محمّود درويش : كبـرت ولم يتغيّر الحبّ - د. رابعة حمو


تهجرنا الكلمات في القواميس لتضع أوزارها في ثنايا قصائد محمّود درويش المفتوحة دوماً وأبداً على شرفة عذاباتنا منذ أن ركب حصان النشيد قبل عقود خلت.

ترجل فارس الكلمة قبل أربع سنوات عن صهوة قصائده بعد أن كتب هواجس الصفحة الأخيرة من كتاب حياته كتأمل الطائر قبل أن يخفق بجناحيه ويحلق عالياً عالياً للمرة الأخيرة. رحل الجسد وبقيت الأشعار تحفظ الوطن وتتلوه بكل دقائقه من بشرٍ وشجرٍ وحجرٍ لتكون نبراساً تستضيء به أجيالاً قادمة ستكبر على نبض كلماته وتحفظها عن ظهر قلب لتبشر برؤيته للحياة والحب والحرية التي تغنى بها وحلم أن يراها تتحقق على أرض وطنه.

أربع سنوات مضت على وفاة صبي البروة العاشق وما زالت كلماته تتأجج في ألحان مارسيل خليفة في حنين طفوليّ لخبز أمه حوريّة، وشوق كبير لرائحة قهوتها الصباحيّة التي رحلت بعده بفترة قصيرة بعد أن أحست بوجع الغياب ولم تطق أرضاً ما عاد فيها 'محمودها الغالي' وتركت تعاليمها لتضيء نجوم كنعان على أرضها ورمت شالها في قصيدة ولدها الأخيرة.

أربع سنوات عجاف مرت كبرت كم كبرت فيها يا زيتونة المنفى لتصبح الآن في عامك الواحد والسبعين وما زالت كلماتك تسكن وعي أطفال الحجارة التي غدت نشيدهم الصباحيّ في مقارعة محتلهم الذي أربكت كلامه المهزوز عن ديمقراطيته اليتيمة في واحة المتوسط بعد أن سدّدّت سهامك الشعرية في قلبه مخاطباً: 'أيها المارون بين الكلمات العابرة، أخرجوا من أرضنا، من برنا، من بحرنا، من قمحنا، من ملحنا، من جرحنا، من كل شيء، واخرجوا من ذكريات الذاكرة'؛ لتسجل اسمك في لوح محفوظ لأطفالٍ سيأتون ليصرخوا بأشعارك في انتفاضة ثالثة ورابعة وعاشرة حتى بزوغ شمس الحرية.

خسرنا يا ابن الجليل كثيراً ولم يربح الحب أبداً، لا قوة انتصرت ولا عدل شريد وجد سبيله لأرضك بعد أن أنشب الموت أظفاره في قلبك العليل الذي تفنن ببث الأشعار لأرض طالما أحببت الحياة عليها عندما استطعت إليها سبيلا، وصرت يوما ما تريد، كرمة عصرها الصيف وشرب نبيذها العابرون، بل صرت الرسالة والرسول لشعوب رأت فيك وجه فلسطين الذي زاد إشراقا وجمالاً بأشعار انطلقت بها إلى جهات الكون الأربع وحملت فيها وجع شعبك وآهاته إلى البشرية، فغدوت شاعراً إنسانيا مرهفاً نبيل الذوق تفكر بغيرك وأنت تعد فطورك الصباحي، وتتحدث باسم من فقدوا حقهم في الكلام ولمن سلبت حقوقهم في العيش بكرامة، فانفتح الأفق لديك على ديانات الأرض ورسلها السماوية فاختلطت عظات المسيح بوصايا موسى وأقوال محمد فكانت كلماتك تمد جسور الحوار والتآلف والمحبة بين كل البشر، فامتزجت الثقافات والحضارات والشعوب على أرض نصوصك لا حدود بين اسخيلوس اليوناني أو أبي الطيب المتنبي العربي أو سياتل زعيم الهنود الحمر فكلهم تآخوا في أشعارك كالبنيان المرصوص كلوحة فسيفسائيّة أنيقة الصنع والتكوين.

محمود درويش مهنة الشعراء عبر الزمن وحلم الإنسان منذ الأزل أن يجد عشبة الخلود والأبديّة لكن توقك لخلاصك من صليب الأرض وما فيها ومنْ فيها حادثة الحياة تلك التي عرفت عذاباتها حتى الممات عجلت من رحيلك المنتظر. ستظل الكلمات خجلى وذابلة في حضرتك وهي تعاني قلقاً كأن فارسها مسافر على متن الريح من منفى إلى منفى، حاملاً قلبه المثقوب ورحيق الوطن ليصل إلى الأبدية البيضاء حيث الخلود والسكن.

وستبقى يا مجنون التراب رمزاً إنسانياً بين العظماء، وسيناضل أبناء وطنك حتى يفكوا قيّد الاحتلال لينعموا بأريج الحرية وأطواق الياسمين، وليعودوا من آخر النفق الطويل إلى مراياهم القديمة وليهتفوا بقصيدة النصر التي حلمت بقراءتها في قدس المحبة والسلام وسيرددون قولك: على هذه الأرض ما يستحق الحياة، على هذه الأرض سيدة الأرض كانت تسمى فلسطين ... صارت تسمى فلسطين'، فارقد يا ابن كنعان بسلام، وعليك من الشعر والورد المحبة السلام وقبلة لجبين شعرك الحيّ فينا.


*باحثة في الأدب العربي الحديث باريس

16/8/2012






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600