تكريم صوت وديع الصافي الهادر المعجز العذب الحنون - صفوان حيدر



صوت يصعد من أعالي قمم لبنان ليعانق اللامتناهي واللامحدود. يدخل إلى أغوار قلوبنا من دون استئذان. وحيد نفسه. لا مثيل له في لبنان ولا في العالم العربي. يحتوي، بحسب ما يقوله الخبراء التقنيون في أصوات الحناجر الغنائية، على عشرة مقامات باريتون وستة مقامات تينور. إنه صوت وديع الصافي الذي كان له تأثير مميز وخاص، ليس فقط على الذائقة الموسيقية اللبنانية، بل أيضاً على لفظية الأغنية اللبنانية ومخارج حروفها.

وبمناسبة اليوبيل الماسي (75 عاماً) لاحتراف وديع الغناء، أحيت الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية أمسية تكريمية له على مسرح قصر الأونيسكو، مساء أول أمس الخميس، في ليلة اعتزاز وافتخار كبيرين، بصوت هائل من أصوات لبنان الغنائية، كان له دور رائد في نشر الأغنية اللبنانية في أصقاع العالم.

قال راعي الاحتفال، وزير الثقافة غابي ليون «إن جبال لبنان وسهوله ووديانه صارت صدى لصوت وديع ولإبداعه الغنائي». ولا شك في أن صوت وديع أثيري صاف وعملاق، يتجاوز كل الأمكنة، ويرسم معالم الزمن الذي نعيش فيه. فنحن لا نعيش، ثقافياً، في زمن القتلة ورثة الحرب اللبنانية، بل نعيش زمن وديع الصافي.

وبمشاركة أربعة وخمسين عازفاً بقيادة المايسترو أندريه الحاج، مع كورال الكونسرفاتوار (37 مغنياً)، قدمت الفنانة مرسال جبور مشاهد خمسة على شاشة المسرح الفضية، عن حياة وديع، أعدتها خصيصاً لهذه المناسبة. وفي المشاهد، اعتبر البطريرك بشارة الراعي في كلمة تسجيلية على الشاشة، أن وديع يساوي لبنان، ليس فقط بوصفه مطرباً لبنانياً، بل أيضا بإيمانه الكبير بلبنان. واعترف الياس الرحباني بأن وديع «لن يُخلق شبيه له إلا، ربما، بعد مئات السنين الآتية». وشاهدنا أيضاً على الشاشة كيف أن الإمساك بالعود لا يفارق وديع حتى أثناء إقامته في فرنسا. واعترف هنري زغيب بأن «صوت وديع إرث لبناني نفتخر بمعاصرته». لقد حافظ وديع على نضارة صوته وشبابه ونداوته طوال جميع هذه السنين التسعين. وكان وديع يلحن على مقياس صوته الذي يعتبر ضخماً ورشيقاً وحنوناً حتى في درجاته العليا، وهذه ميزة خاصة بوديع، انه صوت مثقف ذهبي خالص يضفي جمالاً على الكلام، جعل الأغنية اللبنانية تترسخ محلياً وعربياً. وحتى محمد عبد الوهاب صاح بعفوية وبحضور جمال عبد الناصر في أمسية غنائية قاهرية «يا سلام يا وديع. يا حبيبي يا وديع».

عندما غنى الكورال «طير الطاير» أو «للضيف» أو «ويلي لو يدرون» أو «لا عيوني غريبي» وجميعها أغنيات لحنها وديع، بدا واضحا الغنى الصوتي الدفاق لوديع، لأن صوته يساوي صوت الكورال بأجمعه، بل بدت الإمكانات الصوتية للكورال ضعيفة أمام صوت وديع الذي يستوعبها ويتجاوزها. كذلك التهبت أكف الجمهور المحتشد بالتصفيق أمام أغنية «لبنان يا قطعة سما»، ترافقها مشاهد صامتة من الطبيعة اللبنانية الخلابة. وفي ختام الأمسية استمعنا إلى كلمة وديع العفوية التي دونها لنا في المستشفى، والممتلئة بالصدق والمحبة والتواضع. انه الوديع المتواضع الذي ما زالت حكايته مستمرة منذ عام (1921) ـ تأسيس لبنان ـ ومع ان وديع أصبح الآن في الثانية والتسعين إلا أن حكاية هذا الوطن مستمرة على لسان وديع، بأغنيات مطرب هادر ومعجز وعذب وحنون، سمحت له مداركه الطربية بأن يغني كافة الألوان الطربية في الوطن العربي، من الخليج إلى المحيط، بمقدرة ومتانة خصبة ومتجددة، مثلما تتجدد أصوات البلابل في ربيع بلادنا، على قمم الأعالي وفي أغوار الوديان...



عن موقع السفير

10/11/2012






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600