قراءة نقدية في نصوص شعرية قصيدة الشاعر حسين مهنا ( ابو عادل) - الدكتور جمال سلسع

إذا لم تهزّك القصيدة بمصداقيتها، وتجعلك تعيش تجربتها المعاشة، فقدت القصيدة الكثير من رصيدها الجمالي. فماذا نقول عن قصيدة الشاعر حسين مهنا؟

ان حسين مهنا في هذه القصيدة الجياشة بعواطفها الصادقة، وموسيقاها العذبة، وتدفق صورها الشعرية بتلقائية جميلة، تجعلك تعيش تجربة الشاعر بكل تفاصيلها. فتجري في جسدك قشعريرة ندية، تبحث عن سبب حدوثها، فتذوب بين يديّ اسباب واسباب، وتنتصب امامي مصداقية التجربة، وعذوبة اللحن، وروعة الوفاء لصديق وفيّ. فالأشطر الأولى من بداية القصيدة تشدك لقراءتها عدة مرات وأنت تتغنى بعذوبة اللحن والوفاء وجمالها التشكيلي. يقول الشاعر:-

ذكرتك يا صديقي

يوم لم يذكرك احباب وخلان

فلا تجزع اذا ضاقت

وانت برمسك المغمور جدران

ولا تخش علينا لعنة النسيان

لا تفزع

فذكرى النكبة الكبرى

على الأفواه ميراث

وفي المهجات بركان

ويعتمد الشاعر في تشكيل قصيدته على التصوير الشعري »*ونعني بذلك ما تحتويه القصيدة من عناصر السرد والحوار والتشخيص، إذ عندما يتوّفر في القصيدة، هذه العناصر القصصية، فإن الشاعر يكون قد استخدم هذا الفن القصصي في التشكيل الجمالي للصور الشعرية، مما يثري القصيدة بإيحاءات التفاعل بين الشاعر والطبيعة، خاصة عند استعمال اسلوب السؤال والحوار مع الطبيعة والمجردات، إذ يتوفر في هذه الحالة للشاعر، أداة تجسيد وتشخيص لصور يبث فيها الحياة»

ففي السرد يقول الشاعر:-

ذكرتك يا صديقي

يوم لم يذكرك أحباب وخلان

فلا تجزع اذا ضاقت

وأنت برمسك المغمور جدران

وفي الحوار بأسلوب التساؤل يقول:-

و هل أنسى حديثا كان يجمعنا

ووعدا منك أن تأتي

إذا ما الصيف وآتانا

وقلت : هناك في بلدي

سنجلس تحت دالية

ونقطف عن جدائلها

عناقيدا من الذهب

وفي هذا السرد والحوار والتساؤل، تظهر أداة تجسيد وتشخيص للصور، تبث فيها الحياة. يقول الشاعر:-

مرّ الصيف

لم يأت أبو عادل

ولم نذهب الى أطلال قريته

ولم نجلس على حجر

من البيت الذي اندثرا

ولم نأكل ولو بعضا من التين

ولم نقطف عناقيدا من الذهب

وكل هذا التشكيل الجمالي، تم في دائرة شعرية من حركة الصراع الثنائية ما بين الشاعر والطبيعة، مع حركة التوسيط الثالثة بينهما.

فالشاعر هنا في صراع مع ذكرى وفاة صديقه، هو يتذكر هذا الصديق مقابل نسيان 1-الأحباب 2- الخلان. كما رأينا في مطلع القصيدة، ويأتي الى ذكرى النكبة الكبرى، هذه الذكرى المتواجدة في موقعين وهما:- 1-على الأفواه ميراث 2- وفي المهجات بركان. يقول الشاعر:-

فذكرى النكبة الكبرى

على الأفواه ميراث

وفي المهجات بركان

أما البيت الذي سيأخذ الشاعر اليه فقد 1- انطوى 2- اندثرا. يقول الشاعر:-

اذا ما الصيف وافانا

لتأخذني

الى بيت طوته الأرض واندثرا

ولكن هذا البيت ظل في الفؤاد 1- يعلو 2- ثم يعلو، يقول الشاعر:-

ولكن في فؤادك ظلّ يعلو

ثم يعلو...طاول الشجرا

ويستمر النسق الثنائي في هذا الصراع عندما يقول باننا سنجلس ونقطف 1-عناقيدا من الذهب 2- وتينا. كما ان جذر التين 1- عميق 2- وفرع طيب الحسب. يقول الشاعر:-

سنجلس تحت دالية

ونقطف عن جدائلها

عناقيدا من الذهب

وتينا لها جذر

عميق في ثرى وطني

وفرع طيب الحسب

ويستمر هذا التشكيل الثنائي، حيث يصف الشاعر بلدة صديقه (سحماتا) بانها 1- مورقة 2-وصابرة. وهذا الصبر على 1- الأحقاد 2- النوب

حتى في كلمة (الصيف) فقد اعطاها هذه الثنائية، 1- جاء الصيف 2- مرّ الصيف. يقول الشاعر:-

جاء الصيف

مرّ الصيف

ولم يأت أبو عادل

وفي نهاية هذه القصيدة يفجّر الشاعر نسقا خماسيا في صيغة النفي، وكأنه يفجّر فيها غضبه على هذا الواقع المرّ، يقول الشاعر:-

لم يأت أبو عادل

ولم نذهب الى اطلال قريته

ولم نجلس على حجر

ولم ناكل ولو بعضا من التين

ولم نقطف عناقيدا من التين

مؤكدا في نهاية القصيدة على طريق العودة، الآتي من ذكرى النكبة الكبرى، بأنه ما زال سرابا، في ثنائية ما بين 1- الأرض 2- والسحب

يقول الشاعر:-

وظل طريق عودته

لقريته

سرابا بين ارض الله والسحب

* الظاهرة الابداعية في شعر راشد حسين – دكتور جمال سلسع - دراسة نقدية - ص 109


عن موقع القدس
30/11/2012






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600