أحمد دحبور: لا أحد يمسك بمفتاح الشعر وما كتبته للعاشقين تجربة خاصة وغنية - راشد عيسى
من المؤلم القول إن طائراً من المخيم قد عاد إليه أخيراً مهيض الجناح. من مخيم، لم يكن سوى ثكنة عسكرية، إلى أغوار الأردن، وبيروت، ثم التغريبة التونسية، ومنها إلى قطاع غزة، ذلك الذي يسميه الشاعر الجزء المتاح من الوطن، ومن ثم إلى حيفا، التي تركها وهو صغير ليس سوى قطعة من اللحم، كما يقول.

هوذا الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، الذي غادر مدينة غزة إلى دمشق قبيل الحرب الأخيرة. فماذا يقول عن رحلة أكثر من أربعين عاماً بعيداً عن المخيم، وعن رحلته الناقصة إلى حيفا؟ هنا حوار معه:

ولدتَ في مخيم فلسطينيّ في الشتات، كيف يمكن لمن ولد في هذا الوضع أن يكون شاعراً؟ وأنت تقول: «هكذا الأشياء لن تصبح موضوع قصيدة»؟

ميزة المخيم، لا سيما إذا كان مخيماً فلسطينياً في المنفى، أنه يشكل مجسماً مصغراً لفلسطين، ففي مخيم اللاجئين الفلسطينيين في مدينة حمص، الذي عشت فيه طفولتي ويفاعتي، كان يمكن أن ترى بشرياً خريطة فلسطين الشمالية، فاللاجئون جميعاً من الجليل، وبالتالي أمكن للطفل الذي كنتُه أن يسمع اللهجات الفلسطينية المختلفة، وأن يعاني ويشهد التحولات الاجتماعية التي عاشها هؤلاء القوم بعد نكبتهم عام 1948. ربما سيدهش الأطفال المعاصرون الآن إذا أخبرناهم أننا لم نكن نعرف التلفزيون، بل إن جهاز الراديو نفسه كان قطعة نادرة، والذي كان يعوض ذلك أحاديث السهر والسمر بين اللاجئين. وعلى المستوى الشخصي كنت أنا تلفزيون العائلة، فقد أحضر أبي لي ذات يوم نسخة من قصة الزير سالم لأقرأها على أهل البيت بسنواتي العشر، وكان الجميع يعرفون أحداثها لكثرة ما تمت روايتها وتناقلتها الأجيال، فكأننا في استعادتها نرى حلقة تلفزيونية معادة. وخلال هذا الوعي البسيط كانت تأخذنا الحياة برياحها ودورتها المعقدة؛ يقع العدوان الثلاثي على مصر، وتهب ثورة الجزائر، وتقوم الوحدة بين مصر وسوريا، إلى ما هنالك من أحداث دراماتيكية كبرى كان لها تأثير مباشر في وعينا اليومي. ومن هذه الخلطة العجيبة، أي المخيم المزدحم والذكريات المزدحمة، والاكتشافات الأولية للمحيط، يحصل أن يتشكل الانتباه إلى العالم، ليتراكم ويحاول الفتى أن يقلد الكلمات المرسلة في قصة الزير أو سيرة بني هلال، قبل أن يعرف أنها تنتمي إلى الشعر، فتلقى محاولاته قبولاً حسناً من الأسرة ومحيطها، حتى إذا كبرنا قليلاً تبين أن الشعر أمر أهم وأكثر مصيرية، حتى ليمكن القول إن الشعر قد أصبح أسلوب حياة.

ماذا عن البيئة التي كانت تحيط بالمخيم؟

لنقل إنني ابن بيئة مركبة، فأنا فلسطيني، حيفاوي، جليلي، وتابعت دراستي منذ المرحلة الإعدادية في مدينة حمص السورية. أولعت بالتراث العربي وانشغلت لأمر ما بلغة الدينيْن السماويين المسيحية والإسلام. وكان طبيعياً أن تأتي المفردات من هذه البيئة، فقد تجد النكهة الشعبية في محاولاتي، كما تجد العودة إلى التراث باللغة الجزلة، وتشم رائحة القرآن الكريم في مفاصل النص، فضلاً عن التأثر الإيجابي بالمسيحية التي دُهشت بها خلال دراستي في مدرسة عربية أصيلة تدين بالمسيحية، وأقصد مدرسة الغسانية التابعة للروم الأرثوذكس في مدينة حمص، فاللغة جاءت نتيجة هذا الجو مجتمعاً. وبطبيعة الحال تكبر وتتطور ثقافتنا وأتأثر بخطاب علم النفس. ولا أزعم أن خطابي كان سلساً منذ البداية، لكن يحدث أنه كلّما تكبر ويتسع وعيك تكتسب لغتك حالة من الصفاء التي يصدق معها القول: قل لي كيف تتكلم أقل لك كيف تكتب الشعر.

هل جعل الانتماء إلى ثقافة مزدوجة النشأة من قصيدتك سورية؟

إلى حد بعيد، فأبناء جيلي كانوا ينهون مرحلة دراستهم الابتدائية بشهادة تسمى السرتفيكا، أي اجتياز الصف الخامس الابتدائي، وقد تيسّر لي أنني كنت من بين خمسة عشر تلميذاً فلسطينياً حصلوا على علامات جيدة في السرتفيكا، فأخذتهم الحكومة السورية من المخيم ليدرسوا في مدارسها. ولك أن تتخيل ابن الصف السادس الابتدائي يجد نفسه طائراً من المخيم الصغير المحدود إلى مدينة حمص التي تتميز بنكهة خاصة داخل المشهد الثقافي السوري. وعندما وصلت إلى أرض الشعر كان يجب أن أتعرض للمدارس والأسئلة الخاصة بتطور الشعر في سوريا بحكم عيشي هنا، فرموزي وأشباحي وأوهامي كأحلامي، هي عربية فلسطينية بنكهة سورية لا تخفى.

من الأقرب والأحب إليك في هذا المدرسة؟

في مرحلة مبكرة من عمري حظيت بأستاذ أصبح صديقاً أول، علمني كيف يجب أن يكون الشعر، وقبل ذلك علمني كيف تكون الحياة. هو الشاعر المرحوم موريس قبق الذي عبّرت عن امتناني له بوسائل شتى، ليس أولاها أنني أهديته أول قصيدة نشرت لي وكان عنوانها «همسات» نشرتها في جريدة حمص في 29 أيلول 1961، أي عندما كان عمري 15 عاماً. وبعد سنوات طويلة عندما أصدرت مجموعتي الشعرية بعنوان «هكذا» زينت الصفحة الأولى منها بإهداء إليه. إذا أردت أن أصل هذا الكلام بالجانب المعرفي والجمالي فأقول إن هذا الشاعر كان أنيق اللفظة متطلباً في الفن لا يحتمل الحشو والزوائد، وكان يعنى بشحن قصيدته بالأفكار، وهي ليست مجرد تأملات هائمة. ثم عندما توسعت فتحة البيكار التي تحيط بعالمي اهتممت بالشاعر اللبناني الكبير خليل حاوي ومن ثم أدونيس. لقد وجدتني منخرطاً في تفاصيل المشهد الشعري السوري، كالصراع بين القديم والجديد، وكنت منحازاً إلى الجديد برعونة نسبية. وكان يجب أن أشقى كثيراً حتى أصل إلى حقيقة أن المعرفة متعددة وأن لا أحد يمسك بالمفتاح الوحيد الصحيح للشعر.

عين المخيم

هل يمكن القول إن هنالك أدباً للمخيم؟ استخدمتَ مرة تعبير «عين المخيم»، هل يمكن للمرء أن يرى العالم من هذه الزاوية؟

الأدب هو الأدب، والتقسيمات السائدة؛ فلسطيني سوري عراقي، هي تسميات مجازية. فعندما أُقبِلُ على مجموعة شعرية لا أقرر سلفاً اختيارها لأن مؤلفها لبناني أو مغربي. لكن هذا لا ينفي حقيقة أن للبيئة ملامح في الخريطة الشعرية بحيث تمنح بعض الخصوصية هنا أو هناك. وعندما قلت عين المخيم فلعلّي كنت أصدر عن حساسية الفلسطيني الذي يرى بوصفه ابن مخيم تعقيدات الحياة وتضاريسها.

«سكنتُ مخيماً وسكنتَ شاماً»، هل تذكر هذا الشطر الشعري؟ كانت قصيدة لك ترد بقسوة على الشاعر مظفر النواب؟

أتى مظفر النواب إلى سوريا عام 1969، وكنت وصديق العمر نزيه أبو عفش من أوائل من تعرف عليه، وقد أخذتنا تجربتُه الغنية بالعراق وموهبته العالية، ولا سيما في كتابة القصيدة العامية العراقية التي كان يكتمل وهجها بأدائه حيث كان يلقي الشعر ببراعة خرافية. واتفق لي أن حفظت عدداً من قصائده العامية ولا سيما قصيدة «البراءة» المشهورة، وكان يميل عليّ أحياناً إذا نسي مقطعا منها وهو يقرأ فأذكر له هذا المقطع. وأعتقد أن أول أمسية شعرية له كانت في حمص، وكنت أنا ونزيه نشاركه، وهذا تواضع كبير منه طبعاً، إذ كنا فتييْن في مطلع العمر وهو شاعر متمرس، كنت أحب أن تستمر هذه الصداقة التي أحتفظ منها بالكثير من الدفء والذكريات الإنسانية إلى أن أفسدتْ السياسة كل شيء. فقد وقع الانشقاق في حركة فتح، وفوجئت بانحيازه غير المفهوم للمنشقين وكان ردّ فعلي عصبياً أو عدوانياً حتى. ثم فرّقتنا الجغرافيا فقد ذهبتُ إلى تونس، وهو يعيش مع قدره في المنافي التي اختارها.

اكتشاف النار

أول مجموعة شعرية لك كانت العام 1964 مع انطلاقة الثورة..

كانت قبل ذلك، ولك أن تتخيل المجموعة التي أصدرها فتى في الثامنة عشرة من عمره. إذا كان لي أن أنحاز إلى أمر في هذه المجموعة فهو أنها سليمة العروض واللغة. ولقد أبقيت عليها ضمن الأعمال الكاملة كنوع من الوفاء للذكرى.

إذاً فقد بدأتَ مع بدايات المقاومة، هل يمكن القول إن تجربتك الشعرية تؤرخ للتجربة الفلسطينية المقاوِمة؟

يمكن القول إن العمل في مناخ المقاومة هو تجربتي الوحيدة، فمن مقاعد الدراسة إلى المقاومة حيث عملت أساساً في سلك الإعلام، ومن الإعلام وصلت إلى الأغوار (في الأردن) عندما كنت مراسلاً ميدانياً. الآن، حين أعود إلى ما أنتجت من شعر، أحس كأنني أمام يوميات المقاومة؛ من فرح اكتشاف النار والزهو بانطلاقة الثورة، إلى مأساة أيلول في الأردن، إلى سلسلة المذابح التي ربما كان تل الزعتر عنوانها، إلى التغريبة التونسية حيث عشت عــشر سنوات، إلى الأسئلة السياسية المعقدة: نقبل بدولة أم لا، معادلة الرفض والقبول إلخ..

هل حدث حقاً أن أفسدت السياسةُ الشعر؟

هذا يتوقف على آلية فهمنا للسياسة كشعراء، وأنا لا أكفّ عن استحضار موقف لسارتر من الالتزام، فهو لا يطلب أن تكتب شيئاً في كل معركة أو حدث سياسي، وإلا ستكون حينها معلقاً سياسياً أو مؤرخاً لا شاعراً، ولكنه يلحّ على ما كان يسميه الحضور في العالم، بمعنى أن تكون شريكاً في الحدث. فإذا كان الشعر شأناً ذاتياً وهو كذلك، فبقدر ما تمتلئ هذه الذات بالشأن العام يكون الشعر جزءاً من اللحظة العامة.

من الممكن أن يلتبس الأمر على بعض الشعراء الملتزمين فيكون التورط في التفاصيل السياسية التي لا يحتملها الشاعر، وهنا لا بد من حساسية فنية تستخلص ما هو قابل للحياة خارج المناسبة، أو بعد المناسبة، وكان من شأن هذا الوضع أن يخلق التباساً بين الشاعر الفلسطيني والجمهور، فقد يأتيك جمهور مسيس متطلِّب ليطلب منك أن تعبر شعرياً عن كل خلاف بين هذا القائد أو ذاك، وهو ما لا يطيقه الشعر. فضلاً عن أن الشعر كثيراً ما يتعرض على أيدي غير الموهوبين لاستخدامه كوسيلة ابتزاز عاطفية، فالجمهور يحب فلسطين ويعطي صوته للفدائي، ولكن هل بالضرورة أن تكون كل قصيدة تتحدث عن فلسطين هي قصيدة جيدة؟ إن الشاعر الذي يتكأ على البندقية ليصل إلى ذروة المجد هو شاعر لا يعرف أن يستخدم البندقية ولا يعرف ما هو الشعر.

عندما أطلق درويش صرخته الشهيرة «أنقذونا من هذا الحب القاسي» فهو لم يكن ينطق باسم الشعراء الفلسطينيين وحدهم، بل باسم كل شاعر يريد أن يعبر عن جوهر ما يعاني خارج ابتزاز الذوق العام والثقافة العامة والرأي العام. حتى أكون واضحاً سأذكر مثلاً: في الأيام الأولى للانتفاضة كنت في أحد الأقطار العربية وقد أجرت معي سيدة بدينة متحمسة مقابلة تلفزيونية مثيرة، فسألتني: لا أسألك كم قصيدة كتبت للانتفاضة، بل كم مجموعة شعرية أصدرت؟ وكانت ردة فعلي عصبية، حيث صرخت في وجهها: ومن قال لك إنني أحب الانتفاضة؟، وكنت بذلك أقصد انتفاضتها هي، انتفاضة الابتزاز والانقياد للشعار والصرخة الجاهزة، لأن المناسبات والأحداث الكبرى حتى تدخل إلى مصهر الشعر تحتاج إلى وقت حتى تختمر في القلب والوعي والمشاعر ثم تنطلق كصرخة شخصية من الداخل، أما عندما يتناولها هذا وذاك بسطحية ورعونة وعجلة فإنه قد يرضي أذواق المتحمسين، ولكنه لن يرضي الشعر، وعلى هذا لا بد من سوء فهم مزمن بين الشاعر والجمهور المتطلب. ومع ذلك فإنني أعترف بأن بعض المشاركات الشعرية في المهرجانات قد تضغط على الشاعر حتى يواكب رغبة الجمهور المتأججة، ولكنني في هذه الحالة كنت ألجأ إلى قصائد قديمة كانت تناسب هذا الهياج، ولا يمكن أن أكتب قصيدة جديدة بحسب ما يطلبه الجمهور، إلى أن وصلت إلى قرار مطمئن هو أنه غير مسموح للشاعر، من وجهة نظر الشعر الحق أن يكون مذيعاً لما يطلبه المستمعون. فأنا الآن لا أقرأ حتى قصيدة قديمة تناسب المتطلبات الراهنة، وبطبيعة الحال لا أكتب قصيدة رهن الطلب.

كتبتَ العديد من أغاني فرقة العاشقين، هل أردتَ أن تكون شاعراً بالعامية؟

ما كتبته للعاشقين كان بمعظمه مما كتبه الشاعر العربي المجهول. كتبت للعاشقين خصيصاً وبهدف الغناء، ولم أكتب بالعامية إلا قصيدة أو اثنتين، كانت تجربة خاصة وغنية، وكان التعاون مع الفنان حسين نازك مجدياً. كانت جدتي من المعمرات، عاشت ما ينوف عن القرن، وكانت تدندن على مسامعي كلمات من أغاني جيلها، فهذه أغان فولكلورية ولكنها غير مستهلكة في الذوق العام لأنها غير معروفة. كنت أوظف ألحان هذه الأغاني بمفردات جديدة تكتسب عراقة الفولكلور وتشكل إيقاعاً جديداً بالنسبة للأذن الشابة.

عائد إلى حيفا

متى وكيف قررت أن تزور حيفا؟

فوجئت عندما عدت مع من عاد إلى الجزء المتاح من الوطن، أن هناك فرصاً للوصول إلى العمق الفلسطيني، فالاحتلال كان يمنح أهالي الضفة والقطاع تصاريح بدخول الجليل، وهي تصاريح نادرة وغير متوفرة دائماً، فإذا حصل الفرد منا على مثل هذا التصريح تمكّن من الدخول إلى الجزء المحتل من الوطن، ولم يكن الأمر سهلاً، فأنت بعد السابعة مساء يجب أن تعود إلى حيث كنت، وإذا ضبطوك في الداخل بعد ذلك الوقت يسحبون منك التصريح ويحرمونك من إعادة التجربة لمدة ستة أشهر على الأقل، وإذا تكررت المخالفة، ومن وجهة نظر الاحتلال أن تتأخر في وطنك هذه مخالفة، فقد تتعرض للاعتقال، ولكن المحاولة تستحق المغامرة. أذكر أنني في المرة الأولى التي أتلقى فيها الدعوة إلى زيارة الناصرة وأنا الآتي من بعيد، لم أفهم معنى الدعوة، وقد شعرت بانعدام الوزن، وتساءلت هل معنى هذه الدعوة أنني أستطيع أن أرى الناصرة وحيفا وعكا ويافا؟ فقيل لي هذا ممكن، وهذا ما كان.

من الصعب أن يستعيد الإنسان تلك اللحظة التي تكاد تكون مستحيلة، فمعلوماتي التي نشأت عليها أنني لا أستطيع رؤية بلادي المحتلة إلا بعد تحريرها، وكانت المعلومات تذهب في التفاصيل إلى حدّ اعتبار الدخول إلى الوطن بينما الاحتلال قائم انه شكل من أشكال الخيانة، ولكني حين وصلت إلى الجزء المتاح من الوطن، أقصد الضفة والقطاع، اكتشفت أن أهلنا يستطيعون اجتراح المعجزات والتمكن من رؤية بعض وطنهم ولو بصعوبة، كما رأيت أن عدداً من الأشخاص الوطنيين يتعاملون مع التصريح، خاصة أنهم لا يقدمون أي نوع من التنازلات، في سبيله، بل إن الصديق الذي استقبلني عند معبر إيريز وهو المكان الذي أستطيع الانطلاق منه إلى الداخل، كان صديقاً وطنياً، وكثيراً ما سبق له أن تعرض للتوقيف والمضايقة، هو الكاتب أنطون شلحت المقيم في عكا، وقد أتى لاستقبالي بناء على التنسيق الذي تم مع بلدية الناصرة، وهي بلدية وطنية، كان يقودها المرحوم الشهيد توفيق زياد، ويقودها الآن المناضل رامز جرايسة، وبالنسبة إليّ كان يكفيني أن تأتي الدعوة من هذه الجهة الوطنية، وأن يستقـبلني ليوصلني إلى الناصرة الصديق شلحت، حتـى يكون الأمر مقبولاً ومفهوماً.

هل وصلت إلى بيت أهلك في حيفا؟ في الناصرة وجدت جمهوراً حبيباً هو جزء من روحي، ووجدتني أقص عليه حكاية أهلي مع اللجوء العام 48، عندما كنت قطعة لحم بين أيدي أمي وأبي، وتوقفت طويلاً عند حيفا كما رسمتْها لي أمي في خيالي، وقلت بالحرف الواحد: صلّوا من أجلي حتى يصمد قلبي غداً عندما أرى حيفا. في اليوم التالي زرت ضريح الشهيد توفيق زيّاد في الناصرة، وأتاني إلى المقبرة الصديق المناضل الكاتب محمد علي طه، وقال لي إن أهل حيفا يسلّمون عليك وهم في شوق إليك، ولكن حبذا أن تؤجل قدومك إليهم حتى يوم غد، ذلك أن اليوم كان هو السبت، حيث تكون المدينة مغلقة والظروف غير ميسرة. فقضيت تلك الليلة في الناصرة على أن آتي حيفا في اليوم التالي، ولكن من الذي سينام؟ كنت أقف في منتصف الليل وأتخيل هذه الحيفا التي لا أعرفها إلا من خلال حكايات أمي. ومنذ ساعات الصباح الأولى كان شلحت يقلّني في سيارته إلى حيفاي، وكان دليلاً عظيماً، فلا نصل إلى مرتفع أو منخفض أو علامة إلا ويشير إليّ بأسماء الأماكن وما تعنيه في الذاكرة، وفجأة قال لي حدّق أمامك، أنت أمام جبل الكرمل. من الصعب أن أصف مشاعري في تلك اللحظة، كنت أشعر بأننا نتبادل المسير أنا والجبل، هل أنا الذي أذهب إليه أم أنه هو الذي يأتي نحوي؟ ومضت السيارة بنا قدماً، فقال لي أنطوان: انظر من النافذة. وإذا بي أمام يافطة كتب عليها بالعربية: وادي النسناس. وأنا أعرف من أهلي أنني ولدت في وادي النسناس، وتحديداً في شارع الحريري. ساعتها وجمت، وأصبحت كلي عيوناً، والفاعلية الوحيدة التي امتلكتها آنذاك هي أنني أرى ولا أصدق نفسي. إلى أن توقفت السيارة ومضى بي أنطوان في إحدى فسحات المدينة، وإذا بفتاة عشرينية تخاطبنا بلهجة حيفاوية أصيلة، قالت: «انتبهوا حتى لا يخالفوكم». ولم تكن المخالفة تعنيني ولا أدري سببها، بل كان يعنيني أن أول ما طالعني في حيفا هو هذا الصوت الحيفاوي. فاقتربت من الفتاة وأمسكت بيديها هاتفاً: شكراً، وذهلت الفتاة، وظنت أن بي مساً، قالت: «شكراً على أيش؟» فقلت لها على أنك تحفظين اللهجة، ومضت وهي تظـن أنها وقعت على شخص مخبول.

أما صديقي أنطوان فواصل بي إلى مطعم اسكندر، وهو من معالم حيفا التي كان أهلي يتحدثون عنها، وكانت المفاجأة التي تنتظرني أننا عندما فتحنا باب المطعم فوجئنا بجمع كبير من الناس. لقد أتى كل هؤلاء ليروا ابنهم العائد من الغربة. وكانت ساعة من الانفعالات والبكاء وانعدام الوزن، وتكلم من تكلم، ورحب من رحب، إلى أن قال أحدهم يجب أن نمضي في الوادي حتى نتمكن من رؤية البيت، ولم يخطر ببالي دلالة كلمة البيت. ومشينا في أزقة وادي النسناس، والناس يزيدون ازدحاماً، ثم قال لي أحمد الميعاري، وهو شخصية وطنية معروفة، انظر هذا بيتك. قلت مدهوشاً: بيتي؟! فقال لي أكثر من صوت: ألم تكن قد كتبت في الصحافة أن بيتك لصيق بالفرن في وادي النسناس؟ قلت نعم. فقالوا لي: هنا الفرن، إذاً هذا بيتك. ولم يظهر على وجهي كبير اهتمام. قلت: أنت تبحث عن إبرة في كومة قش، في مدينة كاملة تقول لي هذا الفرن! ردّ عليّ حنا نصر الله بلهجة حيفاوية لا يمكن أن تفارق ذاكرتي: «لا تلخمني، هناك فرنان، واحد للأرمن والآخر للذين هاجروا، فإذا كان أهلك هم الذين هاجروا فهذا فرن أهلك». وتمتمت مذهولاً: وهل شجرات الكينا لا تزال موجودة؟ فقال لي حنا متأففاً وبنوع من السعادة: وأين تريد لشجرات الكينا أن تكون؟ إنها في داخل البيت. وقفت مصعوقا أمام بيت أهلي، الذي لا تزال تحرسه شجرات الكينا، وهمستُ: ترى أين يكون بيت جارنا أبو جورج الذي كان أبي يحدثنا كثيراً عنه، فقال لي حنا: انظر خلفك، هذه دكان أبو جورج. وعندها فعلت ما يجب، سقطت على الأرض أعانق التراب وأجهش بالبكاء. سيقول لي أبو جورج في ما بعد إنه لا يزال يذكر المشهد عندما كان أبي يقودنا لنغادر حيفا وهو يصرخ به: «حرام عليك يا شيخ، لا تغادر، والله فإنك إن تركت حيفا لن تراها من جديد». ولم ير أبي حيفا ومات بحسرته في المنفى.

أليس هنالك من يسكن البيت؟

الفرن اللصيق بالبيت لا يزال قائماً وهو يمدّ أهالي وادي النسناس بالخبز والكعك حتى الآن. أما البيت فهو أطلال. وكان عزائي أن الشباب الذين يديرون الفرن هم من الفلسطينيين.

هل كتبت التجربة شعراً؟ مساء ذلك اليوم، وكما يقول الفلسطينيون «راحت السكرة وأجت الفكرة»، فرحت برؤية البيت، ورؤية الفلسطينيين فيه، ولكن انطبق عقربا الساعة على السابعة، وصار يجب أن أعود من حيث أتيت، فهل يدري من كان معي أن قطعة من قلبي كانت هناك، لقد كتبت قصيدة في هذا وأذكر منها: «حسرتها عليّ أم يا حسرتي عليها/ وصلتها ولم أعد إليها».



(دمشق)
11/7/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600