ساراماغو: "أن تقرأ محمود درويش يعني القيام بجولة أليمة على خطى الظلم والعار اللذين كان ضحيتهما الشعب الفلسطيني"

روما - كتب عبد الإله غاوش - خوسيه ساراماغو، أحد أهم الروائيين الذين لا زالوا يبدعون في مجال الرواية حتى هذه اللحظة، فهو لا يزال، رغم سنه المتقدمة، يثري خزانة الرواية العالمية بأعمال تمتاز بعمق الرؤية وجدة الأساليب، بحيث أن الناقد الأميركي الشهير هارولد بلوم اعتبره "الروائي الأكثر موهبة على قيد الحياة"، وأضاف بأن "هذا المعلم هو أحد آخر عمالقة نوع أدبي في طريقه إلى الإنقراض".

ويشار إلى نشاط سراماغو فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي. حيث لا يخفى على الكثيرين الجهد الذي يبذله الروائي البرتغالي في هذا الإطار، خاصة الزيارة الهامة التي قام بها صحبة ثلة من المثقفين، بعضهم حائز على جائزة نوبل مثل وول شوينكا، إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، من أجل مساندة الفلسطينيين في فترة الإجتياح الشاروني الشامل، ثم اللقاء مع الراحلين ياسر عرفات ومحمود درويش، في عز الحصار والدمار والقتل.


الأديب البرتغالي (الأول من اليمين) مع كوكبة من الأدباء مع الرئيس الراحل ياسر عرفات خلال حصار المقاطعة في رام الله، نيسان 2002


وقد ختم سراماغو هذه الزيارة بتصريحاته الشديدة الصراحة والشجاعة بحيث ساوى بين معاناة الفلسطينيين في الضفة والقطاع مع معاناة اليهود في آوشفيتز، وهي تصريحات، تعتبر في عرف الفكر الصهيوني تجديفية، بما أن احتكار الألم والمعاناة أصبح ديانة لا حق لأحد التشكيك فيها أو جعلها موضع نقاش. ثم مقاله المهم الذي يحمل عنوان "من أحجار داوود إلى دبابات جوليات" المنشور في مجلة الكرمل، وفيه يعيد النظر، بشكل ساخر ولاذع، في أسطورة داوود والعملاق الفلسطيني جوليات.

وقال في مقام آخر بأن اليهود لم يعودوا يستحقون تفهم المعاناة التي تكبدوها إبان الهولوكوست. وأن عيشهم في ظل المحرقة وانتظار غفران كل ما يقترفون، بسبب تلك المعاناة، مبالغة في التوقعات. وأضاف أنه ظاهر للعيان أنهم لم يتعلموا أي شيء من آلام آبائهم وأجدادهم.

ولا يُفوّت سراماغو، الحائز على جائزة نوبل سنة 1998، أي فرصة تتاح من أجل التعبير عن آرائه واختلافه خاصة في مجال الإنترنت، ومن الطريف أنه أصبح مدونا في عمر الخامسة والثمانين، سنة 2008، مفتتحا مدونة تحت عنوان "دفاتر سراماغو"، مستوحيا اسمها من عنوان كتابه السير الذاتي "دفاتر لانزاروتي"، اسم إحدى جزر الكناري التي جعلها مقرا لإقامته في السنوات الأخيرة، نتيجة الضغوطات التي تعرض لها في بلاده بعد صدور رواية "الإنجيل حسب المسيح".

وتزخر المدونة بالعديد من الإدراجات التي تتوزع حول اهتمامات عدة منها ماهو أدبي وفني وسياسي، من بينها إدراج ينتقد فيه الرئيس الأميركي السابق وآخر يسخر فيه من بعض آراء رئيس وزراء إيطاليا بيرلوسكوني.

ويهمنا هنا التطرق إلى أحد الإدراجات الأخيرة، ويخصصه للحديث عن علاقته بالشاعر محمود درويش، مشيدا بالراحل الكبير جاعلا إياه في مرتبة الشعراء الكبار أمثال بابلو نيرودا.

ويشير أيضا إلى عزمه على المشاركة في اللقاء الـتأبيني الذي سيقام في رام الله أغسطس/آب القادم، بمناسبة مرور سنة على الرحيل، وفي هذا الإطار يلمح إلى علاقته الشائكة وغير الودية مع الشرطة الإسرائيلية.

محمود درويش

في التاسع من أغسطس/آب القادم سيكون قد مر عام على رحيل محمود درويش، الشاعر الفلسطيني الكبير. لو أن عالمنا كان أكثر حساسية وأكثر ذكاء، لو كان أكثر انتباها للعظمة، التي تكاد تبلغ درجة التنزه لبعض الحيوات التي تعبره، لكان اليوم اسمه معروفا ومحل تقدير، مثلما كان، اسم بابلو نيرودا، خلال حياته.

أشعار درويش متجذرة في الحياة، في عذابات الشعب الفلسطيني وآماله الخالدة، ولها جمال شكلي يلامس، في أغلب الأحيان، سموا معجزا مع بساطة في الكلمات، إنها مثل يوميات تسجل، خطوة خطوة، دمعة دمعة، الكوارث، ولكن أيضا أشكال الحرمان، علاوة على الأفراح العميقة، لشعب، رغم مرور ستين عاما، لا يبدو أن ثمة استعدادا للإعلان عن نهاية لآلامه.

أن تقرأ محمود درويش ـ بالإضافة إلى أن ذلك يمثل تجربة جمالية من المستحيل نسيانها ـ يعني القيام بجولة أليمة على خطى الظلم والعار اللذين كان ضحيتهما الشعب الفلسطيني على يد إسرائيل، هذا الجلاد الذي قال عنه الكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان، في لحظة صدق، أنه لا يعرف الرحمة.

اليوم، في المكتبة، قرأت بعض أشعار محمود درويش وذلك من أجل إنجاز شريط وثائقي سيتم عرضه في رام الله بمناسبة الذكرى السنوية لوفاته. لقد دعوني لكي أذهب إلى هناك، سنرى إذا كان ممكنا القيام بهذا السفر، الذي لن يكون، بكل تأكيد، محل ترحيب من طرف البوليس الإسرائيلي.

أحب أن أذكّر، بالعناق الأخوي الذي تبادلناه، أنا ومحمود درويش، في ذلك المكان بالذات، قبل ست سنوات، والكلمات التي توجهنا بها لبعضنا والتي لن يكون بإمكاننا العودة إلى تبادلها. في بعض الأحيان تنتزع منك الحياة بيد ما تمنحك إياه باليد الأخرى. هذا ما حصل لي مع محمود درويش.

خوسيه ساراماغو

13/6/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600