بعد مرور خمس سنوات على وفاة إدوارد سعيد، أصبح أكثر أهمية وراهنية - رنا زهر


إدوارد سعيد 1935 - 2003

"يا شمالَ القصيدة
وهي البلاد الوحيدة بعد رحيل الأساطير،
خذها لك اسما وجسما... لكي تكملكْ
وأطع أمك الآن، واقرأ شكسبير عن ظهر قلب لها!
لا زمان لهاملت، أو غيره، بعد ليل الكتابة...
لا ظل للحب في ليله المتدفق كالنهر،
فاصعد على سقف نفسك كي تحملكْ
مثلما كنت تحملها بين بابونج الحقل...
واهبط الى بئر نفسك كي تسألك.."

(بطاقة من محمود درويش إلى إدوارد سعيد بمناسبة عيده الستّين)

* لنعلّم عن إدوار سعيد في مدارسنا الثانوية *

بمناسبة الذكرى الخامسة لوفاة المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد أقامت جمعية أورفيوس حفلا موسيقيا راقٍ وهي، طبعا، مشكورة على إسهامها في ترسيخ إرث هذا المبدع، فكرا وفنا؛ وبينما كنت أنتظر بدء الحفل قرأت الكتيب الذي وُزع علينا عن حياة المبدع الكبير ووجدتني أعود بذاكرتي عشر سنوات ونيف، لإحدى المحاضرات في قسم الأدب الإنجليزي في جامعة حيفا، حيث كان المحاضر، أمريكي الأصل، يتحدث عن ادوارد سعيد بلهفة وحماسة بالغة وكان قد تفاعل وانسجم بحديثه وشاركه زملاؤنا الطلاب اليهود الذين يدرسون معنا في القسم، بينما نحن الطلاب الفلسطينيون فلم نعرف عن هذا المفكر الكبير أي شيء، لكنني أذكر تماما بأننا خرجنا فخورين بهذا الذخر الفلسطيني الذي يُذكر في سياق المحاضرات الجامعية. كنا متشككين، ورحنا نتبادل سؤالا بلاغيا استنكاريا: "أهو منا حقا؟" بعضنا سمع باسمه وبعضنا لم يسمع به قط! وتساءلنا: هل تعلمنا عنه شيئًا في المدرسة الثانوية؟ وكان الإجماع بأننا لم نتعلم عنه قط! لا في المدرسة ولا في الشارع ولا في الصحف ولا حتى في البيت!!! وشعرت بالخجل... لأننا نجهل من هو شخص إدوارد سعيد ونجهل إسهامه في الأدب والفكر العالميين وهو ذلك الفلسطيني الذي سرد روايتنا وأسهم في صياغتها ورفع صوتها في أعلى المنابر الأكاديمية لا بل وكان عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني منذ العام 1977 مقدما مثلا حيًا للمثقف الحقيقي. لماذا لم يعلموننا عنه؟ لما لا نعلم نحن عنه؟ لو كان "متطرفا" (بالمفهوم الإسرائيلي) لوجدت جزءا من الجواب أو كله. ألهذه الدرجة ذوّتنا القهر، هل أصبحنا نضبط أنفسَنا بأنفسِنا؟ لقد درجنا على تكريم مبدعينا الكبار بعد موتهم، ولكن طلابَنا في المرحلة الثانوية، كما نحن كنا، وكما يبدو من بعدنا أيضا لا يعرفون إدوارد سعيد ولا ينكشفون على ارثه الثقافي والفكري والأدبي... حتى بعد وفاته بخمس سنين!

كمعلمة للغة الإنجليزية في المرحلة الثانوية أؤكد أنه يمكننا تعليم أدب إدوارد سعيد ضمن المنهاج والبرامج التعليمية، فكما نعلّم الأدب الإنجليزي عبر شكسبير وفروست وأرثور ميلر وغيرهم، لماذا لا نعلمهم عبر إدوارد سعيد خاصة أنه يتميز عنهم بتجربته ودمجه بين الشرق والغرب بشكلٍ خلاق، أو كما عبر محمود درويش عن اسمه الأجنبي (إدوارد) والعربي (سعيد) وجمعه بين القدس والغرب:

"ليَ اسمان يلتقيان ويفترقان
ولي لغتان نسيت بأيهما كنت أحلم
لي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات
ولي لغة من حوار السماء مع القدس"

هذا الأمر ينطبق على جبران خليل جبران الذي كتب رائعة (النبي) باللغة الإنجليزية، فيمكن تعليمهما في دروس اللغة الإنجليزية أو الأدب العام، وأهميتهما أنهما يحثان طلابنا على تعلّم اللغة الإنجليزية كلغة أم، ولكن، لهذا الأمر أهمية وطنية بارزة وهي أن شعبنا بحاجة إلى رموز ناجحة تزرع بطلابنا الثقة بشعبهم وقدراته في مواجهة سياسة تستهتر بالعربي وبقدراته وهي تمتلك كل وسائل الإعلام والدعاية، فيذوّت الطالب العربي الدونية، ولهذا أناشد كل معلمي الإنجليزي في المدارس الثانوية لتعليم أدب المفكر والأديب والموسيقي الكبير بروفيسور إدوارد سعيد.

*صدور كتب غربية تشوّه الشرق، في السنتين الأخيرتين!*


لعلّ "الاستشراق (Orientalism) " أهمّ ما كتب سعيد، وقد عالج فيه النمطيات الغربية تجاه الشرق، فهي متعالية، متغطرسة، والعلاقة بين الغرب والشرق مبنية على أساس القوة والسيطرة، وقد بُنيت هذه النمطيات استنادا إلى النهضة الفكرية والأدبية والعلمية في أوروبا، والتقاء الأوروبيين بالشرقيين كمستعمِرين منذ نهايات القرن التاسع عشر، وقد كانت هذه النظرة الغربية بمثابة "المفهوم ضمنا" ولا مجال لزعزعتها، لا بل وأضاف الغرب أجنحة لأساطير "ألف ليلة وليلة" فطار خيالهم بعيدا مصورا الشرق جاهلا ومتخلفا بنيويا ولا مجال لتطوره. وغرسوا في نفوس أطفالهم هذه الأفكار، وعلى سبيل المثال، لا الحصر، فإن أفلام الكرتون كـ"علاء الدين" من سنة 1992 تُظهر شخصية عربية تقول: "أنا قادم من بلاد بعيدة تقطع فيها أذن الشخص إذا لم يعجبهم شكله، أعترف أن هذا عمل بربري ولكن هكذا هي بلادي" وبعد احتجاجات قامت بها جاليات وجهات عربية تمّ تعديل النص جزئيا ولكن المخرج أصر على إبقاء الجملة: "هذا عمل بربري، ولكن هذه بلادي" نعم، أصر على إبقائها! هذه واحدة من النماذج التي ما فتئ إدوارد يعرضها بعد صدور كتابه "الاستشراق" مثابرا في سبر أغوار الافكار النمطية والقولبات الغربية تجاه الشرق.

قام إدوارد بهذا الدور نيابة عن الشرق الذي لم يبدِ معارضة فعالة حول ما يدور من تشويه لصورته بين الحضارات، والحط من حضارته الغنية والمتنوعة التي كانت من أبرز عوامل تطوّر الغرب في عصر النهضة (الرينيسانس)، وعلينا أن نعترف أن الشرق، مرورا بالمرحلة العثمانية- سيئة الصيت- وبمرحلة الاستعمارين البريطاني والفرنسي والإمعان في التردي منذ نهاية السبعينيات قد ساهم في تعزيز النمطيات ضده، باستثناء مرحلة الخمسينيات والستينيات وحركات التحرر الوطني ترافقها نهضة حقيقية على المستوى الحضاري والثقافي والفني والإعلامي، وقد بدت في عز توهجها في مصر عبد الناصر حيث طرحت تحديا توجّب على الغرب التعامل معه بمنتهى الجدية وليس بالاستهتار الذي ميّز علاقة الغرب بالشرق.

وقد حذّر إدوارد سعيد من دهاء الغرب في تغطية حملته ضد الشرق، فمحبّو القراءة عامة والأدب خاصة لا بد وقد لاحظوا الطفرة الكبيرة من الأدب الغربي والروايات التي تبدو ظاهريا كمسلية وجميلة، وقد تكون مسلية ومشوقة فعلا، ولكنها تخفي في طياتها نمطيات خطيرة عن الشرق لا يمكن اكتشافها بشكل واضح إذا قرأت كتابا واحدا أو إثنين، بل عند قراءة عدة كتب تكتشف التواتر المتناسق في الحط من الشرق وثقافته، وهاكم بعض، لا كل، الكتب التي صدرت مؤخرا:

1. The Kite Runner –Khaled Husseini, 2003
2. A Thousand Splendid Suns-Khaled Husseni, 2007
3. A Veil of Roses – Laura Fitzgerald, 2006
4. Infidel- Ayaan Hisri Ali, 2007
5 Kabul Beauty School: An American Woman Goes behind the Veil - Deborah Rodriguiz 2007
6. The Bookseller from Kabul –Asne Seierstad, 2003
7. Reading Lolita in Tehran- Azar Nafisi, 2003



تجدر الإشارة إلى أن الغرب قد قلل من كتبه التي تحقر وتشيطن الشرق، إلا أن هذه الكتب قد حققت قفزة جديدة في السنتين الأخيرتين، والتي لم تبتعد عن أجواء "ما بعد 11 سبتمبر" وتعمد هذه الكتب، بالأساس، إلى تحقير الثقافتين العربية والإسلامية، وممجّدة الخطاب الديمقراطي الأميركي الذي رأينا "نعمه" في العراق وأفغانستان، والتي بدأت بالطعن في الأصول الشرقية للمرشح الديمقراطي وانتهت في أزمة البورصة والسياسة التي من المؤكد أنها ستزيد الفقراء فقرا.

ونحن إذ لا نريد أعلام الديمقراطية والتنوّر الأمريكيين مرفرفة فوق الدبابات في العراق وأفغانستان ونرفض النمطيات الغربية ضد الشرق، إلا أن أهم أدوات مواجهتنا يجب أن تكون نقدنا الحقيقي لذاتنا ومحاربة ظواهر التخلف في شرقنا من تغييب للديمقراطية والحريات الشخصية والتمييز ضد المرأة، هذه الفكرة يجب أن نقودها نحن، وقد تعلمنا أن الغرب من خلال استعماريْه الإنجليزي والفرنسي، وقبل ذلك الإيطالي وبعدهما الأمريكي، لم يعزز الديمقراطية والحريات الشخصية ومساواة المرأة، بالعكس تمامًا فقد تسرب من خلالها، فعزز الانتماءات الفئوية ونظام المخترة والولاء والمبنى البطريركي.


إدوارد سعيد كان أهم المفكرين العرب في الغرب، وأصبح أكثر أهميةً وراهنيةً بعد 11 أيلول.

5/2/2009



® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600