حسن البحيري عائد إلى حيفا - بقلم: جوني منصور

يعود بنا التاريخ الخاص بالمدن الفلسطينية لنستكشف خبايا شعراءها وادباءها. وفي هذه المقالة رحلتنا مع شاعر فلسطيني حيفاوي مرهف الحس. ولد في حي وادي النسناس وعاش شبابه الأول في حيفا. وتعرّض مع معظم أبناء مدينته إلى جرح النكبة عام 1948، ولم يحظَ بالعودة إلى مدينته التي أحب، إذ رحل عن هذه الفانية في 25 تشرين الأول عام 1998. إلا أننا وفاءً لهذا الراحل سنعيده نحن إلى مدينته حيفا. ألا يحق لنا أن نعيد من نحب ونحترم إلى مواطنهم الأولى؟

يعود بنا التاريخ وفي هذا اليوم بشكل حصري إلى شاعر فلسطيني مرهف الحس، ولد وعاش شبابه الأول في حيفا. وتعرّض مع معظم أبناء مدينته إلى جرح النكبة عام 1948، ولم يحظ بالعودة إلى مدينته التي أحب، إذ رحل عن هذه الفانية في 25 تشرين الأول عام 1998.



حسن البحيري
إلا أننا وفاء لهذا الراحل سنعيده نحن إلى مدينة حيفا. ألا يحق لنا أن نُعيد من نحب ونحترم إلى مواطنهم الأولى؟! وهذا ما سنفعله في هذه المقالة الموجزة، علنا بذلك نفي حقا للشاعر حسن البحيري، ابن مدينتنا.

  • شاعر لعائلة فقيرة
    ولد حسن البحيري لأبوين فقيرين كانا يسكنان في حي وادي النسناس بحيفا في عام 1919 (ويقال في 1918). إلا أن والده توفى قبل أن يرى النور فسُمي باسمه. ولم تعرف الأم آمنة أبو هواش التدبر في أمور الحياة، فاتصلت بأهل زوجها في قرية الطيرة، إلا أنهم وهم فقراء أيضا لم يمدوا لها يد العون، والحالة العامة في فلسطين في ذلك الزمان صعبة للغاية، إذ كانت البلاد قد خرجت لتوِّها من آثار الحرب العالمية الأولى، ومن تحت الحكم التركي، لتقع تحت حكم الانكليز. فتعرفت على حوذي (سائق عربة بغال) حاد المزاج، فتزوجته. وتعامل الزوج بقسوة مع حسن البحيري، علمًا أن زوجته "آمنة" قد أنجبت له عددا من الأطفال. وحاولت الأم استرضاء زوجها ليسمح لحسن باللعب والنوم مع أطفاله إلا أنه رفض، فاضطر حسن للمبيت في اصطبل الدواب. وعمل في عدة أشغال قاسية وصعبة، منها العتالة. ولما اشتدت قسوة زوج الأم أخذته أمه إلى ملجأ الأيتام في حيفا وتلقى دروسه الإبتدائية فيه. وتابع دراسته في المدرسة الاسلامية بحيفا على يد الأستاذ عارف حجازي ومدير المدرسة الأستاذ والكاتب سعيد الصباغ.

    وتوفى زوج أمه فجأة فكان عليه أن يعمل ليعيل نفسه وأمه وإخوته. فوجد عملا في محطة سكة حديد الحجاز في حيفا، وهي المحطة الشرقية الواقعة بالقرب من حي وادي الصليب. وعمل في تنظيف القطارات ثم في دائرة التوظيف التابعة لمصلحة القطارات.

    وبالرغم من قسوة الحياة وشظف العيش إلا أن شاعريته تشكلت وتبلورت جرّاء هذه القسوة، ومن أمر آخر ألا وهو حبه لمدينة حيفا.

  • قلبه بين فتاة أحلامه وحيفا المدينة
    بدأ حسن البحيري يكون ذاته ليس فقط ماديا إنما شاعريا. فبعدما لوّعت قلبه فتاة حيفاوية قال فيها أعذب الشعر وأجمله، انطلق إلى حبه الثاني "حيفا" حيث قال فيها أروع القصائد المفعمة بالحب والعاطفة مستلهما صور المدينة والمناطق المجاورة لها لتكون مصدر إلهام وتوجيه في وضع قصائده. فحيفا هذه ليست مدينة عادية، إنما هوية وارتباط ابدي لا يستطيع ساكنها أن يفك خيوطه. لهذا "أحب البحيري حيفا فاتخذ منها أُمًّا، وأحب الكرمل فاتخذ منه أبًا. وأحب السماء فاتخذ منها سقفا لبيته تحت النجوم، يُناغيه، ويُناجيه... فلا عجبَ أن يُقبلَ البحيري على التجول في الجبل، فهو صديقُ الحساسين وحبيبُ الشحارير وزميلُ الوروار. إنه واحدٌ من أُسرةِ الجبل، وأبنائه، وأهله.

    له في وادي "العُشّاق" و "وادي السّيّاح" و "وادي الجمال" المنسربة من منعطفات جبل الكرمل إلى "سهل الهَزَار"، و"الشاطئ الأزرق" و "شاطئ الزورا"، وله عند قرية "الكبابير" و "دير مار الياس" و "مقام الخضر" على رأس الكرمل الملتفت أبدا إلى غروب الشمس في الأفق الواسع للبحر الأبيض المتوسط... له في هذه القمم المُطرزة بالزهر والشجر وفي هذه السفوح الغارقة بشلالات العطر والنور ... له فيها جميعا مخابئ يأوي إليها: يقرأ كتابا أو يستظهر قصيدة، أو يُغنّي نشيدًا، أو يتابع الشمس عند المغيب وهي تنغرس بالبحر في صدرِ الأفق، ليبتلعها المجهول شيئا فشيئا".

  • البحيري متأثرا بأحداث الثورة الفلسطينية
    تعرّف البحيري في سنٍ مبكرة إلى مجموعة من الثوار منهم جماعة عز الدين القسام والثائر الشاعر عبد الرحيم محمود، وأدرك عملهم الثوري وأهميته في إنقاذ الوطن وأرضه. وساهم في أحداث الـ 1948 في مقاومة الانكليز والعصابات اليهودية التي وضعت خطة للهجوم على الأحياء العربية في حيفا وتصفيتها من سكانها استعدادا لتفريغ المدينة من العرب و"تطهيرها" (بمصطلحاتهم) من الأعداء. ووضع كمية من المتفجرات عند أحد خطوط السكة مقابل المطاحن الكبرى حيث انفجرت وأحدثت خرابا ودمارا كبيرين.

    وتابع البحيري نضاله وكفاحه من أجل مدينته غير منتم إلى حزب أو فصيل سياسي أو عسكري، إنما لمدينته.

  • التهجير القسري يلقي بظلاله القاسية على البحيري
    كتب البحيري:" يوم غادرت مسقط رأسي مدينتي الحبيبة "حيفا" بعد ظهر الخميس في 23 نيسان عام 1948 لم يكن ليمُرَّ في خيالي أني أغادرها إلى غير رجعة... فلقد ركبتُ البحرَ إلى عكا على أن أُمضي فيها ليلتي، ثم أعودُ بعد أن يخف جحيم الموت... ولكن :
    يا لدار صحبت فيها الأماني               ولبست الشبـاب بردا قشيبـا
    ورأيـت الـحياة أول فجـر              ضاء من خاطري فضاء رهيبا
    لم يطعني الفؤاد بالبعد عنها              يوم أزمعت عن حماها الركوبا
    فجفاني، وظل فيها مقيمـا              يكـمل العمـر حسرة ووجيبا

  • ثلاثة دواوين شعرية قبل النكبة وعشر بعدها
    بالرغم من يفاعته وضنك العيش إلا أن شاعرنا تمكن بجهده ومالِهِِ من إصدار ثلاثة دواوين شعرية قبل وقوع النكبة، وهي "الأصائل والأسحار"(1943)، و "أفراح الربيع"(1944)، و "ابتسام الضحى"(1946). ثم أصدر في دمشق حيث لجأ عشر مجموعات شعرية بين 1973 و 1997. إضافة إلى ترجمة عن الانجليزية لكتاب للأديب وايلد، ورواية بعنوان "رجاء".

  • من حيفا إلى دمشق
    جاء البحيري إلى دمشق وفي جعبته ثلاثة دواوين من الشعر الرائع الذي تغنى فيها بطبيعة حيفا وبطولات فلسطين وثوارها الهائمين بحبها، وكأن الغربة لفته بكآبتها ردحا من الزمن، فسكتَ عن قول الشعر إلى أن استجمعَ قوتهُ ثانيةً وانطلقَ بزخمٍ يدافع عن حق الشعب الفلسطيني وعن مدينته حيفا، فأصدرَ ديوانه "حيفا في سواد العيون"(الطبعة الأولى عام 1950 ثم الثانية عام 1973 والثالثة في عام 2001، أي بعد وفاته)، حيث اشتمل على صنوف عديدة من الحنين إلى حيفا المكان، وحيفا الطفولة وحيفا الوطن، يقول:

    أمسكتُ بالقلمِ المحزونِ أغمسهُ               بأدمُعي، بل بفيضٍ مـن نجيعِ دمي
    وضلَّ عن قلمي حرف يلمّ به               حبري كما ضلَّ نطقي عن بيان فمي
    فالخطبُ أوسع مما قد يجول به              قول ولو صيغ في مستطرف الحكم

  • حيفا الرفيقة دائما
    أحبَ البحيري مدينتَهُ حيفا حُبًّا عظيمًا بعدما تربّت حواسه وتفتحت على جمال الكرمل وأوديته، وأشجار صنوبره، والزهور الكثيرة في الحدائق العامة المنتشرة في المدينة، وأجواء البحر وطقوسه، وأعمال الصيادين وعاداتهم، وحركة المسافرين والقطارات، وتجدد الأوقات، فامتلأت حياته بما هو جميل ونمت مخيلته وتطورت.

    وخضرٍ رحابٍ كان فيهن للصبا               ملاعبُ أحـلامٍ وللحب أربـعُ
    قضيت بها شرخ الشباب حلاوةً              تولّت ولكن هل لها العمر مرجِعُ
    فمنذ الفراق المر ما هجع الضنّى               ولا كان جرح السهد في الجفن يهجعُ

    وفي عزلته... في بيته في دمشق... في سنواته الأخيرة، كان البحيري يتصفح اللوحات والصور والخرائط المعلقة على جدران بيته، فيرى فيها صور فلسطين، أيقونة حيفا الأبدية.

  • حبيبتي حيفا
    اسم ديوان الشعر الذي لم يحظَ حسن البحيري برؤيته، إذ قام ابن شقيقه المهندس مروان أحمد البحيري بالعثور عليه مخطوطا وإعداده للنشر بدعم من قبل اتحاد الكتاب العرب بدمشق في عام 2001 ، هذا الاتحاد الذي قضى البحيري ردحا من الزمن عضوا فعالا في مؤسساته. وأهدى البحيري ديوانه هذا "إلى حيفا وبحرها وكرملها وأزقتها ونسيمها العطر الذي يعبق برائحة البحر والصنوبر والزعتر البري".

  • 25 تشرين الأول 1998، رحيل برفقة الشوق
    غادر حسن البحيري الدنيا في مثل هذا اليوم قبل تسع سنوات وحيفا في قلبه وعقله ودمه، وهو بعيد عنها بالجسد، وكتب مناجيا مدينته:

    وإما تولّى ربيع الشباب               وصوح منه ندي الزهر
    فلا تيئسي من إيابي إليكِ               وإن غيبتني طوايا الحُفَر
    فإني، ولو حفنة من تراب               سأرجع في قبضات القدر

    ودفن البحيري في 26 تشرين الأول 1998 في مقبرة مخيم اليرموك بسوريا.

  • سأرجعُ يومًا إلى كرملي
    فلسطين يا سـرَّ دنيا وجودي              ويا بسمة النور في مأملي
    ويا نبض مجرى دمي في عروقي              ويا سلسل الحب في منهلي
    لئن حال دونكِ قهـرُ الحـديد              ودون رجوعي إلى منزلي
    فإني ولو عبر قصف الرعود              سأرجعُ يومًا إلى كرمـلي
    سأرجع مهما ترامى البعيدُ               ومهما توالت دُجى الأزمنِ
    لأحمل أرضك بين الضلوع               وألثـم تربـك بالأجـفنِ

  • البحيري عائد إلى حيفا
    ها هوذا البحيري يعودُ إلى حيفا في مجموعة من القصائد المغموسة بالأمل والحنين والشوق. عودته إلى مدينته بالكلمة والعبارة ليست إزاحة حمل تاريخي، إنما لتأكيد بقاء حيفا في القلب والكلمة والحياة. والعودة الخاصة للبحيري وغيره من شعراء حيفا هي رسم صورة المدينة في المخيلة كي لا تُفقد وتذوب في جنبات التاريخ. فالبحيري ساكن بوطنه، ومسكون بوطنه، عودته هذه كأنه قد خرج من حيفا يوم أمس وعائد إليها اليوم.



    28/3/2009




  • ® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
      Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600