محمود درويش في عيده الثامن والستين.. سيد الحكاية - صقر ابو فخر



أودُّ أن أعتذر سلفاً في ما لو أثرت نقمة البعض جراء ما سأقول، لأنني سأعترف، الآن هنا، في يوم ميلاد محمود درويش، بأنني، في احدى الليالي، أوقعت الرعب في أوصاله، وهددته بالاعتقال في أحد الأيام، وجعلته يشقع الشتيمة فوق الشتيمة بحق أحد الوزراء اللبنانيين. أما الحكاية فهاكم تفصيلاتها.

*العنصري*

في سنة 1995 حينما قررت الحكومة الليبية إرسال الفلسطينيين المقيمين في أراضيها الى بلدانهم، ومنهم فلسطينيو لبنان، تحمست الحكومة اللبنانية آنذاك، وبادرت الى فرض التأشيرة حتى على الفلسطيني العائد الذي يحمل وثيقة سفر لبنانية. وتنطح أحد الوزراء العنصريين من أصحاب المقالع الى القول: إن لبنان ليس مكباً للنفايات البشرية. قلت للأستاذ طلال سلمان على الفور: سأفعل كذا وكذا بهذا الوزير العنصري. فقال لي: لا، افعل به كيت وكيت. وكتبت مقالة «وافية» لم أكن لأتوقع ان تحظى بذلك الشيوع، فقد وُزعت في مخيمات لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية كمنشور سياسي، وقرأها ياسر عرفات في رام الله وأمر بنشرها في جميع وسائل الاعلام الفلسطينية، ونُشرت هنا وهناك مرات كثيرة.

وفي سنة 2001 أقام رياض نجيب الريس حفل استقبال لمحمود درويش في فندق البريستول تخلله توقيع أحد دواوينه. وبينما كنت الى جانب محمود، إذا بهذا الوزير الكاسر يطل على القاعة. فلم أتمالك نفسي من «التشقيع» رشاً ودراكاً، فالتفت إليّ محمود قائلاً: مالك؟ شو صابك؟ شو في؟ وما هي إلا ثوان حتى صار هذا الوزير أمامنا، فما كان مني إلا ان أدرت ظهري. لكنني سمعت هذا الوزير يقدم نفسه الى محمود بأدب قائلاً له انه يتشرف بمعرفته وهو سعيد بلقائه، وما الى ذلك من نفاق. ثم وقّع محمود ديوانه للوزير وانصرف. عند ذلك التفت إليّ محمود مجدداً ليقول: مالك يا خوي، شو ركبك عفريت؟ فشرحت له الأمر، وان هذا هو الوزير الذي وصف الفلسطينيين بالنفايات. فغضب محمود جداً، وقال لي: لماذا لم تخبرني بذلك قبل ان أوقع له الديوان؟ فأجبته: ما لحّقت. بضع ثوان ووصل اليك. وظل محمود غاضباً في تلك الليلة، كيف انه خط بيمينه توقيعاً لوزير من هذه النمرة، وراح بدوره يشقع الشتائم لهذا الوزير ويقول لي: لن أسامحك على ما فعلت... وأنا اليوم لا أسامحه على ما فعل بنا في غيابه المؤلم والفاجع معاً.

*التهديد بالاعتقال*
أما كيف هددته بالاعتقال، فدونكم ما يلي: كنت أجريت حوارات عدة مطوّلة في أواخر الألفية الثانية مع قسطنطين زريق وهشام شرابي ونقولا زيادة، ثم أصدرت ثلاثة حوارات أخرى في كتب مستقلة، وهي حواراتي مع صادق جلال العظم وأدونيس وكريم مروة. وكنت أتطلع بشغف الى اجراء حوار مع محمود درويش. ولم تسنح الفرصة قط. كان يأتي الى بيروت لأيام معدودة، ويقول لي: كما ترى. انني لا أستطيع ان أخلو بنفسي نصف ساعة، فكيف سننجز حواراً يستغرق أربعة او خمسة أيام؟ ونتفق على موعد في عمّان. لكن ما إن يصبح محمود في عمان حتى ينسى الموعد، او يسافر الى رام الله، او الى بلاد العرب السعيدة... وهكذا. ومرة، أجرت الزميلة سامية عيسى حواراً صحافياً معي (مجلة «كل الأسرة»، 13/2/2002)، وسألتني عن هذا الحوار المرتقب، فأجبتها بأنه لم يبقَ لي إلا ان اعتقل محمود درويش كي أتمكن من إنجاز هذا الحوار بالقوة. وأرسلت النص إليه في عمان. وفي ما بعد، حينما جاء الى بيروت، التقيته، فبادرني بفكاهته الحادة: ها إنني هنا. اعتقلني إن استطعت. هل ما زلت تعتقد حقاً ان «أبو حميد» جاهز ليعتقل لك من تشاء؟

الآن، بعدما مضى محمود، تمكنت من تنفيذ تهديدي: ها إنني أعتقله، بلوعة، تحت جفني كحلم لا ينتهي.

*الليلة الراعبة*

في خريف 1972 على الأرجح، كنت عائداً على الأقدام مع رفيق لي من الروشة باتجاه الحمراء بعد منتصف ليل هادئ جداً. كنا طلاباً، والمشي يقتصد في النفقات. وفي المسافة بين «بيلا نابولي» وكراكاس سمعنا خلفنا وقع أقدام. فالتفتُّ، وشاهدتُ محمود درويش. عرفته من نحو مئة متر. فقد كنا نعرف صورته ونطارد أمسياته هنا وهناك، ونتبارك به كقديس او ولي، وكان معبودنا الشعري. فانتحيت ورفيقي جانب الطريق ووقفنا ننتظر محمود درويش. وحينما وصل بالقرب منا تقدمت إليه في ذلك الليل الهادئ وقلت له: مرحبا أستاذ محمود. فأجابني بسرعة وارتباك وربما بوجل: أهلاً. فعرّفته الى اسمي واسم رفيقي ثم سرنا معه حتى كراكاس. وحينما أراد ان نفترق، سلمت عليه مودعاً، فقال لي في تلك اللحظة: اسمع! لقد جعلت جلدي يرتعش، وقلبي يخفق جزعاً. لقد رأيت أمامي في هذا الليل اثنين يلتفتان نحوي فجأة، ثم يتهامسان، ثم يقفان الى جانب الطريق، فخفت. وترددت بين متابعة السير او التراجع، لكنني، على الرغم من خوفي، أقدمت إقدام من لا خيار له. فخجلت منه لأنني أوقعت الرعب في قدميه، ولا سيما ان إسرائيل كانت تلعب آنذاك في الملعب اللبناني كما تشاء، فتغتال غسان كنفاني وتحاول اغتيال أنيس صايغ وبسام أبو شريف وغيرهما.

هكذا عاش محمود درويش: مغامراً، شجاعاً، لكن بقلب راعش.

*الساخر المتبرّم*

يعرف كثيرون ان محمود درويش كان ساخراً ولاذعاً في سخريته، مع انه تبدل كثيراً بعد جراحته الأولى، وصار أقل وخزاً مما كان عليه في المرحلة البيروتية (1972 ـ 1982). وقد هاتف رياض نجيب الريس مرة ليخبره ان عدداً من الأشخاص اتصلوا به يريدون ان يستأجروا منه بعض المحال في الساحة التي أُطلق اسمه عليها في رام الله في حزيران 2008... هذه كانت مداعبة لطيفة، لكنه، في إحدى المرات في منزل صادق جلال العظم في شارع بلس، وبينما كان الجميع منهمكا في مناقشات حامية وجدية وعالية الصوت، لفتتني فوز طوقان، زوجة صادق العظم، بالقول: انظر الى محمود ماذا يفعل. وحينما نظرت إليه وجدت انه كان يقلِّب صفحات احدى المجلات الفنية، ويتوفر بانتباه شديد على بعض مقالاتها، كأنه يهزأ بنقاشات الحاضرين. إنها نزعته الواخزة حينما تتبرم روحه من المجادلات العامة، ويريد ان يعبر عن تأففه ونزوعه الى المشاكسة.

*أراد تغيير اسمه*

بعد اتفاق أوسلو في سنة 1993، ومع ان محمود درويش لم يكن متفقاً مع إعلان المبادئ هذا، إلا ان البعض من ذوي الذائقة الشعرية الهابطة والخيال السقيم، نسب إليه قصيده تافهة بعنوان «سلطة الذات» ونشرها في جريدة «الشرق» البيروتية (6/7/1995). فأرسلت إليه في باريس القصيدة المزيفة، واقترحت عليه ان أُصدر تكذيباً لمن فبرك او نشر هذه القصيدة المريضة. فأجابني برسالة فاكسية بأنه «يفكر في تغيير اسمه إذا كان ذلك الوسيلة الوحيدة لوضع حد للتزييف». ولم يرتدع هؤلاء المزيِّفون، بل أعادوا طباعة هذه القصيدة على أوراق وراحوا يوزعونها كالمنشور السياسي. أما الحاسدون فهم كثر؛ فقد تفوه أحد الشعراء الفلسطينيين فور وفاة محمود درويش بالعبارة التالية: «الآن، تخلصنا من سطوة القصيدة الدرويشية». وتحديته ان يكتب هذا الكلام، فخاف عاقبة أقواله. وهددته بأنني سأنقل عنه هذا الرأي وبالاسم الصريح، فترجّاني ألا أفعل. لكن، ها أنا الآن أروي الواقعة من غير ان أنسبها الى صاحبها باسمه الصريح، وإنما المجالس أمانات، إلا من كان فاسقاً، فلا غيبة على فاسق.

*الانحطاط العميم*

فُجعت إحدى الكاتبات اللبنانيات بموت محمود درويش، فدبّجت مقالة في «النهار» (13/8/2008) تلوّعت فيها وتلوت على محمود، ونسيت أنها كانت قد كتبت مقالة تافهة عنه في «الكفاح العربي» (28/6/1997) بعنوان «محمود درويش بطل إسرائيلي»، أودعت فيها بلاهات جمّة وافتراءات جاهلة وغبية. وفي هذا الحقل من الانحطاط تبارى كثيرون من ذوي العاهات العقلية في شتم محمود درويش فور وفاته، مثل «شبكة فلسطين للحوار» و«الجزيرة توك» التي قاء القائمون عليهما نفايات شتى على غرارهم. ومن مساخر الجهالة ان عبد الرحمن الجميعان وجد ان محمود درويش كافر وعضو في الكنيست الإسرائيلي (جريدة «النهار» الكويتية، 13/8/2008). واستنكر أحمد البغدادي مبادرة رابطة الأدباء في الكويت الى تأبين محمود درويش؛ فالبغدادي ما برح كارهاً للفلسطينيين منذ ان تحول من ليبرالي الى «كاتب بلدي» (انظر: جريدة «السياسة» الكويتية، 15/10/2008). أما عدنان رضا النحوي، وهو سعودي من أصل سوري (أَنعم وأكرِم)، فقد وصف شعر محمود درويش بـ«الكلمات الشيطانية»، وأن مراسم تشييعه كانت جزءاً من مسلسل الانحراف عن الطريق القويم. والكارثة البشرية تجلت في أحط مظاهرها في ما يكتبه عبد الكريم الأسعد في جريدة أحمد الجار الله (اقرأ: أحمد أجارك الله). وهذا الذي يدعي انه فلسطيني ومن مؤسسي حركة فتح (وهو كاذب بالتأكيد) لم يتورع عن التشفي بمحمود درويش بقوله: «نمْ باكي العين في مستقرك المطل على الجحيم» (جريدة «السياسة» الكويتية، 22/9/2008). وتلك مجرد أمثلة أولية على الغثاثة والرثاثة والسقم.

كانت فلسطين لدى محمود درويش «سيدة الأرض». وكان لا بد من آلام كثيرة وتجارب حارقة واختبارات مضنية، ليكتشف الفلسطينيون انهم ليسوا ملائكة (محمود درويش في كتابه «أثر الفراشة»). غير ان الفلسطينيين ليسوا شياطين كلهم، مع ان الشياطين والعفاريت والأبالسة بينهم كثيرون جداً، وهم من العيارات الهابطة التي ذكرنا بعض طُرُزِها. لكن، ما لم يكتشفه الفلسطينيون، إلا أقلهم، ان «نبياً» للتيه كان بينهم ولم يعرفوه، فرحل. لكن هذا الراحل ما انفك يتجدد دائماً في شفاهنا وبين اصابعنا مع كل ربيع وفي كل آن.

وُلد محمود درويش في 13/3/1941 في قرية البروة.


3/4/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600