بوشكين: حداد يرجع صداه الزمن - لينا هويان الحسن


يشبه كل العباقرة الذين ماتوا في عز شبابهم. فثمة بشر يولع بهم القدر ولا يكف عن مد أذرعه الكثيرة ويزرع في طرقهم الكثير من اللعب، والنهاية تكون حين تغلبهم لعبة قدر. هكذا حدث بالضبط مع بوشكين رمز روسيا الإبداعي الأشهر، أحيت روسيا الذكرى 172 لرحيله في 10 شباط حيث توفي في شقته في مدينة سان بطرسبورغ في الساعة الثانية و 45 دقيقة بعد الظهر وفي الدقيقة نفسها التي توقف فيها قلب بوشكين أعلن متحف بوشكين في موسكو دقيقة حداد.‏

من ألقابه الإبداعية «أمير شعراء روسيا» ولد في موسكو في 26 أيار عام 1799 نشأ في أسرة من النبلاء وكانت تعيش حياة الترف. كان والده شاعراً وعمه شاعراً بارزاً يحمل أصولاً حبشية من جهة والدته ناديشد أوسيبافنا كانت حفيدة إبراهيم جانيبال إفريقي من الضباط المقربين لدى القيصر بطرس الأول. وتظهر اللوحة الزيتية الشهيرة له الموجودة في متحفه بعض الملامح الإفريقية التي ورثها عن جده الحبشي، شعر أجعد وشفتان غليظتان، بوشكين كان مريضاً بالجميلات يلاحقهن وتنقل بين محبوبة وأخرى إلى أن وقع في غرام الأكثر جمالاً في الوسط الأرستقراطي النبيل في موسكو هي ناتالياجوفنشاروفا وتزوجها وسط حشد من الرجال المولهين بنتاليا وخلال المدة الأخيرة معها أنجز أشهر وأهم أعماله لكن جمال ناتاليا لم يكن سبباً في أيام هانئة، فالقيصر ذاته أراد رؤيتها في بلاطه دائماً والبارون هيثرن رغب بمغازلتها وسط صخب الحياة الاجتماعية التي تعشقها ناتاليا اللعوب أيضاً الشاب الفرنسي جورج دانتس كان من بين المغرمين بها إلى حد أنه اقترن بشقيقتها ليظل قريباً منها وظل يغازلها وهنا وجد بوشكين نفسه وجهاً لوجه مع القدر فكان أن طلب غريمه دانتس إلى المبارزة كما كان يقضي العرف في ذلك الزمن حيث كان الرصاص وحده يمكن أن يسترد له كرامته.‏

تواجه كل من بوشكين دانتس وأطلق المتبارزان النار على بعد 20 خطوة، يقال إن دانتس أطلق النار أولاً وقبل وصوله إلى الحد الفاصل. وسقط بوشكين ميتاً. في ليلة مقتله تجمع نحو 30 ألف نسمة في يوم واحد لإلقاء تحية الوداع الأخيرة على جثمان بوشكين الذي تم نقله ليلاً ودفنه بالقرب من قريته التي حكى عنها كثيراً في رواياته (ميخايلوفسكي) وخلف وراءه أعمالاً من يقرأها يظن أن كاتبها هو رجل معمر مثل ليون تولستوي في حين أن بوشكين لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره.‏

ومن العناوين الشهيرة لأعماله (أسير القوقاز، ابنة الضابط، الخريف في بولدينو، الفارس النحاسي، أحبك، ملكة البستوني، عروسة الماء، يوريس غدونوف، روسلان ولودميلا، نافورة باختشي سراي).‏

أيضاً ثمة رواية له اسمها (دوبرفسكي) رغم أنها لم تتجاوز المئة صفحة إلا أنها من روائع الأعمال الروائية، وفي كل أعماله سيلوح طيف الرجل الوسيم المقامر والمغامر المولع بالجميلات والساخر والذي يشبه بوشكين ذاته كثيراً.. أيضاً حياته تشبه بعض الشيء حياة ليرمنتوف مبدع الرواية الشهيرة بطل من هذا الزمان، ذاتها مسألة النفي إلى القوقاز، تقريباً ما من أديب روسي لم يكتب عن القوقاز.‏

بوشكين كان ثائراً ضد السلطة فنقم عليه القيصر ما أدى إلى نفيه لعدة سنوات قبل أن يعود إلى موسكو بعد موت القيصر السابق وصعود نيقولا الثاني على العرش والذي لم يكن أفضل من سابقه بحيث يمكن أن يخطر لمتتبع خيط الأحداث التي أدت إلى المبارزة الشهيرة أنها دبرت وكانت مبيتة لسبب وآخر، والرسالة التي قام جورج دانتس غريمه بإرسالها له واستفزته لما تحويه من كلام مسيء اقتناها متحف بوشكين مؤخراً إضافة إلى بورتريه لقاتله وهو في عمر متقدم ومتحف بوشكين يضم 200 ألف معروضة ودخوله مجاني ومضى على تأسيسه ما يزيد على نصف قرن..‏

قليلون الأدباء الذين يبدعون مثل شخصية دوبرفسكي التي تشبه كثيراً بوشكين حيث ذلك السلم الصارم الذي يرتقيه البطل نحو قدره النهائي تتبعه حاشية من المعجبين والعشاق..‏


18/7/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600