"قناديل ملك الجليل" لابراهيم نصرالله: ملحمة نثرية بكامل عدتها التاريخية والفنية -
د. محمد عبد القادر


عندما انتهي الكاتب الشهيد غسان كنفاني من كتابـــة روايتــــــــه الموسومــــة ب 'ما تبقى لكم' قال: لقد شعرت أن وليام فوكنر ينهض ويصافحني بحرارة. وعندما انتهيت من قراءة رواية إبراهيم نصرالله الأخيرة ' قناديل ملك الجليل' شعرت بأن التاريخ الفلسطيني ينهض ليصافح بإجلال واعتزاز هذا الشاعر الروائي المبدع الذي نلتقي اليوم من أجل مناقشة ملحمته الروائية التي سنشير إليها لاحقاً ب 'القناديل' .

نصرالله مبدع يأتي في وقته دائما، سواء أكان شاعراًًً أم روائياً، مدفوعا ليس فقط بموهبته العالية وثقافته الواسعة، بل أيضاً بإحساسه الشديد بعظم المسؤولية الوطنية والقومية والإنسانية الملقاة على عاتقه حيال قضيته الأساس، وحيال القيم الإنسانية الكبرى. لقد أضاءت قناديل نصرالله حقبة من الزمن الفلسطيني بلغت قرنا إلا قليلا، اسمها 'ظاهر العمُر'، 'الظاهرة' التي قلما التفت إليها مؤرخون ودارسون ومبدعون حتى جاء الكاتب فنفض الغبار عن مرحلة أساس في التاريخ الفلسطيني، وكشف فنياً عن معالم شخصية قاربت تخوم الأسطورة، في ولادتها ونشأتها وتطورها وتحدياتها وانجازاتها، وفي نهايتها المفجعة.

ولأقُل بصراحة بالغة، أنني لم أشعر بجهلي الشديد في تاريخ القضية الفلسطينية، ولم أشعر بحجم التقصير الذي ارتكبه الباحثون والدارسون والتربويون في المؤسسات الثقافية ومراكز الأبحاث الفلسطينية بقدر ما شعرت به اثر انتهائي من قراءة ' القناديل'. ويخامرني شك كبير، وأرجو أن أكون مخطئا في أن الكثير من المثقفين المهتمين بالقضية الفلسطينية لم يطرق مسامعهم اسم ظاهر العمر ودوره في التاريخ الفلسطيني خلال الحقبة التي عاشها من عام 1689 حتى عام 1775، تلك الحقبة التي مثلت الزمان الواقعي الذي رصدته 'القناديل' بخيال روائي مبدع، وبجهد باحث حفر بأظافره عميقاً في تاريخ فلسطين كي ينجز كتابة فنية تأسيسية تستند إلى مادة جدُّ شحيحة في التاريخ، وتسندها آفاق من التخييل الذي أستطيع أن أصفه بالتخييل 'اليقظ' ، الذي يرصد الواقع ويرسمه دون شطط كي لا يحيله وهما، بل إنه التخييل الذي يبني عالماً فنياً رحباً شديد التنوع والاتساع، متعدد الأبعاد، في سياق ممكنات الواقع والتخييل معاً دون مبالغة تشوّه ، أو وجل يقيّد.

فمن هو ظاهر العمر الذي أبدع نصرالله في تصويره كشخصية ملحمية بهذا البهاء في صعوده، وصموده، وسقوطه بعد أن اشتدت عليه مؤامرات الأباعد والأقارب وانتهت بوصول رأسه إلى الباب العالي؟
على مستوى التاريخ الواقعي جسّد ظاهر العمر أول محاولة فلسطينية لإقامة وطن فلسطيني حر ومستقل عن السيطرة الإمبراطورية العثمانية، ولعله مثّل أول تجربة كفاحية سعت إلى إقامة وطن عربي مستقل في الشرق يبدأ من أرض فلسطين. ولا شك في أنه قد حقق في هذا المسعى انجازات كبيرة بمقاييس ذلك الزمان، تمثلت في بسط حكمه على عكا ويافا وحيفا والجليل وإربد وعجلون وأجزاء من سورية وحوران وصيدا، فيما كانت صور في يد حلفائه المتاولة، شيعة جبل عامل في الجنوب، وبيروت في يد حلفائه الشهابيين، فيما لم يبق للحاكم العثماني غير ميناء طرابلس.

ومن يقرأ هذه الملحمة الروائية، ويشرع في تحليل هذه الشخصية الملحمية، سيرى في ظاهر العمر قائداً استثنائياً ذا رؤية لا تعرف حدوداً، فيما جسّد سلوكه منظومة قيمية وأخلاقية متماسكة، انتصرت لمبادئ الحق والعدل وقيم الحرية والكرامة الإنسانية لأبناء الوطن كافة دون تمييز. وبإيجاز شديد كان ظاهر العمر مشروعاً فلسطينياً وعربياً للحرية والوحدة والاستقلال، ما يعني أنه كان على وعي عميق بسؤال الهوية، بأبعادها وعناصرها المتكاملة.

ومثلما كان نصرالله لدى اختياره شخصية ظاهر العمر ليكتب 'القناديل' مدفوعا لإضاءة الأسس التاريخية الحقيقية لهوية الشعب الفلسطيني الممتدة عبر القرون على أرض فلسطين، فقد رأى في مسيرة ظاهر العمر إيماناً عميقاَ بمسألة الهوية، تلك الهوية التي تجسدت في كيان سياسي، و إن لم يكتمل، قادر على نقض كل الادعاءات الاستعمارية و المزاعم الصهيونية عن ' أرض بلا شعب '.

و لم تكن الهوية التي ناضل ظاهر العمر لتثبيتها و ترسيخها ذات بعد واحد، أو رؤية ضيقة محصورة في عنصر إثني أو قومي أو طائفي، بل كانت هوية قائمة على وعي واضح بالواقع المشترك، و التاريخ المشترك، والثقافة المشتركة بمكوناتها المنسجمة والمترابطة.
ولأنه كان يعي مضمون هذه الهوية فإنه لم يتردد في أن يسجد أمام باب كنيسة البشارة و يطلب النصرة من السيدة مريم، كما لم يجد غضاضة في أن يطلب من أسرة جريس أن تمارس طقوسها في الشراب بحرية تامة في حضوره. كذلك لم يتلكأ في الاستجابة لطلب بناء كنيسة للموارنة في الناصرة. أما حين يطلب إحصاء للفقراء في عكا ، فإنه يوصي بأن تضم القائمة أسماء الفقراء المسيحيين قبل فقراء المسلمين. على النقيض منه يقف القائد العسكري المملوكي محمد أبو الذهب الذي أمر بهدم كنيسة مار الياس قائلاً ' كيف يكون للنصارى قبة في بلاد الإسلام ؟' .

ويتسع نطاق الهوية عند ظاهر العمر ليرفض التمييز على أساس المذهب، وفي هذا السياق كان ظاهر العمر وثيق الصلة بالمتاولة، بل إنه حين قرر الاختفاء ذات يوم وجد في هؤلاء الحلفاء ملاذاً آمناً، وهم الذين عبر أميرهم ناصيف نصار عن موقف مطابق حين قال لقادته العسكريين 'في الوقت الذي طاردنا و يطاردنا فيه كثيرون لاختلاف المذهب، كان الشيخ ظاهر يحمي كل الناس، يحمي المظلوم والمستضعف، والمسيحي، واليهودي'.

و بإيجاز أقول إن ظاهر العمر كان يعمل طوال مسيرته على إرساء أسس دولة حديثة حتى بمقاييس هذا العصر ، دولة قوية ، محصنة بالأسوار و الأبراج و ما يتوافر من أنواع الأسلحة.
كان لدى ظاهر العمر وعي واضح بأن الهوية العربية المتماسكة لا بد لها أن تتجاوز التمركزات الطائفية والمذهبية، فالمسيحي ليس 'الآخر'، وكذلك الشيعي، أما 'الآخر' الحقيقي فهو المحتل العثماني الذي ينبغي العمل على التخلص منه. ومن هنا لم ينخدع بالأساس الديني والمبرر المذهبي للهيمنة العثمانية على مقدرات الوطن، فهو وإن كان يدرك أن المرحلة كانت تفرض عليه أن يدفع الضرائب للسلطة المحتلة، فقد كان يؤثر أن يؤديها دفعة واحدة قائلاً 'لا أريد أن أرى أيا من موظفي الدولة وعساكرها هنا أكثر من مرة في العام'.

وقد اختصر ظاهر العمر تقييمه للحكام العثمانيين للمنطقة بأنهم ليسوا سوى 'وزير جشع واحد'. هذا الوعي المتقدم لفهم الدين باعتباره مسالة سلوك في نهاية المطاف، هو الذي انطق ظاهر العمر أمام أخيه سعد بقوله 'أنا لا يعنيني ما تؤمن به، يعنيني ما الذي يمكن أن تفعله بهذا الإيمان ... تبني أم تهدم، تظلم أم تعدل... هؤلاء الذين يسرقون عرق جباهنا ويذلون أهلنا من مذهبك ومذهبي... والله يا سعد لو وقف بباب قلبي رجلان، رجل عادل من أي مذهب أو ملة أو دين، ومسلم ظالم لأسكنت الأول قلبي وطردت الثاني'.

دعونا الآن نتناول شيئاً من الجانب الفني للرواية، فإذا ما استخدمنا عتبات النص ابتداء بعنوان الرواية فان اللفظة الأولى التي نلمحها هي 'قناديل'، وارى أن استخدام القناديل في الرواية جاء ليخدم وظيفتين رئيسيتين:

الأولى: الإسهام في رسم الأجواء العامة للرواية في أبعادها الاجتماعية والأسطورية في الوعي الشعبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبذا وظفها نصر الله توظيفاً بديعاً أضفي على الرواية هالة أسطورية لا تخلو من إثارة وتشويق.

أما الوظيفة الثانية، فتتمثل في الرؤيا المناقضة للوعي الأسطوري السائد فيما يتصل بالقناديل، هذا الوعي البديل مثله ظاهر العمر نفسه. تقول الأسطورة أن من تنطفئ شعلة قنديله أولا لن يعيش طويلا، ولذا كلما شعر إخوة ظاهر أنهم يلامسون حافة الموت كانوا يشعلون قناديلهم لمعرفة من سيقترب أجله منهم.

أما الوعي النقيض الذي مثله أخوهم في حديثه مع سعد فقد جاء على النحو الآتي:

' لقد مضى الزمن الذي كنا فيه ننتظر القناديل أن تنطفئ يا سعد. لم يتركوا لنا من سبيل سوى أن نشعلها، ثم نشعلها أحياء كنا أو أمواتاً'.

فما صلة ذلك بالعنوان؟ وأي قناديل ينطوي عليها عنوان الرواية؟ فإذا كان العنوان يربط القناديل بملك الجليل، فان القناديل لا بد أن تكون قناديله، التي هي منظومة القيم المتمثلة في الحرية والحق والخير والعدل والعقل، وهذا هو الأهم.

على أن الأبعاد الأسطورية تمتد لتصل إلى لحظة ميلاد ظاهر، ذلك الميلاد الذي تزامن مع وفاة أمه. لقد كان استمرار ظاهر رضيعاً حياً بلا أم أشبه بأسطورة، أو قل إن الأسطوري والرمزي يشتبكان ليحيلا إلى مستقبل طفل مقبل على الحياة بصورة استثنائية. هنا يعود نصر الله إلى خيوله في 'زمن الخيول البيضاء' ويجعل، على لسان نجمة، من الفرس البيضاء مصدر حياة الطفل الرضيع، مثلما ستستقر رمزياً نجمة في قرية 'الهادية' في النهايات. والهادية كما تعلمون هي القرية التي دارت فيها أحداث 'زمن الخيول البيضاء'.

في الواقع ولد ظاهر العمر وماتت أمه فكانت نجمة زوجة أبيه التي لا تنجب أصلاً عاجزة عن إرضاعه، فأرضعته من حليب حليمة، الفرس البيضاء، أفي هذا إشارة رمزية إلى شيء من النبوّة؟؟ في شخصية ظاهر. توحد ظاهر مع حليمة التي رضع حليبها، لكنه توحد أيضا مع نجمة، نجمة التي تقدس الأرض مصّرة على السير حافية القدمين حتى لا تفقد التصاقها بالتراب، وحليمة/الفرس، الرمز الخالد للقوة والجمال والعطاء. هذا رضيع يصر على الحياة رغم موتٍ يحوم حوله، فكان مجرد بقائه حياً تحدياً للموت وانتصاراً عليه لمدة ستة وثمانين عاماً.

دعوني أختم هذه القراءة السريعة والبسيطة بالقول إن 'قناديل ملك الجليل' هي الملحمة الروائية الرائدة في تاريخ الرواية الفلسطينية، وهي التي ستردم الهوة ما بين الملحمة الشعرية الفلسطينية التي أبدعها عدد من الشعراء الفلسطينيين الكبار والملحمة الروائية التي ظلت غائبة لعقود طويلة بالرغم من العمق التاريخي البطولي والملحمي للتجربة الفلسطينية على امتداد تاريخها. لقد جاء إبراهيم نصر الله في أوانه تماماً، وجاءت 'القناديل'، درة إنتاجه الروائي، ملحمة نثرية بكامل عدتها التاريخية والفنية، لتشكل عهداً جديداً غير مسبوق في الرواية الفلسطينية.



14/6/2012






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600