العاشق الفلسطيني رشاد أبوشاور في مجموعته القصصية الأخيرة (سفر العاشق)..- أحمد دحبور


حين يكون الكاتب صديق عمر، وجزءا من ذاكرتك الشخصية والثقافية، فإن تناولك نتاجه الأدبي يشكل اختبارا لموضوعيتك وقدرتك على التجرد.. ورشاد أبو شاور هو أحد هؤلاء، ما يتيح لي وأنا أقدمه إلى القراء -الذين يعرفونه بلا شك- أن أقحم بعض ما أعرفه عنه من خارج الكتب وحوار الصحف.

ولد رشاد محمود سلمان أبو شاور يوم 15/6/1942في ذكرين، وهي من قرى الخليل، وفقد أمه منذ أن كان طفلا، فتعهده والده الشيوعي الذي لم يحظ بشيء من التعليم. وهاجر به إلى سورية لاجئا سياسيا عددا من السنوات أسهمت في تشكيل شخصيته، ثم عاد شابا إلى الأردن، حيث انتسب إلى المقاومة الفلسطينية وشهد مجازر أيلول كما سيشهد فيما بعد معظم الأحداث التي عصفت بالمقاومة والمنطقة في بيروت، ولا يزال قابضا على جمرة فلسطين.

عام 1966 نشر قصته القصيرة الأولى في جريدة "الجهاد" المقدسية، لكنه شأن معظم أبناء جيله استوى كاتبا معروفا من خلال مجلة الآداب البيروتية، ثم انتشر في الصحافة الفلسطينية والعربية. وعشنا معا شطرا من حياتنا في الأردن وسورية وتونس، وعلى استقراره في مدينة عمان وحضوره الدائم من خلال جريدة القدس العربي، ظلت الصلة مستمرة بيننا حتى كتابة هذه السطور.. ويمكن إجمال نتاجه المنشور بما يلي:

صدرت له خمس روايات هي "أيام الحب والموت - البكاء على صدر الحبيب - العشاق - الرب لم يسترح في اليوم السابع - شبابيك زينب" واذا كانت العشاق هي درة أعماله فإنه يدفع بروايته السادسة إلى المطبعة ونأمل أن نراها قريبا.

أما مجموعاته القصصية فقد افتتح بها مشروعه الأدبي وكانت مجموعة "ذكرى الأيام الماضية" هي كتابه الأول، ثم تتالت أعماله فنشر المجموعات التالية:

"ذكرى الأيام الماضية - بيت أخضر ذو سقف قرميدي - الأشجار لا تنمو على الدفاتر - مهر البراري - بيتزا من أجل ذكرى مريم - حكاية الناس والحجارة - الموت غناء" وأخيرا هذه المجموعة التي بين أيدينا "سفر العاشق".

كتب رشاد في الرواية والقصة القصيرة والمسرح والمقالات الأدبية والنقدية والسياسية. وصدر له مجلد يضم مجموعاته القصصية الخمس الأولى. كما أصدر مذكرات العدوان على لبنان في كتاب "آه يا بيروت".

وغني عن القول إنه شغل منصب عضو الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين بضع سنوات. وأنه نال جوائز عربية وعالمية على نتاجه الأدبي ودوره البارز في الحياة الوطنية والعامة، وتعرف على كثير من بلدان العالم، فرأى الصين وروسيا واليونان والنمسا ومختلف الدول التي كانت تشكل المنظومة الاشتراكية، كما جال في معظم أرجاء الوطن العربي.. ولن يفوتني بهذه العجالة أن أنوه بمجموعته "الضحك في آخر الليل" لما تحمل من شهادة على الاغتراب من جهة، وعلى قمع الأنظمة البوليسية من الجهة نفسها.

سفر العاشق

تشتمل هذه المجموعة على ثمان وعشرين قصة قصيرة. وهو عدد كبير نسبيا لمجموعة واحدة. لكننا نتفهم ذلك عندما نتذكر أن مجموعته هذه الصادرة عام 2009، أتت بعد أن كان آخر كتبه السابقة، وهو "شبابيك زينب" قد صدر عام 1994 وان لم يكن قد توقف عن الكتابة بين هذين التاريخين..

والآن ها هو رشاد أبو شاور في ذروة السبعين، وكأنه ابن أربعين.. ولا تزال ضحكته الانفجارية تنبئ عن حضوره حيث كان ولكن هل يدري الشاهدون على ضحكه وسرعة البديهة عنده حجم الحزن والشجن الذي يضمره؟.. للجواب عن هذا السؤال نفتح "سفر العاشق" ونقرأ.. فما تراه يقول وأين هو الآن بعد هذا العمر؟

يمكن القول إن ثمة خطين ينتظمان هذه المجموعة؛ الأول يتعلق بالأسفار وقراءة العالم الخارجي بعينين محليتين، هما عينا المؤلف طبعا، والثاني درامي يتعلق بشعور الكهولة بالخيبة وفوات الفرص، مع العلم بأن الخط الأول يأتي في خدمة الخط الثاني، من حيث تصوير الغربة والاغتراب في إطار من الشجن الذي قد ينتهي بالموت من غير أن تتحقق الأحلام..

واللافت أن أبطال هذه القصص كثيرا ما يقرون بوصولهم سن الأربعين، في مقارنة مع الفرص التي فاتتهم مع نساء جميلات هن على الأغلب في سن الشباب، والطريف أن الكاتب يفضي بشجون سنوات الأربعين فقط، كأنه يحذر شبح الشيخوخة الذي يقف بالمرصاد لجيل منكود لم يحقق أحلامه في الشباب ولا يعرف كيف يتدبر حياته وهو يعارك السبعين.

وبقليل من المماحكة الشكلانية، نرى أن الكاتب لم يقم بتشكيل حروف كلمة "سفر" في عنوان مجموعته، فهل هو سفر بمعنى الرحيل الذي يلزمه فتحتان على السين والفاء، أم هو سفر بمعنى التاريخ الشخصي أو العام ما يقتضي كسر السين وتسكين الفاء؟ وواقع الأمر أن القراءتين تناسبان واقع الحال.. فهو في هذه القصص يسافر إلى اليونان وكريت وباريس والأردن والنمسا وتشيكوسلوفاكيا أو يحلق على متن طائرة تنقله إلى بلد بعيد، ومن جهة ثانية هو "الذي حضر متأخرا" بحيث فاتته فرصة الحب، وهو "العجوز والحمام" و"مطر الخريف" و"عازف الأرغول" الذي جرب أشياء كثيرة وكان يمنى بخيبة دائمة.

في قصته "دستور يا شيخ علي" يتطرف الكاتب في امدادنا بمعلومات مستقاة من حياته حتى تكاد تتحول القصة إلى شبه مذكرات من ذكرين التي هي قريته فعلا، إلى زينب التي هي أمه التي توفيت إثر حادث أليم في بابور الطحين، إلى معزوزة وهي أخته الطفلة التي ماتت مع والدته.. وفي هذا الجو الاوتوبيوغرافي يقص علينا رشاد قصة حبه اليائس المبكر الذي تدخل في إخفاقه جور الفقر وحرب حزيران.

وفيما نتابع هذا الفضاء السردي نستعرض تعريف رشاد لفن القصة القصيرة، كما أوضحه على الغلاف الأخير من المجموعة: ليست القصة القصيرة فن السهولة، ولكنها فن النفس والروح.. الفن الذي يسبر أعماق الانسان، وتحولاته، وأشواقه..

الوحدة والاغتراب

قصة عنوانها "البكاء في المترو" ولكن هل التي تبكي هي الفتاة وحدها؟ أعني راكبة المترو التي تخيلها الكاتب تقرأ في جريدة وتضحك، وفي وقت آخر تبكي؟ أم هو الكاتب الذي تتابع الفتاة كتاباته في الجريدة فيبدو لها مرحا حينا وحزينا غاضبا أحيانا.. إنني أقرأ لكاتب يضحكني مرة ويبكيني مرة.. هكذا تقول الفتاة وهي تتابع سيرة ذلك الكاتب الذي فقد أمه في طفولته المبكرة، وسجن والده، وماتت شقيقته الصغيرة، وتاه جائعا في أزقة المخيم..

والآن يسأل القارئ - الذي هو أنا أو أنت - عمن يبكي في هذه القصة.. فتاة المترو أم هو الكاتب الذي أصبحنا نعرف أنه رشاد أبو شاور، وعندما يلجأ الكاتب، في لحظة نكوص أو تأمل، إلى القارئ المجهول يمحضه شكواه.. فهل من تفسير مباشر للحالة إلا أنها حالة وحدة واغتراب؟ وها نحن أولاء ندلف إلى القصة التالية مباشرة.. عنوانها "مطر الخريف" - على ما للخريف من معنى وظلال عندما يتعلق الأمر بالعمر - فنحن أمام كاتب ستيني - لاحظوا أنه كاتب - وهو في المقهى - أهي البطالة أم التقاعد؟ - يرتعش قلبه لمرأى فتاة في الثانية والعشرين.. يظن أنه يتقرب منها، فتبتسم وتقول: باي باي عمو.. وله أن يتساءل: ها أنذا في هذا العمر.. وكله من عضلة القلب.. إذا كان القلب يفكر ويختار. فلماذا لا نستجيب لرغبته. لو أنه وجه هذا السؤال إلى أبي العتاهية لاجابه ببيته الشهير:

ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب

ولكنه لم يسأل أبا العتاهية بل كتب هذه القصة التي لم توقعنا في غواية الميلودراما حول وقوع كبير السن في حب فتاة بعمر أبنائه، ولكنها وشت بحنين الى ما فات، يوم كان القلب يعقل والعقل يختار.. أما في هذا العمر الخريفي، فليس إلا الشعور الأليم بالوحدة، حيث لا شريك ولا عزاء.. وعلى هذا النسق تجري قصة "سفر العاشق" التي تدور حول العجوز الذي تعلق بالآنسة سوسن، إحدى معلمات الحي، فكان يعرض عليها بضاعته مجانا، إذ أنه بائع جوال، فتبتسم لمن تتعامل معه كرجل بمنزلة الأب وفوجئ ذات يوم بأنها انتقلت في عملها إلى حلب.. وبات يحلم بالسفر إلى حلب.. ونام في عهدة ذلك الحلم.. ومات.

إنها ميتة تذكرنا، من بعيد، بميتة أحد أبطال تشيخوف.. إذ من الممكن جدا ألا يكون ذلك موتا بيولوجيا، بل هو استغراق في الاغتراب والشعور بالوحدة، وتسليم بأن زمانه قد فات.

ومثل هذا الجو نطالعه في قصة "تشاو".. حيث يتعلق قلبه بفتاة مسافرة، في حدود الرابعة والعشرين، لكنها منهمكة في شأن آخر.. ولا يبقى له في النهاية إلا الهبوط من درج الطائرة وفي وعيه وأحلامه يدها الملوحة له مع كلمة تشاو.. فالحياة تكمل طريقها ويبقى الفراغ والحسرة.

آه لو سألتها عن اسمها، اسمها فقط.. وماذا لو سألها عن اسمها؟ إنها من جيل آخر وعالم آخر، وليس له إلا أن يتنهد قابضا على الفراغ، ولسوف يستذكر - إن لم يكن هو فأحد أبطال قصة سابقة أو لاحقة - أن الاختلاف الحضاري يبدأ بإشارة لا أهمية لها: إنه يقرأ من اليمين إلى الشمال. وإنهم في الغرب يسيرون، قراءة، في الاتجاه المعاكس.. وكما كان العمر سدا في كثير من هذه القصص، فإن اللغة هنا سد آخر.. وهو ما يؤكد ان بطله، وإن سافر وجال في الدنيا، يبقى وحيدا وحيدا.

على بساط الريح

"لم أكن أعرف أن النمسا قريبة إلى هذا الحد من بلادنا»، تخطر هذه الفكرة للرجل الأربعيني الأشيب وهو في الطائرة التي تقله من بلاد الشام إلى فيينا. فلنلاحظ أنه لم يحدد المدينة التي انطلق منها. فما يعنيه من هذه البلاد هو ما يدعوه الوطن العربي - تحديدا بلاد الشام. كان هذا في قصة "باقة ورد بانتظارها" وهو وإن حدد المسافة بين عمان وفيينا، فليس بهدف أن يفيدنا أنه ينطلق من عمان، بل ليوضح أن المسافة قريبة - ساعتان ونصف الساعة تقريبا. وهو إذ يقيس المسافة، إنما يشير ولو عن غير وعي قصد إلى المسافة الروحية والثقافية التي تفصل بين العالمين. هكذا نراه يتأمل الطائرة من الداخل، بوصفها وعاء معدنيا مغلقا طائرا، فيها مضيفات نشيطات ينشرن الطمأنينة بين المسافرين. ويشغله بشأن المسافرين أن الشبان منهم سيتوهمون أن المضيفات يغازلنهم "وإن كان مثلي أربعينيا فسيداخله شيء من غرور النضج والوسامة المكتملة حتى لو كان متوج الرأس بشعر أبيض ورمادي وقليل من الشعر الأسود. ولن يلبث أن يسأل المضيفة عما اذا كانت عيناها زرقاوين أم أنها تضع فوقهما عدسة.. ولسوف يتمادى في أحلام اليقظة فيما بعد، فيظن أنه سيحمل باقة ورد في انتظار هذه المضيفة حين يكون على الأرض وتكون هي في الطائرة خلال الرحلة القادمة.. أما المضيفة، فتمازحها زميلتها هامسة: معجب آخر.. أي أنها متعودة على هذا النوع من المعاكسات، بينما هو "شأن كل إنسان يمكن أن يقلق".

رأيت ان هذا الاستطراد في متابعة هذا المسافر - الراوي، لان رحلته هذه عينة من شعوره تجاه العالم الخارجي بمستوييه الجغرافي "حيث القراءة من الشمال الى اليمين" والعاطفي حيث نلحظ ردود افعاله البريئة تجاه المرأة المتمناة، حتى لو كانت فتاة عابرة في طائرة.. وستلفته المضيفة الاجنبية في القصة اللاحقة "ترانزيت" حين تكون رحلة الطائرة بين كريت واثينا. وفي القصة التي تليها "سائق كريتي غيور جدا" سوف يتخيل منافسة صامتة بينه وبين السائق الكريتي على فتاة من هاينا.. والطريف أنه يحفظ اسماء الفتيات. فهذه بيتينا، وبطلة القصة السابقة تذكره بابنة الجيران عصمت.. فالنساء جميعا يلفتن نظره على الأرض او على بساط، ولا يهم ان تكون هذه من هاينا الكريتية وتلك من المخيم الفلسطيني!! ولاننا اوردنا اسم مدينة هاينا، فسوف نذكر له قصة تلي القصة التي نحن بصددها.. وعنوانها "في حديقة هاينا" وقد نلخص هذا الجموح الفطري الى الاخر - وهو في هذا السياق نساء اوروبيات - في قصة تفسر هذا الشعور الاليم بالاغتراب، وهي بعنوان "رجل وحيد مع نفسه" حيث يغنينا العنوان من حيث المعلومات عن النص.. اما النص فهو قصة دافئة ترصد وحدة هذا الكهل واغترابه وتوقه الى التواصل الانساني الذي ان عز فليس له الا ان ينفرد وحيدا ويكلم نفسه.. وقد يعزي نفسه، هو الساعي الى الاقتراب من المرأة، بأنه صحفي وكاتب.. ولن يتردد في اخبار المضيفة انه يملك هذه الموهبة على امل الا تنساه بمجرد انتهاء الرحلة.. اما في حياته اليومية، فهو يحلم، وينام قرب زوجته مفترضا انها تعوضه عن المرأة المتمناة فيستغرق معها في "قبلة الحياة" وهذا عنوان القصة، ولن ننسى أن قبلة الحياة بمثابة اصطلاح طبي يحتاجه المصاب إذا غاب عن الوعي.. فلعل وعسى..

اعتقد بأن هذا القسم من القصص، هو من ادب المكاشفة الصريح، الضروري احيانا لنعرف ما يحدث في دخيلة الانسان الشرقي، سواء أكان على بساط الارض ام على بساط الريح..

وفلسطين ايضا

ليست هذه المجموعة فلسطينية المحاور، وليس ابطالها كمعظم ابطال قصص رشاد فلسطينيين او في حكم الفلسطينيين، مع ان جنسياتهم يكن ان تكون كذلك، ولكني اقصد ان الهم الفلسطيني لا يتصدر هذه القصص ولا يقود العلاقات التي تحكمها..

ولكن يموت الزمار ويده تلعب.. وصديقي رشاد ابو شاور أمد الله عمره، فلسطيني بامتياز، لانه كذلك اولا، ولانه دائما معني بأنه كذلك. فماذا عن هذا الجانب في قصص "سفر العاشق"؟

مع ذلك، يمكن ان تسرح قصة "دستور يا سيدي الشيخ علي" إلى مزارع (العوجا) على طريق نابلس او مشروع (العلمي) شرقا باتجاه الجسر قرب نهر الاردن، من غير ان يغفل عن (البقجة).. وهذه العلامات كلها: العوجا والعلمي والبقجة حاضرة في المشهد الفلسطيني، بل انه سيرفدها بالاشارة الى مخيم النويعمة ومدينة اريحا تعميقا لهذا النسب الوطني.

وفي قصة "حانة البيرة السوداء" يتساءل وهو في براغ عن مستقبله (وهل ارجع الى بيروت، فأتوظف في المنظمة؟) وحين يتباهى النديم التشيكي بأن نابليون زار هذه الحانة يجيب الراوي - الكاتب: انا لست معجبا بنابليون هذا.. وكونه زار المكان فهذا لا يعني انه جاء هذه البلاد سائحا كما فعل عندما "زار» بلادنا من قبل.. اتنسى حصاره لعكا؟وسرعان ما يعيده النديم الى اصله، فيسأل:

- هل تكتبون من اليمين الى الشمال؟

- نعم، هكذا نكتب لغتنا.. ويضيف مازحا: أنا لست تشيكيا.. تصور؟

اما في قصة "صخرة العاشقين" وهي قصة عاطفية فقد كان لديه وقت لادخال فلسطين على السياق: (لما انسحب الانكليز واليهود، اخذ الفلسطينيون يتفقدون شهداءهم وجرحاهم.. وقد ادهشهم ان صخرة العاشقين مبللة بالدم)..

ما اردت ان اقوله من استحضار هذه الشواهد وغيرها، ان من الطبيعي لاي كاتب ان يفيد من واقعه الجغرافي، ان لم يكن من واقعه فمن محيطه على الاقل، وبهذا المعنى فإن ما فعله رشاد ليس مستهجنا، ولكن المهم ان شذرات الواقع التي تشير اليها قصصه لا تكتفي بالاخبار عن هوية الكاتب او مسقط رأسه، بل تصب في صلب التراجيديا التي صدر عنها قبل ان يكون كاتبا. لقد حوصرت عكا منذ ايام نابليون. ولكن ما هو وضعها الآن؟.. وذهب العاشقون لكتابة اسمائهم على الصخرة، لكن الصخرة شهدت دراما دموية في احد فصول الصراع الفلسطيني فتبللت حتى صخرة الحب بدم المواطنين..

في امثالنا يقولون: انا منك هارب وانت متعلق بالشارب.. وتلك هي فلسطين التي تلاحق الفلسطيني الجريح كندبة تدل عليه.. انها عالقة بالروح، ومتعلقة بشوارب الرجال..

وكأي موضوع صارخ في حساسيته، يمكن ان يساء فهم الاشارة اليه ممن يتهمون الادب الفلسطيني احيانا بالابتزاز او المتاجرة بالجرح.. اما صاحب الامر فلا يعنيه هذا الفهم المسيء الا بمزيد من الدق على جدران الخزان.. صحيح انه خزان العرب جميعا، ولكنه الحلم الصعب الذي يلاحق الفلسطيني التائه الى عمق المنام وساعات الصحو..

ألا هل بلغت؟

الذات والموضوع

تحتل هذه المجموعة بين اعمال الكاتب، موقعا يخص التحام الشأن الذاتي بالهم الموضوعي.. ولطالما علقنا نحن اصدقاء رشاد بانه يكتب كما يفكر مباشرة او حسب التعبير الشعبي، من قلبه الى لسانه، وهو الى قلمه ما دمنا في حضرة الكتابة.. واذا كان الامر كذلك فما الجديد في هذا الخطاب الادبي؟

لا خلاف على ان الاسلوب هو الرجل، فكلام الفرنسيين هذا يصدق على الكتاب جميعا من باريس التي تلفظ الراء غيناً الى فلسطين التي تكتب من اليمين الى اليسار، والسؤال في هذا المقام، هو "من هو هذا الرجل؟".

إنه رشاد محمود ابو شاور، لا ذلك الذي يضع اسمه على الكتاب وحسب، بل انه ذلك الموجود في ثنايا الكتاب وفحوى هذه القصص. هو ذا في قصة عازف الارغول، يحضره صديقه، صديقنا معا، الكاتب رسمي ابو علي فيذكره بالاسم، بل يشير الى نوع الادب الذي يكتبه رسمي، ولسان حاله انه اذا كانت الشخصيات الأدبية التي نبتكرها مستلهمة من الواقع فما الذي يمنع ان نذهب الى الواقع ونقتاد شخصياته مباشرة الى ما نكتب؟.. طبيعي أن يجيب الناقد المتخصص، أن القصة الواقعية لا تعني التصوير الفوتوغرافي، وأن هناك مساحة في الابداع هي من حق الخيال الفردي للكاتب.. وهذا صحيح، لكن الصحيح ايضا أن الفن الحديث يتسع لبعض الكولاج حيث ننتزع الصورة وندسها في جسم النص في عملية جراحية متقنة تضمن ان النص لن يلفظ الجسم الغريب.. على ان شخصيات رشاد القصصية والواقعية على حد سواء، ليست اجساما غريبة، بل هي ذاكرته وشهادته وخياله ورأيه في وقت واحد.. يساعده على ذلك ان قصصه في هذه المجموعة "سفر العاشق" تمتح من مونولوجه الباطني وتختلج في نبضه اليومي، شجناً أو أسى أو عاطفة أو ما شاء له الاحساس بذلك. أي أنه يقدم قصة لا وشاية.. فهو يصادق أبطاله أو يحاكمهم أو يحكم عليهم لا لإثارة فضيحة اجتماعية بل لتصوير مقاطع من الحياة التي يعيشها ويتمثلها. هكذا يكون الشأن الذاتي طرفا فاعلا في الهم الموضوعي، فالكاتب ابن الحياة، ومن حقه على أمه الحياة أن تمده بموضوعاتها وشخصياتها، على أن يقدم فناً. وهذا ما يفعله هذا الكاتب المطبوع.

27/7/2012







® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600