أحمد دحبور: سؤال الهُوية أربك شعراءنا


"الشاعر في مجتمعاتنا المحافظة سرعان ما يصبح حاديا للقبيلة، وهذا لم يعد دور الشاعر الحديث الذي يجب أن تكون له أسراره مع كينونته الشخصية"

* الشاعر الفلسطيني يعود إلى ذكرياته في تونس ويلخص تجربته مع "فرقة العاشقين"، ويكشف عن مخطوطات روائية قد ترى النور في المستقبل

* حاوره: عبد المجيد دقنيش * تعلق بالحرف والأبجدية منذ الصبي فأصدر ديوانه الأول "الضواري وعيون الأطفال" وهو في سن الثامنة عشرة. كتب الشعر والمسرح والدراما التلفزيونية والمقالة وتميز في كتابة الأغنية في تجربة جميلة مع فرقة العاشقين الشهيرة. حملت قصائده رسائل المحبة والسلام والتصقت دواوينه الكثيرة. بالأرض والحلم والحرية والمقاومة والوجود والهوية فقرأنا له "الضواري وعيون الأطفال" 1946 و"حكاية الولد الفلسطيني" 1971 و"طائر الوحدات" 1973 و"بغير هذا جئت" 1977 و"اختلاط الليل والنهار" 1979 و"وواحد وعشرون بحرا" 1981 و"شهادة بالأصابع الخمس" 1983 و"الكسور العشرية" 1922 و"هكذا" 1993 و"هنا... هناك" 1994. وقد حاز الشاعر أحمد دحبور سنة 1998 جائزة توفيق زياد في الشعر وترأس تحرير مجلة "لوتس" لعدة سنوات وعين وكيلا مساعدا بوزارة الثقافة الفلسطينية.

تعود إلى تونس بعد فترة غياب طويلة فكيف تتذكر الفترة التي قضيتها في تونس؟
لا شك أن السنوات العشر التي عشتها مع أهلي وشعبي في تونس هي من أكفأ وأغنى اللحظات التي مرت بها التجربة الفلسطينية، فقد أتينا إلى تونس منهكين ومثخنين بجراح العدو وجراح القريب، فاستقبلتنا بالقلوب قبل الأيدي وأمكن لنا إقامة علاقات إنسانية واجتماعية وعائلية مع عدد لا يستهان به من أهل البلد أضف إلى ذلك أننا في كل مرة نخرج من بلد عربي إما مطرودين أو محاربين ومشهر بنا إلا في تونس التي خرجنا منها إلى أرض الوطن وكانت تسبقنا الدموع والأشواق والوعود أننا سنلتقي.

على المستوى الذاتي، تلك الفترة هل كانت غنية شعريا بالنسبة لتجربتك؟
بالتأكيد كانت ثرية وربما التجربة كانت خاصة على مستويين المستوى الوطني العام باعتبار أن اللحظة والقضية الفلسطينية كانت في مفترق طرق فقد كنا خارجين من مجزرة كبيرة هي اجتياح بيروت، ومقبلين على إعمار جزء من الوطن، فضلا عن التحولات الدولية الكبرى كزوال ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي. أما على المستوى الذاتي فقد كانت فكرة التغريبة الفلسطينية التي استقيتها من التغريبة الهلالية وذلك لتشابه التجربتين وما يجمع بينهما من أن المغترب هو مغترب في الوطن، فالهلاليون لم يكونوا غرباء بأتم معنى الكلمة وأنا كذلك لم أكن غريبا ولكن كان علي أن أتهجى حياتي بمفردات جديدة وهذا من شأنه أن يغني التجربة الشعرية حتى أن أول مجموعة أصدرتها بعد مغادرة تونس كان عنوانها " هنا..هناك" وكنت أقصد بـ"الهنا" أرض تونس وبـ"الهناك" أرض الوطن ثم لما اكتملت التجربة وكانت أقصد العودة إلى الوطن وكتبت القسم الثاني من المجموعة انقلب الوضع فأصبح الوطن هنا" وتونس "هناك" وبالتالي هنا وهناك" هو شيء واحد.

والمجموعة أخذت هذا المعنى. وخلال فترة إقامتي بتونس أصدرت مجموعة بعنوان "هكذا" وأخر بعنوان "كسور عشرية" وختمت "بهنا.. هناك" وهذا يعني أنني كنت أكتب الشعر باستمرار فضلا عما نعمت به من معرفة شعراء تونسيين وإتصال تونس المفتوح بالثقافة العربية والعالمية.

وأنت تتحدث عن "الهنا" و"الهناك" أوحى إليّ هذا بسؤال عن هذه العلاقة المتوترة والمضطربة بالمكان التي ارتبطت بالشاعر الفلسطيني والمبدع عموما: هناك بعض الأماكن المحفزة والمشجعة على الكتابة وهناك أخرى غير ملهمة فماذا عن علاقتك أنت بالمكان؟
أنت استخدمت الكلمة الملائمة "العلاقة المتوترة"، التجربة الفلسطينية تذكر الشاعر الفلسطيني باستمرار بقول المتنبي "على قلق كأن الريح تحتي/أوجهها يمينا أو شمالا" وقد كنا حتى ونحن سعداء بالاستقرار المؤقت والعلاقات والصداقات، نسأل ماذا ينتظرنا غدا؟ وإلى أي حد أستطيع أن أسهم في بناء هذا المكان؟ وبالتالي كل تجربة جديدة وكل مكان جديد هو إحالة على أسئلة جديدة وعالم جديد غير مستقر.

سؤال البدايات ماذا يعني لك؟ وماهي التجارب التي نهلت منها وتأثرت بها ففي بداياتك؟
بدأت بداية تقليدية كأغلب الشعراء وقرأت التراث والأدب الكلاسيكي لكن تجربتي التقليدية لم تطل وأسعفتني الأيام لأتعرف على شاعر لم ينل جذوة كبيرة وشهرة واسعة ومع ذلك بقي في ذاكرتي ونال كل الحظوة في قلبي وكان اسمه "موريس قلق" وكان أستاذي وصديقي وأحد مفاتيح الأبواب التي أدخلتني إلى عالم الشعر والكتابة. وقد عرفت على يديه مفهوم الحداثة والشعر الحديث بأبجدياتها الأولى، ثم ذهبت إلى قدري، وقد أصدرت مجموعتي الأولى مبكرا أنا في سن الثامنة عشر وأعتقد أنني أنحاز إلى هذه المجموعة بمعنى واحد من أنها سليمة العروض واللغة ما عدى ذلك فهي تتعرض إلى مواضيع وقضايا أكبر من وعي الفتى الذي كنته، وكنت أتباهى بأن هذا الشعر متأثر بتجربة خليل حاوي الشعرية. ولم أكن أعرف أن التأثر نقيصة لأنني كنت أعده امتيازا لأنه يضع اسمي بجنب اسم الشاعر الكبير خليل حاوي.

لكن سرعان ما أسعفتني المقاومة الفلسطينية عندما وضعتني في محرق البحر ووجدت نفسي أواجه العالم لأول مرة، شعرا بأدواتي الخاصة وبرؤيتي الفردية مستعينا بمخزوني الثقافي فكان ديوان "حكاية الولد الفلسطيني" الذي كان فيه الصوت أكثر شفافية من التجربة الأولى المتعثرة. واهتديت إلى شخصية الولد الفلسطيني التي استنبطتها من صبايا، قلت الولد الفلسطيني ولم أقل "الطفل" وأنا مجموعتي الأولى اسمها "الطوارئ وعيون الأطفال" وكانت فكرة الطفولة فكرة ر ومنسية أن نعود إلى الرداءة، الآن لم أنشغل بالطفولة بقدر ما اهتممت بالولد الذي كنت والولد هو الذي يتحسن بدايات المعرفة ويكتشف العالم.

عفوا على المقاطعة ولكن هل هناك شاعر معين تأثرت به؟
هو طبيعي كما قلت بمرحلة أولى تأثرت بخليل حاوي وبمرحلة لاحقة تأثرت إلى حد كبير بأدونيس ولكن سرعان ما اخترت صوتي وسعدت بأنني بدأت أكتشف خصوصيتي وذاتي بعيدا عن ظل الآخرين.

هل أثر الموروث الشعبي الفلسطيني الغني وأغاني الأم في الشاعر أحمد دحبور؟
أثرت في إلى أبعد حد، حتى أكاد أزعم أنه ربما هناك من أتى من الجيل اللاحق وتأثر بي في هذا الجانب.

وأشكر الله أنه رزقني بأم ذات ذاكرة شاسعة وصوت جميل جدا بذلك كانت الأغنية الشعبية والموال الفلسطيني والأمثال جزءا من ذاتي و زادي الثقافي ويظهر هذا حتى الآن في التعبيرات التي أستخدمها مثل قصيدتي التي اشتهرت باسم" جمل المحامل" وهذا الاصطلاح أخذته من أمي التي كانت تصف أخي الكبير "بجمل المحامل" لصبره وكفاحه من أجلنا وأجل اللقمة وبذلك أصبح "جمل المحامل في شعري هو رمز للفداء والصابر على العدو والتضحية والمقاومة، أحيانا أيضا كنت أستعمل مقطع من أغنية شعبية وأدخلها بكلماتها العامية كومضة تخدم النص ككل.

رغم أنه كانت لك تجربة مهمة وجميلة مع فرقة العاشقين الموسيقيين إلا أنها لم تتواصل فلماذا خيرت الابتعاد؟
صحيح كانت لي تجربة جميلة وقصيرة مع فرقة العاشقين فبعد أن أسسها الأستاذ عبد الله الحوراني رئيس دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية ونهض بها.

وكونها وأعطاها ملامحها الموسيقي الفلسطيني الكبير حسين نازح الذي شكلت معه ثنائيا ناجحا، وكتبت نصوصا كثيرة وكنت أشعر بفرح طفوليّ كلما أزور بلدا وأسمع الأغاني التي من كلماتي، ولكن للأسف ما كسر هذه التجربة هو كثيرة أسفاري وترحالي بالإضافة إلى التضييق الكبير والخنق الذي تعرضت له هذه الفرقة، ورغم ذلك فإن أغاني الفرقة مازالت تردده إلى اليوم في المخيمات وعملية الإسكات لم تنجح.

هل تعتقد أن رسالة الأغنية والشعر الغنائي تختلف عن رسالة القصيدة؟
بالتأكيد تختلف الرسالة لأنهما جنسان مختلفان فبالنسبة للقصيدة حينما يذهب الشاعر إلى الورقة البيضاء فإنه يجلس أمام معاناته وإخلاصه ورؤيته وتصوره للوجود فأما الأغنية فشئنا أم أبينا هناك خطاب مباشر إلى الآخر وهذا البعد التحريضي الذي يبتغي التأثير في المتلقي واستنهاض هممه لذلك فالأغنية لها متطلباتها التي تختلف عن الشعر وإذ كانت تلتقي مع من حيث أنها كلام هو ليس النثر الحيادي وإنما تعبير عن العالم بأدوات خاصة وشفافة.

بعد هذه التجربة الطويلة في عالم الحرف والأبجدية هل تغيرت بعض مواقفك وأرائك تماشيا مع تغير الظروف والأوضاع؟
بالتأكيد لأن الذي لا يتغير ولا يتطور هو الحجر أما الإنسان متغير بطبعه فهنا مثلا بعض الشعراء والتجارب التي كنت متحمسا لها في فترة ما ثم تغير هذا الحماس وتلاشى نتيجة تغير هذه التجارب نفسها وتطورها وتطوري أنا أيضا وهذا كله طبيعي والذي سيحكم في الآخر هو مطحنة التاريخ.

وإبداعيا أسئلة الأمس بالنسبة إلى الشاعر أحمد دحبور هل هي أسئلة اليوم؟
هذا وذاك هناك أسئلة جوهرية تبقى ترافق الشاعر الذي ما أن يتوفر على موهبة ويبحث عن المعاناة التي تعني الجديد والتجربة تمدك بأسئلة جديدة باستمرار والشاعر من جهة هو مسلح بثقافة وثوابت معينة ومن جهة أخرى لا بد له من استقبال العالم بعينين جديدتين.

سؤال الهوية الذي يحضر باستمرار في الأدب الفلسطيني هل مازال سؤالا ملحا بالنسبة إليك اليوم؟
هنا السؤال أوجد ارتباكا لدى الشعراء الفلسطينيين بقدر ما وفر لهم امتياز وجود قضية يدافعون عنها. وأما الارتباك فيتمثل في أن الشاعر في مجتمعاتنا المحافظة سرعان ما يصبح حاديا للقبيلة وهذا لم يعد دور الشاعر الحديث الذي يجب أن يكون له أسراره مع كينونته الشخصية وهذا ما يؤكده جون بول سارتر حين يقول " أنا لا أطالب الشاعر بالالتزام الحزبي وإنما أطالبه بالحضور في العالم" بمعنى أن يعيش حياته ويكتب عن مشاعره وتجربته بصدق وبذلك بقدر التزامه بذاته يصبح ملتزما بمعنى العام وتشمل وشعره مشاعر الآخرين خذ مثلا على ذلك قصيدة درويش "أحن إلى خبز أمي" التي كتبها وهو في السجن كتعبير ذاتي عن حنينه لوالدته ولكنها في ما بعد صارت رمزا لكل مشاعر الأمومة في العالم وأخذت صبغتها الموضوعية الإنسانية.

هل يستطيع الشاعر أو الكاتب الفلسطيني أن يتنصل من السؤال السياسي؟
أعتقد أن الفلسطيني يأتي مسبوقا بسؤال ويعيش مرفقا بسؤال متبوعا بأسئلة. وربما طبيعته "سخونة" القضية الفلسطينية فرضت علينا أن نكون عرضة للأسئلة السياسية والتحديات ولكن السؤال هو كيف نحول هذا القلق الوطني إلى سؤال فني وجودي. وعكس الإنسان العادي الذي لا يتعرض إلى ضغوطات وتأثيرات مباشرة فإن الإنسان الفلسطيني معرض للتأثيرات المباشرة وربما تختلف طريقة التعبير منه مبدع إلى آخر ويصبح لكل واحد طريقته ولهذا تتعدد التجارب الشعرية بقدر تعدد الشعراء.

الشعر الإيديولوجي الذي ميز فترة الستينات والسبعينات وازدهر في تلك المرحلة، هل تراه مازال صالحا اليوم؟
أعتقد أن الشعر الإيديولوجي أصبح وراءنا، صحيح أن لكل منا إيديولوجيته ورؤيته ولكن الشاعر ليس مبشرا حزبيا وليس ساعي بريد إنما هناك الايدولوجيا التي تصنعنا وتعطينا ملامحنا الشخصية وأنا أريد من الشاعر أن يكون هو نفسه وله شخصيته المستقلة لأنه لا يستطيع أن يكون مخبرا يكتب التقارير.

ومن هنا فالشاعر الحديث والشعراء المعاصرون كلهم ملتزمون ولكن الذين نجحوا منهم وأصبحوا أساتذتنا وبقيت تجاربهم هم الذين ابتعدوا عن اللغة المباشرة ولم يضعوا أمامهم عقيدة معينة ويدعون إليها. الذي سيبقى في النهاية هو الشعر.

اشتغالك بالسياسة وتقلدك لمنصب وكيل وزارة الثقافة في فترة سابقة ألم يؤثر على عطائك الإبداعي؟ العلاقة بين الشعر والسياسة كيف تنظر إليها؟
لا علاقة للوظيفة السياسية بالشعر في أي جهة كانت، واعتقد أن الوظيفة ربما تؤثر على المبدع لأنها تأخذ وقته ولا تترك له متنفسا كبيرا للإبداع. وفي النهاية المبدع الذي يصبح ناطقا رسميا باسم حزب معين أو سلطة معينة تنتفي عنه صفة الإبداع ولا يرجى منه خيرا ولا من إبداعه. ومع ذلك فمن حق كل شاعر أو كل مبدع أن يعبر عن أي قضية بلغته وأفكاره ولكنه لا يضع المذهب السياسي نصب أعينه وكدليل عمل لأن الشعر إمرأة لا تقبل الدرة. وعلاقة الشعر بالسياسة علاقة معقدة نوعا ما لأن الشاعر هو مواطن وله ميولاته وانتماءاته فقط تبقى المهمة الصعبة هي كيف يسترشد الشاعر والكاتب بهذه الميولات والتوجهات دون أن يضيع توازنه الإبداعي.

لماذا برأيك بقي محمود درويش دائما بعيدا عن السياسة ورفض المناصب السياسية الكثيرة التي عرضت عليه؟
محمود درويش رحمه الله كان شاعرا حرا ولا يتحمل القيود ولو كانت من ذهب وطبيعة التركيبة النفسية للشاعر هو أنه شخص متمرد ومتبرم وليس ملتزما بقانون حزبي أو بحسابات خارج حريته. هكذا كان محمود درويش وهكذا مضى.

هل أثرت قصيدة النثر في علاقة التوتر بين الباث والمتقبل التي تسود اليوم خاصة في الشعر؟
في الواقع إن التهمة ليست موجهة إلى قصيدة النثر، فالمجتمع في حراك دائم وكثيرا ما يقال إننا في عصر الرواية ولكن الرواية كانت دائما موجودة على مر العصور وكذلك الشعر وكل ذائقة تختار ما يعجبها وقد يحدث انحسار في مرحلة من المراحل لأمر ما وأساس الشكوى وعلاقة التوتر التي تحدثت عنها هو التقليدية الجديدة وتقليد الشعراء لبعضهم البعض حتى نكاد نقول أنهم يكتبون نفس القصيدة. هذا الأمر يجعل الشعر اليوم غير مستساغ وبقدر ما يستطع تأكيد حضوره وبهذه المناسبة أتذكر قوله معبرة من روسيا، ذلك أن الروس يعتبرون ويطلقون على قصيدة النثر القصيدة البيضاء" أي القصيدة التي لا توجد فيها حدود عروضية أو إكراميات معينة تشوش على الشاعر رؤياه ولكنه داخل البياض يستطيع أن يصنع خطوطه وخيوطه وبالتالي يستطيع الشاعر النجاة من ظل الآخرين والتحكم في صوته وخصوصيته.

ولكن هذه الأزمة التي نتحدث عنها اليوم، هل هي أزمة مغلوطة؟
كما قلت عندما تتشابه الأصوات هناك أزمة ولكن المشكل هو في قلته عدد الشعراء وكثيرا ما نقول إن الأسماء كثيرة والشعر قليل ولكن هذا شأن الحياة وكذلك الشعراء مثلا في عصر المتنبي الذين كانوا يعدون بالآلاف ولكن لم يبق منهم سوى المتنبي وأبو فراس الحمداني وأسماء قليلة. دائما مصفاة الحياة تغربل وبالمناسبة الشعراء الأنصاف وغير الموهوبين كثيرا ما يشوشون على الشعراء الحقيقيين والمبدعين وبسبب الثقافة السائدة قد يلتبس الأمر على المتقبل.

تحدثت منذ قليل عن الرواية، فهل فكرت يوما في كتابة رواية؟
أنا أقرأ أكثر الرواية، وقد كتبت مسلسلا تلفزيونيا سنة 1980 هو مسلسل "عز الدين القسام" من خمسة عشرة حلقة، ومع أن العمل التلفزيوني له شروطه المستقلة عن الرواية إلا أنه ينهل منها ومن موقع روائي من بداية ونمودارمي وتطور، وقد حاولت كتابة الرواية مرتين ولكن الوقت المنفعل والانفعالات والترحال كل هذا أجل مشروع الرواية ومع ذلك أنا لست غريبا عن أجواء الرواية.

هل هناك بعض المخطوطات الروائية التي يمكن أن تظهر في يوم من الأيام؟
طبعا هناك لأكثر من مخطوط وبعناوين مختلفة ولكن يحصل أن يتلاشى الوجع أحيانا ويعود لأنني لم أكن مخلصا بما يكفي للكتابة الروائية ما عدى ذلك الإنسان لا يستطيع ان يراهن على المستقبل.

هل تكتب في شعرك فلسطين الحلم أم فلسطين الواقع؟
أنت تعيدني بسؤالك هذا إلى مرحلة الطفولة لأنني عشت على ذكريات مدينة حيفا التي فارقتها صغيرا من خلال خيال أمي التي كانت تقص علي صورة حيفا كما تراها لا كما هي في الواقع وبذالك نشأت لي نوعا من الفانتازيا اسمها حيفا.

وأذكر أن أبي أحضر لنا مرة صفيحة زيت جميلة ذات حروف ذهبية فتصورت أنها حيفا لأنها ارتبطت في ذهني بكل ما هو جديد ومدهش فكرت وكبرت معي هذه الصورة عن الوطن ولكن طبعا حينما يتدخل العقل والوعي تتغير الصورة وتكبر فالوطن ليس فقط هو "كلمات ووعود" كما قال درويش وإنما هو أكبر بكثير من ذلك الوطن ذكريات وبشر وقضايا وأسئلة وفي هذا السياق يحضرني قول الكاتب الفلسطيني الكبير جبرا إبراهيم جبرا الذي يقول: "القدس ليست مكانا فقط إنها زمان أيضا" وبتداخل الزمان بالمكان تتشكل هذه الصورة ويتشكل المقدسي وهذه هي صورة الوطن بين الحلم والواقع وبين المنشود والموجود.

لماذا برأيك أنتجت القضية الفلسطينية شعراء كبار ولم تنتج روائيين كبار؟ فهل الشعر أكثر قربا وتبليغا وتعبيرا من السرد عن هذه القضية؟
أنا لا أوافقك هذا الرأي لأنه لدينا روائيون كبار ولكن المشكلة أن توزعنا في المنافي الجغرافية أوجد نوعا من الالتباس حتى أن كثيرين من المتابعين لا يعرفون أن هذا الكتاب فلسطيني وهذا كاتب أردني أو عراقي تخيل أن كاتبنا الكبير جبرا إبراهيم جبرا حينما توفي وجدنا في فلسطين من يقول إنه كاتب عراقي ما يميز الكاتب الفلسطيني عن بقية الكتاب هو أنه لا يعيش على أرض وبالتالي فإن سيعبر بالضرورة عن الأسئلة التي يعيش فيها وعن المنفى وأبرز مثال على ذلك ما قدمه جبرا ابراهيم جبرا لصورة بغداد القديمة في رواية "صيادون في شارع ضيق" والتي لم يستطع أي كاتب عراقي أن يقدمها. يحي يخلف قدم الجزيرة العربية من خلال روايته " أشغال تحت الصفد" بحيه ذهل المتابعين كذلك أحمد قبلاوي وهو كاتب شعبي كان يكتب قصص من شكل تمثيليات إذاعية فكانت دمشق القديمة تحت يديه تحضر وتنبض في أبرز حللها والأسماء تطول المرحوم أحمد عمر شاهين، قدم للقاهرة القديمة من خلال رواياته كفلسطيني مغترب لجأ إلى مصر بعد نكسة 1967 ولا أنسى أيضا الكاتب رشاد أبو شاور وهو روائي فلسطيني واكب التجربة بالإضافة الكاتب الكبير إميل حبيبي الذي عاش ومات في حيفا بالداخل.

وربما ما يطرح هذا السؤال كون الشعر سريع الانتشار وحالما بقول الشاعر قصيدة يمتلك أحقية حضوره ويصبح يعبر عن القضية أما الرواية فيلزمها نفس طويل ومتابعة.

كيف ينظر الشاعر أحمد دحبور إلى الوضع الراهن للقضية الفلسطينية والاقتتال الداخلي بين الأخوة؟
أنا باختصار ابن التجربة الفلسطينية وقد انتسبت إلى فتح منذ انطلقت تقريبا ولكن لم يكن ذلك نوعا من العبادة الصنمية، لأننا كنّا كتاّبا وكانت القضية تكبر معنا وعاشت حماس كلحظة مختلفة في الجو الفلسطيني سواء اتفقنا أو اختلفنا معها فهي موجودة وأساس الأمر أنه علينا الاعتراف بالتعددية أولى بالقضية وهي قضية حية أن نعترف أنه هناك أكثر من طريقة في التفكير ولذلك كتب من الفلسطينيين الذين سعدوا بالانتخابات الديمقراطية النزيهة التي نجح فيها الشق الأكبر من حماس. ولكن الفجيعة كانت في هذا الانقسام الذي أصبح هو المشكل بحد ذاته وليس الانتساب إلى هذا الموقف أو ذاك. فالعدو في هجومه الأخير على غزة لم يفرق بين حماس وفتح وأصبح الوطن كل في خطر والعقل السوي هو الذي عليه أن ينظم السؤال: كيف نتجنب الصراع والانقسام الثانوي لمقاومة العدو الأوحد ووضع الأجوبة التي يطرحها هذا التناقض؟.

بين الغنائية وإيقاع الفرح وبين النفس الحماسي والملحمي والبعد الدرامي في القصيدة العربية أي الأشكال يحتاجها الواقع العربي اليوم؟
الشعر الحقيقي ليس له وصفة جاهزة والاختيارات كلها مفتوحة.. والأمر لا يفهم بهذه الطريقة فالواقع اليوم يحتاج كل الأشكال التعبيرية ومرة أخرى أعود إلى المبدع جبرا إبراهيم جبرا الذي حاول أن يضع حلولا لهذا السؤال وقال إن الفلسطينيين لهم امتياز القصيدة الدرامية التي يجب أن يعرفوا توظيفها جيدا حتى تخدم أهداف القضية وتبتعد عن المباشراتية.

عادة ما يرتبط اسم الشعراء والكتاب الفلسطينيين بالمنفى الذي يعشه فيهم، فكيف تنظر إلى هذه العلاقة الجدلية؟
للمنفى حصة كبيرة واستنائية في حياة أي فلسطيني وهناك جيل بكامله أصلا ولد بالمنفى وإذا تركنا القاسم المشترك بين الفنانين والمبدعين عموما الذين يتعرضون للنفي أو للمحاصرة داخل الوطن، فالفلسطيني تلقائيا يعاني من أنه خارج الوطن وإذا كان داخله فهو يعاني من مواجهة الاحتلال وهو نوع من أنواع المنفى الداخلي.

إذن فالمنفى محنة فلسطينية قاسية ولكن الفلسطيني أدمن مواجهة هذه التجربة وكذلك الاغتراب وذلك لتأكيد الحضور بكافة أشكال الإبداع المختلفة والتعلق بالوطن. وأنا لا أشذ عن أي شاعر فلسطيني الذي وظف هذه التجربة في قصائده وقد كتب قصائد في وعن ومن المنفى.

أيهما أشد وطأة بالنسبة لك المنفى الخارجي أو المنفى الداخلي؟
المنفيان الداخلي والخارجي يتوحدان في التجربة الفلسطينية والشاعر عموما مغترب لأنه يحلم بوطن متقدم عن ما يرى وطن يرسمه في خياله وإبداعه.


عن موقع العرب أونلاين
26/8/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600