رحيل "صاحب الأنامل الذهبية" عبود عبد العال

هكذا رحل عبود عبد العال، أحد رموز الموسيقى العربية وأحد اهم عازفي الكمان الشرقي، عن 74 عاماً قضى اكثر من العقدين الاخيرين منها في الغربة، في مدينة الضباب، لندن، بعيداً عن أرضه وأهله وملاعب طفولته، مثل غيره من المبدعين العرب، الذين قلما يموتون اليوم في احضان بلادهم، فهي تلفظهم في عز عطائهم ليموتوا غرباء.

عبود عبد العال رحلّته الحرب اللبنانية في السبعينات، بعد أن كان اسمه والكمان الشرقي صنوين، ترتفع انغامهما في سماء الاغنية والموسيقى العربية وله انتاجات ومعزوفات جعلت للأغنية طعماً آخر حين كان يعيد غناء اي اغنية معروفة، لكن عبر كمنجته التي كانت تغني عوضاً عن المغني، بل واجمل احياناً ما جعل الموسيقار الكبير الراحل محمد عبد الوهاب يوقع معه عقداً على إعادة توزيع العديد من أغنياته عزفاً على الكمان.

حاول عبود العودة الى لبنان او حتى الى اي بلد عربي آخر في مراحل عدة وبعد سنوات مضنية من الغربة لكنه كان دائماً يصطدم بحواجز وتغيرات تجعله يدير ظهره للوطن ويعود إلى غربته مجبراً، لكنه طالما اعتبر إن الوطن لا يغيب مهما طال الزمن، وله مقولة: "..الغرب يبحث عن المواهب ونحن نسحب منها رخصة المرور".

عبود من عائلة موسيقية، والده كان عازفاً على القانون، شقيقه كان استاذاً للموشحات وعازفاً على آلة "الرق". وهو اختار الة الكمان واسس فرقة "الاوتار الذهبية" وحين يتذكر عبود تلك البداية ترتسم بسمة على وجهه، تلك التي باتت سمة ترسم ملامح وجهه البشوش ولم تفارقه او تفارق مخيلتنا رغم غيابه الطويل.

بدايته الفنية بدأت ـ حسب قوله ـ مع هدية والده له وهي الكمنجة الصغيرة في عيد ميلاده السابع ثم ارسله لدراسة مبادئ الموسيقى الغربية على يد استاذ روسي، وكان في العاشرة، اصغر عازف في اذاعة القدس.

في بداية الستينيات برز اسم عبد العال مع بداية التلفزيون اللبناني حين كان يطل مساء كل يوم حاملاً كمانه بين يديه ويهمس للمشاهدين على اوتاره بحنان وطرب او بصخب يجعل القلوب تتراقص.

طارت شهرة عبود في البلدان العربية التي استضافته في محطاتها المتلفزة مثل الكويت والجزائر والعراق وابو ظبي وتونس وغيرها. وعندما انتقل الى لندن وجد أن سحر انامله كان طغى على الاسماع وسبق حضوره شهرة.

عن تلك المرحلة قال عبد العال في مقابلة له إبان الثمانينات:
ـ في الماضي كانت الفرقة تقدم الالحان الشائعة من سماعيات وبشارف وموشحات ثم بدأت الفرقة تلتقط الالحان التي قدمها كل من محمد عبد الوهاب والسنباطي وبليغ حمدي لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وتم تقديمها بتوزيع جديد استقطب اسماع الناس حيث كانت الكمنجة بين أناملي تتخذ مكان السيدة ام كلثوم في الطرب.

كان في غربته يهتم بجذب المستمع الغربي قدر اهتمامه بجذب المستمع العربي، المغترب. فحاول ابان التسعينيات ان يقدم موسيقى عربية للمستمع الاوروبي والعربي معاً، على قوله، لتغطية مساحة زمنية وجغرافية واسعة. فكان اصداره لشرائط تضم موسيقى عربية في توزيعات حديثة يعتمد فيها على تملكه من العزف الفائق على آلة الكمان مستفيداً منها للامتداد إلى الآلات الالكترونية التي تضم كل متطلبات الموسيقى العربية حتى ربع الصوت. رغم عدم احتوائها على الحس الإنساني في العزف الحي للأنامل.

كان يقول: الانكليز يستعيدونه حينما يقدم معزوفة "الربيع" لفريد الاطرش في وصلاته الحية، بل إنه يذكر أن المشترين لشريطه من الانكليز لا يقلون عن العرب.

قد تكون جرأة عبد العال في الاستفادة من التقنيات سبقت وصولها إلى العالم العربي بحكم وجوده في الغرب، ما اثار حفيظة بعض الموسيقيين ممن لم يعتادوا على اختراقها للتقاليد الموسيقية العربية بعد. لكنها يمكن ان تبقى للاجيال المقبلة وتعيش لعدة حقب قادمة.

اليوم نجد الاجيال تتداول أعمال الراحل عبود عبد العال عبر المواقع الالكترونية الكثيرة، فيمكننا ان نرى مشاهد من تلفزيونات عربية عدة حتى من ايام الاسود والابيض تبث موسيقاه ويعلق عليها الشباب العاشق لفنه وانامله وتعابير التقدير له فمثلاً نشاهد تقاسيم مع عزف مقطوعة "سماعي العريان" الشهيرة، ومقتطفات من "إنت عمري"، "سيرة الحب"، "الف ليلة وليلة"، "أنا في انتظارك"، "إسأل روحك"، "أغداً ألقاك"، "دارت الايام"، "حا أقابله بكرا"، "الورد جميل" و "الاطلال". وغيرها الكثير.

ومن ابدع ما سطرته انامله نستمع ونشاهد مقطوعة من العام 1975 يبدأ فيها عزف موشح "لما بدا يتثنى" مع غيتار وإيقاع ثم تقاسيم على المقام نفسه "النهاوند" وينتقل بخفة الى السيكاه ويعرج بشفافية على الحجاز ثم البيات ثم الراست وبنقرات يعود الى مقام النهاوند. ملك السلطنة والاحساس العالي خسارة أخرى في عالم الموسيقى الشرقية.

عبود ومحمد عبد الوهاب
ويقول عبود عن الامر بأنه دفع محمد عبد الوهاب للتصريح: "...ان الكمنجة تغني بين انامل عبود". وقد اصابت هذه الطريقة المحدثة في التوزيع الآلي شهرة ونجاحاً دفعت النقاد ومتذوقي الفن لتسميتي (مشكورين) بـ "صاحب الأنامل الذهبية".

وكلما تذكر عبود تلك المرحلة يكتنفه الكثير من الأسى، ففي حوار سريع معه على صفحات مجلة "فن" التي كانت تصدر اسبوعياً في لبنان، حاول انهاء الجدل والاتهامات حول إعادته توزيع اغنيات عبد الوهاب، والتي وصفها البعض بالتشويه. وقال آنذاك: "...ان توزيعاتي لأعمال الاستاذ عبد الوهاب أعادت روح الماضي الجميل، والبعض اتهم عبود بأنه قام بالأمر من دون علم عبد الوهاب ثم بعدها قام بعرضها عليه. لكن الحقيقة انني نلت موافقة الاستاذ قبل أن أبدأ بالعملية، ومنحني موافقة خطية من الاستاذ عبد الوهاب على كل الاعمال التي صدرت بتوزيعي والاعمال التي لم توزع بعد. ولكني لن اقترب من اعمال الاستاذ عبد الوهاب بعد الذي قرأته على ألسنة اهل الموسيقى والتلحين. لقد أردت لهذه الاعمال أن تعبر القارات عبر توزيعاتي لكنهم يريدون لها ان تبقى على ظهر جمل، هم احرار.".

ولكنه كان يعتبر الضجة التي اثيرت حول اعادة توزيعه لبعض اعمال عبد الوهاب، امراً طبيعياً، لانه لو مر مرور الكرام ولم يسمع به احد او ينتقده او يتناوله بالآراء لكان الفن وصل الى طريق مسدود ومرحلة اللاعودة، ولكانت الصحافة الفنية هي الاخرى عليها السلام، اذا لم تناقش قضية متعلقة بفن الاستاذ عبد الوهاب وابداعه فماذا ستناقش اذن؟

ورأى ان وراء بعض الانتقادات غيرة متحكمة باصحابها فيما عدا رأي واحد هو للملحن الكبير حلمي بكر الذي قال كلاماً جميلاً وعقلانياً، ورؤيته كانت انضج الرؤى التي قيلت. الغريب إن الجميع في القاهرة غضب مني في حين كان صاحب الاعمال الاستاذ عبد الوهاب سعيداً جداً. كان سعيداً بالتجربة سعادة لا حدود لها ولدي تكليف كتابي منه وعليه توقيعه يسمح لي بخوض التجربة بيني وبين شركته عقد احتكار لمدة عامين... وللعلم قمت بعمل اكثر من توزيع للحن الواحد وقام الاستاذ باختيار احدها بعد سماعها عشرات المرات، فهل نشكك بأذن الهرم الموسيقي الكبير.

أما عبد الوهاب فكان يقول لعبود اثناء جلسات العمل كلما رآني قلقاً متوتراً خائفاً مهموماً "...يا عبود اعمل عملك بجدية وحب ثم ألقه في احضان الجماهير وسوف تعرف الجماهير بحاستها الانسانية التي لا تخطئ ان عملك هذا صادق وعلى الفور سوف تحبه". ويقول عبود اعرف ان الجماهير احبت العمل وصدقته على الرغم من تحفظ الموسيقيين والفنانين.. وهم يريدون ان يكون للفن وجه واحد.

لكن في الوقت نفسه فإن عبود عبد العال كان حزيناً للطريقة التي تم اصدار الاشرطة بها ستة أشرطة كاسيت دفعة واحدة بلا دعاية وفي الوقت نفسه، الامر الذي لم يحدث من قبل. ولم يتم الاتفاق على ذلك اذ كان الاتفاق ان تنزل الاصدارات على دفعات لكن حقي ذهب هدراً.

وتابع عبود في اللقاء: " أين حقي انا.. لقد أخذت مائة الف دولار واقسم بالله ان ذلك كان اجرة الاستديو والموسيقيين فقط ولم يدخل جيبي دولار واحد. ولم تكن المادة همي قدر اهتمامي بحقي المعنوي.. فاسمي غير موجود على أغلفة الاشرطة، فقط الموجود صورة جميلة لعبد الوهاب واسمه وعنوان الشريط وكان "خالدات عبد الوهاب بتوزيع جديد". عظيم لكن من الذي وزعها؟ اين اسمه؟ أين صورته؟ من هو؟

محمد الموجي
أما عن محمد الموجي، فقال عبود: "لم أعرض على الموجي إعادة توزيع ألحانه لعبد الحليم حافظ بل الموجي هو الذي طلب مني هذا. وانا الذي قلت له أفكر. وليس هو. لأنني كنت مرتبطاً بعقد احتكار مع شركة "صوت الفن" يمنعني من التعاون مع جهة اخرى والعمل معها وهذا العقد ينتهي في آب عام 1994..".

عبود وعبد الحليم حافظ
زيارته الاولى لمصر عام 1954، ترتبط بلقائه الاول بالراحل عبد الحليم حافظ، وكان عبد العال يحاجة كي يعيش المناخ الفني الغني الذي عرفت به القاهرة. وقال بأنه بدأ العمل في فرقة "السيد محمد" التي كانت معروفة آنذاك، لكن الغيرة دبت في اعضاء الفرقة من زملائي عازفي الكمان، فحزنت لتصرفاتهم ونشرت أحزاني أمام الفنان عبد الحليم حافظ الذي نصحني بالصبر والحكمة فعملت بهما ورافقته في حفلات عدة أقامها على مسارح مختلفة قدم خلالها أغانيه الجديدة "بتلوموني ليه"، "على قد الشوق" و"صافيني مرة" وغيرها.

وأضاف عبود: "...عندما تأزمت أحوالي النفسية وللأسباب نفسها قررت ترك القاهرة فجاءني عبد الحليم وقال لي مشجعاً: "اصبر يا أخي، طريقنا شاق طويل وخليك معانا يا رجل". لكنني كنت قد صممت على الرحيل وعندما عدت إلى القاهرة عام 1967 وجدت الأمر قد تغير كثيراً، حيث استقبلت من كافة الأوساط الفنية والشعبية بحرارة وحب...".

..وفريد الاطرش
رافق عبود عبد العال خلال حياته الفنية الطويلة مع فرقته غالبية الفنانين الراحلين في الوطن العربي، فهو يصف فريد الأطرش بصاحب القلب الطيب والكرم الفياض. ويقوله بأن فريد كان إنساناً لم تهمه ماديات الحياة، كان يعيش بإحساسه وعواطفه. يحب عمله ويفرح لنجاحات الآخرين ويكره الحروب الباردة التي يشنها كبار الفنانين على المبتدئين... واعتبره أخاً وصديقاً للجميع. وكان مستقلاً في لونه، قلده كثيرون كما قلدوا الفنان عبد الحليم وفشلوا جميعهم لأن الفن لا يورث.

..وأم كلثوم
وحول عدم لقاء كمنجة عبود بفن ام كلثوم وروائعها يسرد عبود ذكرياته قائلاً:
ـ لهذا الموضوع قصة.. جاءني بليغ حمدي في احدى المرات الى بيروت وطلب مني تأدية "صولو" في احدى أغنيات السيدة ام كلثم لإيمانه بأني الوحيد القادر على تأديته ببراعة وحس كما رسمه لي في لحنه. ووافقت دون تردد، لكنني فوجئت حين سمعت الأغنية بأن "احمد الحفناوي" قد ادى ذاك الصولو بكمانه، واستفسرت عن السبب فأجابني بليغ حمدي بأن الموسيقيين رفضوا أن يؤديه غريب عن الفرقة...".

آراء عبود بعازفين ومطربين
في الثمانيات صرح لاحدى المجلات ببعض آرائه بعازفين ومطربين بجرأة وصراحة. فقال عن عازف الكمان المصري أحمد الحفناوي، يقول عبود: إنه عازف عظيم...لكنه عازف شرقي فقط. ولديه "معزوفات منفردة حلوة جداً. وعن أنور منسى يقول: لقد كان العازف والسوليست الأول في عصره. وهذا يعود لثقافته الموسيقية الغربية. كان متمكناً من نفسه وواثقاً من قبضته على قوس الكمان.

ويقول: تعجبني صباح لشياكتها وأدائها. وفيروز لرقتها واحساسها بجميع الجمل الموسيقية بحيث تفسح المجال امام عازف الصولو لتأدية جملة موسيقية جديدة خطرت على احساسه. وكذلك الامر مع وردة التي تدفع العازف الى السلطنة مع الكمان ومع افراد الفرقة الموسيقية.

وعن فايزة احمد قال: أحب صوتها لكنها لا تتمتع بأخلاقيات الفنان على المسرح فهي تحاول أن تعلن للنظارة فهمها للموسيقى وغباء الموسيقيين.

اما وديع الصافي (وهذا الرأي في الثمانينات من القرن الماضي) فهو صوت عظيم بحاجة إلى تجديد في اللون الذي يؤديه.

عن موقع عرب 48
24/4/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600