مي زيادة: الحداثة المستعصية.. والقرن الضائع - د. خالد الحروب


الأثنين 11/5/2009

في الصيف الماضي توقف بي الصديق شكيب قبطي في شارع ضيق عريق في قلب مدينة الناصرة وأشار الى باب أحد البيوت قائلا هل تعرف بيت من هذا ، انه بيت عائلة مي زيادة. وقد عاشت فيه عدة سنوات. وبعدما استأذنا العائلة الفلسطينية التي تسكنه حاليًا ، واستقبلتنا بسماحة بالغة ، وأذنت بأخذ بعض الصور ، كان طيف الصحفية والكاتبة التقدمية هو الذي يقودنا من غرفة لأخرى. وكان السؤال الطبيعي: لماذا لا يكون هذا البيت العريق متحفًا يؤرخ لمسيرة مي زيادة؟ كان والد مي قد جاء الى الناصرة من جبل لبنان سنة 1879 ومكث فيها حتى 1907 عندما هاجر الى القاهرة. بيد أن اهمال الأثر المادي للبيت الذي ولدت وترعرعت فيه مي لا يُقارن باهمال الأثر الفكري والمعنوي لها. أو ربما كان الأول مجرد مؤشر باتجاه تراكم المرارة الحقيقية في واقع اليوم وهي أن كثيرا مما ناضلت لأجله مي زيادة وجيل كامل من المفكرين والمثقفين التنويرين منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الآن لم يتحقق.

تهبط هذه الأفكار المُحبطة على قارىء الكتاب الممتع "مي زيادة.. صحافية" لمؤلفه أحمد أصفهاني ، والصادر حديثًا عن دار الساقي. أصفهاني بذل جهدًا رائعا على مدار عدة سنوات وهو يجمع مقالات صحفية كتبتها مي زيادة في جريدة "السياسة الأسبوعية" القاهرية بين عامي 1926 1927و ، وظلت مهملة في الأرشيفات ولم تخرج الى النور. جانب من أهمية تلك المقالات يأتي من طبيعة القضايا الاجتماعية والثقافية التي تناولتها زيادة ، خلال اشرافها على "القسم النسائي الاجتماعي" في الجريدة. والاحباط الذي يُصيب المرء عند قراءته للمقالات التي يضعها أصفهاني بين أيدينا سببه استدامة تلك القضايا واستعصاؤها و"صمودها" حتى وقتنا الراهن. لو نُشرت بعض تلك المقالات اليوم من دون تعديل ومن دون الاشارة الى أنها كتبت قبل ما يُقارب القرن من السنين ، فان قارءها لن يلاحظ قدمها أو اختلاف زمنها. كأننا ما زلنا نعيش زمن مي زيادة ، بل ربما نعيش زمنًا أكثر تخلفًا منه، في واحدة من تلك المقالات تندد مي زيادة بجرائم "قتل الشرف" ، وتعلق في المقال على خبرين في أحدهما شاب يقتل أخته ، وفي الثاني امرأة يقتلها اثنان من أقاربها ، لأنها طالبت بنصيبها من الميراث. تقول زيادة عن الخبر الأول ".. هذا الخبر اصبح مع أمثاله من المألوف غير النادر حتى قل من أهتم له اهتمامًا خاصًا.

وقد يكون عند عدد كبير من القراء في مقدمة الاخبار التي لا تستحق أن يُقرأ منها غير العنوان.. ان هيئة القضاء في الغالب تنظر الى هذا النوع من الجرائم بغير العين التي ترى بها جرائم القتل الاخرى. والعقوبة التي توقعها عادة بهؤلاء الجناة عقوبة غير شديدة ، لا تردع ذاكرها عن سفك الدماء والاجهاز على حياة بشرية انما وُجدت وتنفست وعاشت أمام وجه الشمس بسماح الباري جل وعلا .. ولا يسعني الا أن أتساءل كيف يمضي دم انساني هدرًا ، وكيف تجوز سكين انسان على انسان لمجرد أن ذلك أمر داخل في العادات والاصطلاحات ، ثم تأتي هيئة القضاء التي لها القول الفصل في اجراء العدالة ، وكأنها بتواطئها على تخفيف الحكم توافق ضمنا على وقوع الجريمة وكأنها تشجع على استمرار تلك العادة عند أهلها ما دامت لا تسعى جهدها للقضاء عليها.. ما معنى أن يكون في البلد جرائد توقف بعض صحائفها وطائفة من موضوعاتها على خدمة المرأة وانارة المرأة ، ولا تُرسل في مثل هذه الحالة كلمة استياء وشفاعة ودفاع؟ ما معنى أن نكون اليوم هاتفات بتعليم المرأة ، وتحرير المرأة ، وانالة المرأة حقوقها الاجتماعية والأدبية - ولا نذكر الا هذه - فتخبرنا الصحف بأن النساء تذبح ولا نقول للقاتل لقد جئت شيئًا فريا؟" لكن مي زيادة لم تكن متشائمة من وضع المرأة العربية والمصرية في عصرها. بل ربما كان تفاؤلها زائدا فقد كانت تقارن بين جيلها والجيل الذي سبقه ، كما ترد على المتشائمين في مقالة "المرأة المصرية" ، وترى أن تقدم المرأة يحصل باضطراد. فتقول باندفاع تفاؤلي: ".. الفرق بين العهدين كبير ، فقد كان الرجل يومئذ في خمول عيش ، والمرأة في جهل مظلم ، بينما نجد نحن الآن أن عصرنا قائم على نهضات علمية وسياسية ونسوية ، فالرجل في نهضة والمرأة في نهضة.. أما العادات والتقاليد فهذه شجرة قديمة ذبلت أوراقها وذوت غصونها ولم يبق الا أن تهب عليها عاصفة من المدنية الغربية فتقتلعها اقتلاعا وتريحنا من ثمراتها المرة..". تُرى ماذا كانت ستقول زيادة لو علمت أنه بعد مرور قرن تقريبا على كلماتها ما تزال نسب الأمية عند المرأة في بلدان عربية كبرى تتخطى %60 ، وأن العادات والتقاليد التي رأتها زائلة ان هي الا تترسخ وعلى ثمرها المر تتساقط كل عواصف المدنية والتحديث.

وفي مقالة بعنوان "ترقية الشعب" مذيلة بتوقيع مستعار "وفيقة زكريا" نشر في "السياسة الأسبوعية في أكتوبر 1926 ، ويرجح أصفهاني أن كاتبته هي مي زيادة نقرأ هم المرأة مرة أخرى يسيطر على تفكير وقلق الكاتبة. تتحدث أولا عن تقدم الامم واصلاح الشعب لجعله في مستوى أرقى الشعوب حضارة. لكنها ترى أن مرتكز ذلك التقدم هو المرأة: ".. ولكن كل اصلاح وارتقاء لا يقوم على أساس متين تتزعزع أركانه وينهار بنيانه. وما أساس كل اصلاح الا المرأة. فمهما وضع مفكرونا من خطط حكيمة وبرامج صحيحة ليجعلوا من النشء المصري شعبا أرقى علمًا وأخلاقًا فان برامجهم وخططهم لن تثمر الثمرة المطلوبة ما لم يُبدأ بترقية الفتاة وتعليمها تعليمًا صحيحًا ، فهي مديرة المدرسة الأولى وصاحبة البيئة التي سيتكون فيها ذلك النشء والتي لها أعظم الأثر في تقويم اخلاقه ومستقبل حياته". ثم تتناول عدة مظاهر ومواقف ولا تتردد في تسطير آراء لا مواربة فيها منتهية بموقفها من الحجاب ، فتقول مخاطبة المصريات: ".. الحجاب ما أسخفه، وما أتعسنا به، هذا الحجاب الوهمي انبذنه بعيدا فهو لا يحجب وجوها كلا ولا ملامح. انما يحجب عقولا راجحة ونشاطًا فتيًا ونفوسًا وثابة الى العلا ، وان أبيتن الا اسداله فأسدلنه ، وأسدلنه كثيفًا على عهد مضى كانت فيه نساؤنا رمزًا لكل نقيصة من جبن وحياء وهمي وضعف في الارادة والعزيمة ، أنبذنه بعيدًا فهو رمز للحطة والخمول ، انبذنه بعيدا فهو أساس تأخركن وتأخر الشعب معكن ، أنبذنه فهو خليق بالجاهلات المتأخرات لا بالمتعلمات الناهضات. أعلمن أن من الأسباب التي تنلن احترام الرجل اعتمادكن على أنفسكن وعدم احتياجكن اليه في شيء. فاعتمدن على أنفسكن ومقدرتكن في جميع شؤونكن الآن ، وتعلمن مهنة تملن اليها كيما تساعدكن وتمكنكن من الاعتماد على أنفسكن في مستقبل حياتكن فيما ان فقدتن من يعولكن. وأخيرًا لا تتركن كلمة "مستحيل" تصل الى قلوبكن فتخمد فيها شعلة آمالكن. والى الأمام ، الى العمل وعلم مصر أمامكن أرفعنه عاليًا".

معظم ما كتبت مي زيادة بحماس من أجله لم يتحقق ، ومعظم ما كتبت ضده ما زال موجودًا. لكن في كلا الحالتين ما فقدانه هو روح التفاؤل بالتغير ، وروح الحماس المتقدة التي كانت تشتعل بين سطورها. منذ ارهاصات النهضة العربية الأولى وحتى الآن ضاع أزيد من قرن كامل. وفي كثير من المجالات ما زلنا نراوح في مكاننا ، وفي مجالات أخرى نسير بثبات الى الوراء. يقتبس أصفهاني عن أنطوان سعادة ، مؤسس الحزب السوري الاجتماعي القومي ، اعجابه بمي وهو يقول: "لم تنجب سورية في القرون الأخيرة من النساء أديبة كبيرة كماري زيادة ، وأقول بكل تأكيد اني لم أجد فيمن قرأت ولا فيمن حادثت من أدباء سورية ومصر سوى نفر قليل جدا من الأدباء الرجال الذي يضاهونها ثقافة وشعورا وفنا". وهكذا لنا أن نقول عندما نخرج من ظلمات الحاضر الى مستقبل أكثر اشراقًا ، وتبتسم أطياف رواد تلك النهضة المذبوحة ، فلربما عاد "تقدير واكتشاف" البيوتات الذي سكنتها زيادة في الناصرة ، وفي بيروت ، وفي القاهرة ، وتصير متاحف محتفى بها تنبعث فيها تلك الروح الوثابة القديمة ، وربما يقود أحفاد شكيب قبطي أحفادي الى بيت عريق في قلب الناصرة سكنته ذات قرن مي زيادة.

عن موقع الجبهة
20/6/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600