اللغة العربية: هُوية أمة وذاكرة تاريخ - د. رابعة حمّو
اللغة وظيفة عضوية وظاهرة اجتماعية وملكة إنسانية يرجع إليها تميز الإنسان عن باقي المخلوقات. وهي الوعاء الذي يُنتِج الفكر والعلم والمعرفة. ولذلك فهي محرك نشاط الأفراد والجماعات.

ومن هنا أصبحت اللغة هي الحامل الأبرز لكل خطة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، بل تعدّت هذه الحدود لتصبح أداة لتنفيذ أي مخطط للهيمنة أو الاحتواء أو الإقصاء. فعلى أساسها قامت أغلب الأحلاف السياسية في العصر الحديث: كفكرة الكومنولث البريطاني، ومنظمة الدول الناطقة بالفرنسية (فرانكوفونية)، ومنظمة الدول الناطقة بالاسبانية، وجامعة الدول العربية. وهذا ما جعلها محط أنظار علماء الاجتماع والأنثربولوجيا واللسانيات والاقتصاد والسياسة على حد سواء.

ومن هذا المنطلق لم تعدّ اللغة أداة للتواصل والنشاط الإنساني فحسب، بل أصبحت العنصر الأساسي لكل قوميّة. فهي ذاكرة الأمة وأرشيفها عبر الزمن، ووعاء الثقافة وأساس الهوية لأي شعب من الشعوب، ذلك لأن اللُّغة والهُويَّة وجهان لشيء واحد، أو بعبارة أخرى: إنَّ الإنسان في جوهره ليس سوى لُغة وهُويَّة، اللُّغة فِكرُه ولسانه، وفي الوقت نفسه انتماؤه، وهذه الأشياء هي وجهه وحقيقته وهُويته، وشأن الجماعة، أو الأمَّة هو شأن الفرْد، لا فرق بينهما. وهذا ما فسره الشاعر القديم زهير بن أبي سلمى في بيت الشعر الشهير:

لسانُ الفتى نصْف ونصف فؤاده فلم يبق إِلاَّ صورة اللَّحم والدَّم

ولأن اللغة العربية هي احد أهم مقومات الهوية العربية، فقد عملت هذه اللغة على حماية التاريخ والحضارة والثقافة العربية عبر الزمن. وكانت أحد العوامل التي وحدّت العرب بين شطري المحيط والخليج. ولم تكن لهذه اللغة أن تلعب هذا الدور الريادي لولا سيرتها العظيمة في الزمان والمكان والتاريخ، ولولا تألقها ونضوجها في الشعر الجاهلي الذي يعتبر سجل ديوان العرب وتاريخ أيامهم وبطولاتهم وبلوغها حدّ الاستواء الاعجازي بنزول آيات القرآن وسوره في حروفها ومفرداتها وكلماتها ممّا أضفى عليها هالة من القدسية والحماية الربانية بحفظها ما طلع الليل والنهار. فارتَقَتْ هذه اللغة من لغةٍ لقبائلٍ متوارية في الصحراء لتكون لسان أمة قادت دفة الحضارة والمعرفة الإنسانية لقرون عديدة متوالية. ولذلك لا عجب أن تشقّ اللغة العربية طريقها بيسر وسهولة بين سلم اللغات الإنسانية، فجاءت السادسة في هيئة الأمم المتحدة بعد اللغة الصينية والإنكليزية والإسبانية والروسية والفرنسية.

وهذا ما يفسر احتلال اللغة العربية مكانة متميزة في نظر الباحثين والمستشرقين المنصفين الذين عرفوا خصوصيتها وراعهم قيمتها وجمالها، كالمستشرق الأمريكي 'كوتهيل' الذي قال:(قَلَّ منّا نحن الغربيين مَنْ يُقدّر اللغة العربية حق قدرها، من حيث أهميتُها وغناها، فهي بفضل تاريخ الأقوام التي نطقت بها وبداعي انتشارها في أقاليمَ كثيرة، واحتكاكها بمدنيات مختلفة، قد نمت إلى أن أصبحت لغةً مدنية بأسرها، بعد أن كانت لغة قبلية. لقد كان للعربية ماض مَجيدٌ، وسيكون لها مستقبلٌ زاهر). ويضيف كوتهيل أيضاً: (إن للغة العربية من اللين والمرونة ما يمكنانها من التكيف وفق مقتضيات العصر، وهي لم تتقهقر فيما مضى أمام أي لغة أخرى من اللغات التي احتكت بها، بل ستحافظ على كيانها في المستقبل كما حافظت عليه في الماضي).

إلا أن هذه المكانة التي يقر بها غير العرب، لم تجعل لغة الضاد بمنأى عن تحديات كبيرة تواجهها على الصعيدين؛ الخارجي والداخلي، تتلخص في مجملها بمنافسة اللغات الأجنبية لها في حقول التعليم وخاصة العلوم والتكنولوجيات، وخفض ساعات تدريس اللغة العربية في المدارس والجامعات، وانتشار المدارس الأجنبية والتدريس باللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية. يضاف إلى هذا التنافس الشديد خطر استعمال اللهجات العامة بدعوى تيسير التواصل بين المتكلمين مما يفكك ارتباط النشء الجديد بماضيه العريق ويقطع الصلة بينه وبين تراثه وحضارته وتاريخه ودينه.

وعلينا أن نتذكَّر أنَّنا في عصر تلعب فيه حالة لغات الشعوب دورا مهمّا في المحافظة على كيان الأمَّة، أو التفريط فيه. ولا ننسى كذلك أنَّنا في عصر العولمة التي تَحرِص فيه اللغات الكبرى المُسَيطِرة على التهام اللغات المنافِسة لها. وذلك بإضعافها وتفتيتها بوسائل علميَّة وتعليميَّة وإعلاميَّة تَمَّ إعدادها ودراستها بدِقَّة شديدة. فهي لا تحارب فقط كلمات وقواعد وتراكيب، وتراثا شعريا أو نثريا، ولكنها تحارِب ما يرمز إليه ذلك كله، وتسعى إلى السَّيطرة على مقَّدرات أبناء هذه اللغة وثرواتهم، واستقلال ذواتهم، وصلابة قراراتهم؛ لكي يكونوا لقمة سائغة في خدمة عجلات الإنتاج ومَطامِع التوسُع، وتحقق الأمن لدى أصحاب اللغات والأهداف الأخرى.

فعلى سبيل المثال لا الحصر على شراسة الهجوم الذي تشنه اللغات الكبرى على اللغات المنافسة لها، تعرَّضت كثيرٌ من لغات إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية للاجتِياح أمام قوَّة اللغات الأوروبية الغازية في عصر التوسُّع الاستعماري بعد الثورة الصناعيَّة، ممثَّلة في الإنجليزية والفرنسية على نحو خاصٍّ، ومِن ورائها الإسبانية والبرتغالية والألمانية، وأمام هذا الاجتِياح سقطت لغات كثيرة، قدَّرتها منظمة اليونسكو بأكثر من ثلاثمائة لغة، وضعفَت أخرى وتصدَّعت أركانها وأساساتها، وهم يتوقَّعون لها مَزِيدًا من الضعف الذي قد يؤدِّي إلى الاندثار، خاصَّة إذا ساعَدَهم أبناء هذه اللغات أنفسهم على تحقيق الهدف. ولم تسلم اللغة العربية من تلك المحاولات وخاصة في فترة هيمنة الاستعمار الفرنسي والانجليزي على الوطن العربي الذي فرض لغته على أبناء الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. ولعل الثورة الجزائرية كانت، في جانب كبير منها، تمرداً على محاولات الاستعمار الفرنسي القضاء على اللغة العربية وإحلال الفرنسية مكانها.وعلى الرغم من شدة الهجوم على لغة الضاد إلا هناك مَن قيّضهم الله للدفاع عن هذه اللغة المقدسة، ممثلاً في دور بعض مجامع اللغة العربية النشيطة، التي تحسست الخطر المحدق بلغتها، وكذلك فعلت بعض الهيئات الرسمية في بعض الدول العربية بالاهتمام بهذا اللسان المبين عبر مراحل التعليم، بتطوير مناهج تدريسها، وجعل المضامين بما يتماشى والتطور المذهل الذي يعيشه العالم أجمع، دون إغفال الإعداد الجيد لمعلميها، والرفع المستمر من كفاءاتهم المعرفية، ودعم الطلاب بالوسائل العلمية الحديثة بالقدر الذي يجعلهم يواكبون المستجدات، ويستفيدون من مختلف التكنولوجيات حتى تستطيع هذه اللغة من مواجهة متطلَّبات الحاضر والمستقبل في المجال المعرفي والحضاري، وأن تتمكن بفضْل وعي وهِمَّة أبنائها للقيام بدورها الحقيقي في المحافظة على الهُويَّة، واستِعادة بعض مَلامِح الوجه المهدَّدة بالضَّيَاع.

فهذه اللغة الجميلة استطاعت في الماضي استيعاب جميع أنماط المعرفة الإنسانية، من أدب وفلسفة وعلوم رياضية وفلكية وكيميائية. ويكفي دليلا على رسوخها في مجال العلم الصرف أن مفرداتها ومصطلحاتها العلمية منتشرة في لغات أكثر الأمم تفوقا في العلم والتكنولوجيا، فعلم الجبر، مثلا، لا يزال يُعرف في العالم باسمه العربي. ولا توجد لغة أجنبية لا تحمل في بطون معاجمها وقواميسها اللغوية عشرات المفردات من أصول عربية.وكذلك أن الحرف العربي الذي أراد بعض المضللين أو المتآمرين استبداله بالحرف اللاتيني انتزع إعجاب الفنانين من أبناء جلدتها ومن أبناء الأجانب إلى درجة اعتباره أحد أجمل الخطوط بين كل اللغات الإنسانية. ولهذا أوصى كثير من المستشرقين، وفي مقدمتهم المفكر الفرنسي لويس ماسينيون Louis Maignon بالتمسك بهذا الحرف كسمة من سمات الحضارة العربية. وإن كان فعل ذلك ماسينيون فأهل الضاد أولى بالتمسك بلغتهم كسمة من سمات الهوية والثقافة العربية في عصر اشتدت به الهجمة على لغتهم وحضارتهم ودينهم. فكُتُب التاريخ تُثبت أن اللغة العربية كانت حتى القرن السادس عشر، إحدى لغتين كُتبت بهما الفلسفة والعلوم: هي في الشرق واللغة اللاتينية في الغرب. ومن شأن ذلك إبطال الادعاء بأن العربية لغة أدبية لا تصلح لتكون لغة علمية. والدعوة لحماية هذه اللغة وإعادة مكانتها العليا في فكر أبنائها كما دعا شاعر النيل حافظ إبراهيم في صرخته المدوية لحماية اللغة العربية في مطلع القرن العشرين : رجَعْتُ لنفسي فاتَّهَمْتُ حَصَاتي وناديتُ قَوْمي فاحْتَسَبْتُ حَيَاتي

رَمَوْني بعُقْمٍ في الشَّبَابِ وليتني عَقُمْتُ فلم أَجْزَعْ لقَوْلِ عُدَاتي

وَلَدْتُ ولمّا لم أَجِدْ لعَرَائسي رِجَالاً وَأَكْفَاءً وَأَدْتُ بَنَاتـي

وَسِعْتُ كِتَابَ الله لَفْظَاً وغَايَةً وَمَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بهِ وَعِظِاتِ

فكيفَ أَضِيقُ اليومَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ وتنسيقِ أَسْمَاءٍ لمُخْتَرَعَاتِ

أنا البحرُ في أحشائِهِ الدرُّ كَامِنٌ فَهَلْ سَأَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتي

فيا وَيْحَكُمْ أَبْلَى وَتَبْلَى مَحَاسِني وَمِنْكُم وَإِنْ عَزَّ الدَّوَاءُ أُسَاتي

فلا تَكِلُونــي للزَّمَانِ فإنَّني أَخَافُ عَلَيْكُمْ أنْ تَحِينَ وَفَاتي



باحثة في الأدب العربي الحديث - باريس

المصدر القدس العربي
27/9/2012






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600