راجعون , دخلت عامها الرابع والخمسين
الياس سحاب : فلسطينيات ,فيروز ذروة ما قدّمه الأخوان رحباني



إستمتع رواد مكتبة السبيل (إحدى المكتبات العامة في بيروت) بشرح واف وإنصات شغوف إلى 'فلسطينيات' الأخوين رحباني التي أدتها السيدة فيروز، رغم أن عمر المقطوعة الأولى 'راجعون' دخل الرابعة والخمسين عاماً. مناسبة رحيل النصف الثاني من البنيان الرحباني الشامخ شعراً وموسيقى كان حافزاً للمؤرخ والباحث السياسي والفني الياس سحاب لتقديم تلك الأمسية المتكاملة، والقيمة عن 'فلسطينيات' الأخوين، خاصة وأنه من مواليد يافا.

في مقاربته لدرر الأخوين الخاصة بفلسطين توقف سحاب عند واقعة بارزة للجميع وهي أن'الأخوين لم يكونا بإنتظار مناسبة لتقديم عمل يحكي القضية الفلسطينية شعباً وأرضاً'. وقال بأنهما قدما باكورتهما الخالدة وهي مغناة 'راجعون' والتي ولدت بعد النكبة بسبع سنوات. ووصفه كعمل ب'ذروة' ما قدمه الأخوان وما أنشدته فيروز.

ما قدمه الأخوان بحسب سحاب ليس بقليل ولم يقدمه آخرون لا كماً ولا نوعاً. فالأخوان رحباني 'إضافة مهمة على الموسيقى العربية بسبب عمقهما ومستواهما الفني'. توالت مقطوعات الأخوين لفلسطين، وعنها تباعاً ولم تكن مرتبطة بزمن أو مناسبة. وكان زمن الستينيات هو الأكثر غزارة على هذا الصعيد. وكل ما نتج عنهما بصوت فيروز إتصف بالرقي والمستوى الفني الرفيع من حيث الجدية في الكتابة والتلحين والتوزيع الأوركسترالي، وكل ذلك الإبداع كان يتوج بصوت فيروز. وعلّق سحاب قائلاً: لاشك بأن مقطوعات كانت أكثر لماعية من سواها.وتساءل سحاب عن سبب مشاعره وأحاسيسه بأن فلسطينيات الرحابنة هي درة التاج في كل ما تم تقديمه من فن عن القضية الفلسطينية؟ وبنفسه أجاب على السؤال: يبدو أن القضية كانت تجذبهما بصدق، لهذا كان إصرارهما الإبداعي على النسق نفسه مستمر على مدى عشرين عاماً متواصلة. وإلى تحليل سحاب نضيف بأنها وطنية الأخوين وبالتالي إعتناقهما مبدأ الدعوة للحق والعدل، والقضية الفلسطينية خير مثال على هذين المبدأين الإنسانيين الأساسيين.

قسَّم الباحث فلسطينيات الأخوين إلى إثنين: منها المباشر الواضح والذي يحكي فلسطين أمثال مغناة 'راجعون' و'القدس العتيقة'. وأخرى غير مباشرة تنسب للقضية الفلسطينية مثل 'سنرجع يوماً إلى حينا'. ووصفها بالمقطوعة الرائعة التي يمكن لأي مهاجر أو مُهجَّر من أرضه أن يتماهى بها. هي أغنية وجدانية بإمتياز، وعاطفية بقوة حيث ينبع الشوق من كلماتها. أما أغنية 'بعدنا من يقطف الدوالي' فوصفها بالأجمل والأرق في مخاطبة الأرض من إنسان بعيد عنها.

وعاد سحاب ليؤكد من جديد: اللافت للنظر أن إنتاج الأخوين الرحباني الخاص بفلسطين كان الأقوى على الإطلاق فيما صاغاه من شعر، وما نسَّقاه من ألحان، وأجمل ما شدت به فيروز.



وعرّج سحاب على 'ما أبتليت به الموسيقى العربية من الأعمال التي تتمسح بالعمل الوطني على حساب النوعية. ففي المناسبات يتسارع الفنانون لإفتعال المواقف بالقول 'عم لحن للوطن وعم أكتب للوطن'. وإستدرك قائلاً: لا يجوز أن يكون العمل الوطني ذات مستوى ضعيف. الموضوع المتعلق بالوطن يلزمه جهد فني كبير. ولا يجب أن يقل عن مستوى الأغنية العاطفية. وعلى المستمع أن يتشدد في موضوع الأغنية الوطنية التي تحتاج إلى جهود أكبر بكثير من أية أغنية عادية.

وفي الجزء المتعلق بالإستماع من هذا اللقاء النوعي في مكتبة السبيل كان الحضور على موعد مع خمس مقطوعات مختارة بدأت مع 'زهرة المدائن' وهي الوحيدة المرتبطة بمناسبة والتي قُدمت إثر هزيمة سنة 1967. وفيها يقول الأخوان وتنشد فيروز'عيوننا إليك ترحل كل يوم.. تدور في أروقة المعابد.. تعانق الكنائس القديمة وتمسح الحزن عن المساجد.. حين هوت مدينة القدس تراجع الحب وفي قلوب الدنيا إستوطنت الحرب'. وهذه المقطوعة وصفها سحاب بالجمال المطلق، وهي ولدت نتيجة إنفعال مباشر تولد عن هزيمة1967. وقال: كتب لي الإستماع إليها قبل بثها على الجمهور وذلك بدعوة من منصور الرحباني الذي كانت عيناه تغرورقان بالدموع حين إستماعنا إليها سوية. وقال أيضاً: في نفس الفترة الزمنية ولدت قصيدة 'أصبح عندي الآن بندقية' من شعر نزار قباني وتلحين محمد عبد الوهاب وشدو أم كلثوم. لكن قياساً إلى كل ما تغني بفلسيطن كانت 'زهرة المدائن' مليئة بالرموز الدينية والإنسانية والتاريخية. كما وصفت العدو ب'القدم الهمجية' وهو أدق وصف له. أما النسق الموسيقي لهذه المقطوعة فقال بإنه ينهل من النغم البيزنطي الذي كان الأخوان متشبعين به.

مع كل مقطوعة غنائية كان الباحث يقدم سيرة نقدية حولها. وفي مقطوعة 'يافا' التي تثير في نفسه أشجاناً وحنيناً قال بأنها لم تنل شهرة كما سواها رغم كونها في غاية الأهمية. وربما يكون السبب بأن منشدها هو الفنان جوزف عازار وليس السيدة فيروز. وإختيار الأخوان له ناتج عن صوته الذي تميز بقدرة في تجسيد حياة البحر والبحَّارة غير الناعمة على الإطلاق. فقد طُبع صوته بخشونة تعبيرية جسدت عملاً غنائياً من ثلاث دقائق. وتقول الأغنية: أذكر يوماً كنت بيافا.. خبرنا خبِّر عن يافا..... لكننا عدنا مع الصباح.. جئنا من الرياح كما يجيء المارد.. ودخلنا ميناء يافا.. وسنرجع نرجع يايافا. وفي هذه الأغنية ثمة مزج بين التهجير والصيد والبحر والعودة إلى فلسطين. وقد نُفذت الأغنية موسيقياً بطريقة أوركسترالية.

'سيف فليشهر' هي القصيدة الوحيدة لفلسطين من غير كلمات الأخوين ومن ألحانهما، لكننا حالياً في زمن السيوف المنكسة يستطرد سحاب. كتبها سعيد عقل وتتضمن شعراً فذاً تنافى لاحقاً مع مواقف الشاعر من القضية الفلسطينة والشعب الفلسطيني إثر الحرب الأهلية التي إندلعت في لبنان. تلك المواقف التي إتسمت بالعنصرية. وفي هذه القصيدة تقول فيروز 'أجراس العودة فلتقرع'. وقد إستدعت تلك القصيدة رداً من الشاعر نزار قباني في قصيدة أخرى قال فيها'عفوك فيروز أجراس العودة لن تقرع'. وذلك طبعاً كان بعد هزيمة 1967، لأن 'سيفاً فليشهر' ولدت قبلها. وقارن الباحث سحاب بين ما كتبه عقل وما كتبه الأخوين، فوجد في الأول مباشرة، وفيهما رمزية وعمق.

وفي سياق الإستماع إلى هذه القصيدة ذات اللحن الرائع إستطرد سحاب إلى علاقة الشعب الفلسطيني بصوت فيروز. فهم يتعاملون معها وكأنها مطربتهم الخاصة. وحين تحيي حفلات في الأردن يزحفون إليها رغم كل الحواجر من أراضي ال48مروراً بالضفة وصولاً إلى عمّان. فيروز من ألمع الأصوات التي قامت على أكتافها نهضة الفن المشرقي. وهي نهضة مختلفة عن تلك التي شهدتها مصر. وفيروز أعطت الكثير للقضية الفلسطينية. وهي زارت القدس حين كانت تحت الرعاية الأردنية مع الأخوين في زيارة خاصة منحت إثرها مفتاح المدينة. وبعدها ولدت أغنية 'القدس العتيقة' التي كانت الوحيدة باللهجة المحكية وتضمنت معاني ذات نكهة إنسانية عميقة جداً. وتقول في هذه الأغنية'مريت بالشوارع شوارع القدس العتيقة.. قدام الدكاكين ال بديت من فلسطين..حكينا سوا الخبرية وقالولي هيدي هدية من الناس ال ناطرين..... عم صرِّخ بالشوارع شوارع القدس العتيقة.. خلِّي الغنية تصير عواصف وهدير.. يا صوتي ضلك طاير زوبع بها الضماير.. خبِّرهم علِّي صاير.. بلكي بيوعى الضمير'.

وتحدث الباحث الياس سحاب عن مغناة'مع الغرباء' التي تتألف من عدة مشاهد غنائية والتي كتبها هارون هاشم رشيد. وفيها حوار بين ليلى التي تمثل الفتاة الفلسطينية ووالدها الذي يؤديه محمد الطوخي، فيما الكورس يروي مأساة فلسطين. تلك الفتاة تسأل وتروي المشاهد والصوت لفيروز، فيما صوت الوالد يقول 'سنرجعه سنرجع ذاك الوطن'. وهي من الأعمال الغنائية غير المتداولة كثيراً وغير المعروفة بشكل كبير.

ويروي سحاب حكاية مغناة 'راجعون' في سنة 1954، حينها كان عاصي وفيروز بصدد شهر العسل في مصر. حيث إمتدت الرحلة لحدود الستة أشهر ودخلها الكثير من الفن. وهي كانت مرحلة مفصلية في حياة الأخوين الفنية. خلالها بنيا علاقة مهمة جداً مع الإذاعة المصرية، وإطلعا على مسرح سيد درويش. وفي ذلك الحين سجلا أيضاً 'راجعون' بصوت فيروز، فيما قام بدور الصوت الذكوري كارم محمود، وعزفتها أوركسترا الإذاعة المصرية. وقال: لسبب لم يصرِّح عنه الإخوين أعادا تسجيل 'راجعون' فور العودة إلى بيروت بأوركسترا بقيادة الموسيقار الراحل توفيق الباشا، فيما غنى المقطع الذي سبق لكارم محمود آداءة ميشال بريدي والذي كان واحد من أفضل الأصوات في كورس الإذاعة اللبنانية. وتتميز هذه المغناة بنصها الذي يصف بشمولية مأساة فلسطين، وهي تحفر في العمق الإنساني أكثر منها في العسكري. وفيها مقدمة موسيقية طويلة ومدتها بالكامل حوالى الربع ساعة. وتبدأ 'نحن من الأرض الحبيبة.. نحن من الدار السليبة....راجعون راجعون راجعون'.

وخلُص سحاب بالتحية لروح الأخوين 'اللذين كان لهما شرف الكتابة والتلحين للقضية الفلسطينية أكثر مما فعل أي فنان عربي.

وأغلب ما قدموه خالد ومن المستوى الراقي جداً كلاماً ولحناً وآداءً بصوت فيروز'.



عن القدس العربي
20/3/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600