنا وبفلسطين مثلما يتمسك أبناؤنا بها الذين لم يروها إطلاقاً، وأكبر دليل على ذلك أن معظم الشهداء لم يخلقوا في فلسطين. الفن الفلسطيني يجب أن يسخر للقضية وللتحرير، فالفنان الفلسطيني الملتزم أشد من المقاتل، لأن المقاتل يقاتل بمفرد بينما الفنان يحرض ملاييناً من البشر ويدفعهم للقتال.

**غنيت مبكراً عن "حق العودة" هل كان لديك تصور ما لشطب هذا الحق؟ وكيف عبرت بالأغنية الشعبية عن هذا الحق؟
لان المؤامرات تحاك ضد القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني منذ العهد التركي، واستمرت وأخذت أشكالا متنوعة ومن ضمنها التخلي عن عودة ملايين اللاجئين، وللأسف فإن التآمر من داخل السلطة الفلسطينية قبل غيرها.

وأقول للمفرطين والمستسلمين العودة حق مقدس، ولا يحق لأي إنسان على وجه الأرض فلسطينياً كان أم عربياً، أن يضع حبراً أسود على ورق أبيض بالتنازل عنه، ومن يضع هذا الخط يعرف أنه منتهٍ من الدنيا، وعبرت عن ذلك بالغناء وقلت:
" اللي ناطر بدو حل، بالحل الأمريكاني
عمره ما كان الخل بروي النفس العطشانة
يا أخي شعبي كل ومل من الوعود التعبانة
اتبع دربي تا تندل كيف الحل الوجداني
حل البارودة بيضل الحل اللي ما في اله ثاني
مرفوضة باسم الكل
كل كلمة باسم التوطين
لو بدي أتوطن يا خي كنت أقبلت الدولارات
ما شلت سلاحي بيدي صامد قدام الغارات
عندي القعدة تحت الفي
تحت في البيارات
ان أعطوا ملك الدنيا لي، ما ببدلها بفلسطين .... ما ببدلها بفلسطين"
وأنا هنا أقول أن أي إنسان فلسطيني أو عربي، فردا كان أم حكومة، لا يستطيع أن يشطب هذا الحق، ولا يحق له أن يوقع نيابة عن شعب فلسطين، لان اي تنازل سيؤدي إلى كسر العظم، لأن التاريخ والشعب سيحاسبان كل من يفرط بحقوق الشعب، وسيؤدي ذلك إلى سفك الدماء، وهذا حق مقدس لا يمكن المساس به والتنازل عنه.



4/9/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600