آخر كبـار النهضة الموسيقية - الياس سحاب

ها هي آخر مصابيح التنوير الثقافي والعقلي العربي في القرن العشرين، الذي انطلق اشعاعه في الغالب الاعم من القاهرة وبيروت، تنطفئ مصباحا بعد الآخر في العقد الاول من القرن الحادي والعشرين (آخر المصابيح المنطفئة يوسف شاهين، صلاح الدين حافظ، كامل زهيري، محمود أمين العالم، منصور رحباني).

ولد منصور رحباني على موعد مع القدر الحضاري والثقافي للعرب المعاصرين، على الحد الفاصل بين نهاية الربع الاول من القرن العشرين، وبداية الربع الثاني، بعد ان كان قد سبقه الى هذا العالم قبل عامين اثنين شقيقه الاكبر عاصي.

في ذلك التوقيت بالضبط، كان العبقري الاستثنائي سيد درويش قد وضع في خلال سنوات ست من الثورة الجامحة، كل قواعد تأسيس مدرسة القرن العشرين في الموسيقى العربية، كما كان مجايلو سيد درويش وتلامذته المباشرون (محمد القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي)، قد انطلقوا في القاهرة يفجرون مواهبهم في استكمال عناصر المرحلة الذهبية الاولى بعد سيد درويش، في تحديد معالم النهضة الثانية للموسيقى العربية المعاصرة، المكملة للنهضة الاولى في القرن التاسع عشر، والمكونة في رحمها.

وفيما كان هؤلاء الفرسان الاربعة بشكل خاص منهمكين في مهمتهم الحضارية، كانت الاقدار تهيئ في كل من مصر ولبنان، بشكل خاص، ولادة مجموعة من عباقرة الموسيقى من ابناء الجيل الثاني، الذين سيحملون على اكتافهم في الربع الثالث من القرن العشرين، مسؤولية المرحلة الذهبية الثانية بعد سيد درويش في الموسيقى العربية (مثل محمود الشريف وأحمد صدقي وكمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي في القاهرة، وعاصي ومنصور رحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وفيلمون وهبي وعفيف رضوان في بيروت).

لكن تلك المرحلة الذهبية الثانية تميزت في بيروت بالذات (بعد نكبة فلسطين مباشرة) بأنها حملت وحضنت بذور نهضة موسيقية مشرقية كاملة في الموسيقى العربية المعاصرة، جاءت رديفا جميلا وحضاريا بالغ الثراء، للنهضة المنطلقة في القاهرة.

لقد تبوأ الثنائي الرحباني موقعا مميزا في كوكبة الفرسان المشرقيين للنهضة الموسيقية العربية المعاصرة، خاصة منذ ان كونوا الثلاثي التاريخي: عاصي ـ منصورـ فيروز.

وإذا كان الثنائي الرحباني قد رحل الآن عن الدنيا وهو يحمل معه اسرار التمايز بين عاصي ومنصور في الابداع الفني، تحت الراية التاريخية للاخوين رحباني، التي اصرا على الاستمرار في رفعها، حتى النفس الاخير، فإن بإمكاننا، من باب التحليل والاستنتاج، والافادة من زلات لسان عابرة لمنصور رحباني، ان نخمن اليوم ان عاصي الرحباني، كان حارس الينابيع العربية المشرقية في الفن الرحباني، بينما كان منصور حارس ينابيع التأثر بالموسيقى الاوروبية الكلاسيكية، ابداعا وعلوما نظرية.

يصعب في حضرة لحظة وداع آخر كبار النهضة الموسيقية، استحضار كل عناصر المساهمة الرحبانية في هذه النهضة، لكن من المؤكد ان المدرسة الرحبانية كان لها ـ كما اشرنا ـ شرف التعبير عن مواصلة النهضة الموسيقية العربية، كما اطلق عنانها سيد درويش وتابعها بشكل خاص محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب، من جهة، وشرف التعبير من جهة ثانية عن ولادة الفرع المشرقي التاريخي المعاصر في هذه النهضة المشرقية. لذلك لم يكن من باب الصدفة ان تتكامل هذه العناصر كلها، مع صوت فيروز وأدائها المميزين، لتجعل من »فلسطينيات« الاخوين رحباني (راجعون، زهرة المدائن، القدس العتيقة، جسر العودة، بحارة يافا، اجراس العودة)، بين ارقى وابقى ما صدر من اعمال فنية تعبر عن تفاعلات القضية الفلسطينية في العمق العربي عموما، وفي المشرق العربي المحيط بفلسطين خصوصا، مما جعل المؤسسة الرحبانية (وصوت فيروز)، تبدو المؤسسة الفنية المكرسة لعرب المشرق عموما، وليس لعرب لبنان وحدهم.

وداعا منصور رحباني، وإلى لقاء، نرجو ان لا يطول انتظاره، مع ارهاصات نهضة موسيقية عربية جديدة في يوم ما من القرن الحادي والعشرين.


بطاقة

ـ من مواليد انطلياس عام .1925 ينتمي في اصل جدوده الى قرية رحبه في عكار.

ـ تلقى دروسه الاولى في مدرسة راهبات عبرين ثم انتقل بعدها الى مدرسة فريد أبو فاضل في انطلياس، ثم الى مدرسة القلبين الاقدسين في بكفيا، ولاحقا الى مدرسة كمال مكرزل. كان طالباً كسولاً في المدرسة وكثير الهروب منها.

ـ في العام ،1933 عمل مع شقيقه عاصي في مقهى المنيبع في شويا.

ـ في أواخر الثلاثينيات عاد للإقامة في انطلياس بعد ان تخلى والده عن مقهى »المنيبع« وفتح دكاناً في ساحتها وكان منصور توقف عن التحصيل العلمي لمساعدة والده، أما شقيقه عاصي فامتهن التدريس.

ـ في خريف العام 1938 تعرف على الأب بولس الأشقر (1882ـ1952)، وهو مؤلف موسيقي موهوب، وتتلمذ على يديه مع شقيقه عاصي ست سنوات، تعلما خلالها المقامات الشرقية، والأنغام العربية، وكتابة النوطة.

ـ شارك في تمثيل العديد من المسرحيات المدرسية.

ـ أصدر مجلة »الأغاني« وضمنها الاخبار والقصص المتسلسلة، فلاقت رواجا مماثلا لمجلة »الحرشاية« التي كان يصدرها شقيقه عاصي.

ـ اشترك مع عاصي في تظاهرة دعا إليها الشيوعيون في انطلياس.

ـ في العام 1941 دخل سلك الشرطة القضائية في بيروت. انتقل بعد فترة للعمل موظفاً في الأمن العام ايام الانتداب الفرنسي وتسلم مسؤولية النظارة. عيّن مسؤولاً عن مخفر الجميزة، ثم مراقبا لمطاحن بيروت، ثم مسؤولا عن القلم العدلي وتوزيع الاحكام للتنفيذ.

ـ عمل مع أخيه عاصي على تكوين فرقة فنية جوالة اطلقا عليها »فرقة ولاد الرحباني«. جالت على القرى والدساكر المجاورة، واقامت الحفلات وصار لها جمهور يتابع اعمالها وينتظرها بشغف في مقهى سعادة على الدورة، ومقهى منصور على الزيتونة، وفي مقاهي عاليه وسائر المصايف اللبنانية.

ـ في العام 1945 بدأ يتعامل وشقيقه عاصي مع الاذاعة وكان الداعم الكبير لهما ميشال خياط.

في العام 1948 استدعى فؤاد قاسم مدير البرامج في الاذاعة عاصي وعينه في الإذاعة عازفاً. والتحق بالاذاعة ايضا منصور ليشارك عاصي في التأليف الموسيقي، من يومها بدآ يوقعان اعمالهما: »الأخوين الرحباني«.

ـ التحقا بدروس في التأليف الموسيقي لدى برتران روبيار (وكان استاذاً في الاكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة) »لان ما تعلمناه مع بونا بولس الأشقر يكفينا على صعيد الهواية ولا يزودنا بمادة الاحتراف«.

ـ في العام 1949 بدأت العلاقة المهنية بين عاصي ونهاد حداد (فيروز في ما بعد) وأول اغنية لحنها لها »حبذا يا غروب« من شعر قبلان مكرزل.

ـ في العام 1952 التقى وعاصي صبري الشريف (رئيس القسم الموسيقي في اذاعة الشرق الأدنى) ووقعا معه اتفاقا على مجموعة من الأغاني ثم عمل في تلك الاذاعة من 1953 حتى وقوع الاعتداء الثلاثي على مصر سنة 1956 فأوقفا التعاون معها.

ـ في العام 1953 قدم استقالته من الشرطة وانصرف مع عاصي الى الاعمال الفنية، فأنتجا برامج اذاعية.

ـ في العام 1963 شارك في تأليف الفرقة الشعبية اللبنانية وتولى صبري الشريف ادارتها.

ـ أهم المحطات المسرحية: أيام الحصاد .1957 عرس في القرية .1959 موسم العز .1960 البعلبكية .1961 جسر القمر .1962 دواليب الهوا .1965 فخر الدين .1966 جبال الصوان .1969 ناطورة المفاتيح .1972 قصيدة حب .1973 بياع الخواتم .1964 هالة والملك .1967 الليل والقنديل .1963 الشخص .1969 يعيش... يعيش .1970 صح النوم .1971 ناس من ورق .1972 المحطة .1973 لولو .1974 ميس الريم .1975 بترا .1978

ـ أما المحطات السينمائية فتمثلت بثلاثة أفلام: بياع الخواتم (1965)، سفر برلك (1966)، بنت الحارس (1968).

ـ بعد وفاة عاصي بعام واحد انتج مسرحية »صيف 840« ووقعها »الأخوين رحباني«، الوصية (1992) وآخر أيام سقراط (1998)، وقام في اليوم الثالث (2000)، القداس الماروني (2000)، ابو الطيب المتنبي (2001)، وملوك الطوائف (2003) و»حكم الرعيان« (2004)، زنوبيا (2007) وعودة الفينيق (2008).

ـ اصدر كتابين أهداهما الى عاصي: أسافر وحدي ملكا، أنا الغريب الآخر.

ـ من أقواله في الفن والفنانين:
ـ اشهد للتاريخ ان لصبري الشريف هذا الرجل المبدع فضلا عظيما على الموسيقى اللبنانية.

ـ جورج شحادة افادنا في بناء الهيكلية المسرحية ونوع اللغة التي تكتب بها، علمنا مبدأ التضاد (الهبوط من اقصى الرومانسية الى ادنى الواقع) وكان يحذرنا من الاسترسال في اللغة الوردية المعطرة.

ـ سعيد عقل كان منعطفا مصيريا في حياتنا.

ـ ميشال طراد صديق كبير على الصعيد الشخصي لكنه لا يحب شعرنا.

ـ صباح ركن اساسي في مسيرتنا الفنية.

ـ نصري شمس الدين يتمتع بكفاءات نادرة.

ـ فيلمون وهبي بشخصية سبع محطة كبيرة في مسيرتنا الفنية، وله فضل كبير في نجاح أغان كثيرة في اعمالنا كتبناها ولحنها هو وغنتها فيروز.

ـ عاصي أفضل شاعر دراماتيكي عرفه العصر.

ـ عاصي وأنا جربنا ان نغير العالم، ان نخلق وطناً للناس وناساً للوطن. أخاف على اولادنا ان يصابوا بالخيبة.

ـ منذ البداية قررنا أنا وعاصي الا نمدح غير الأرض والشعب والأركان من دون ان نقبل هدايا واكراميات.

ـ لا يوجد مسرح غنائي عربي الا عند سيّد درويش والأخوين رحباني.

ـ نحن من صنع صوت فيروز وبلور خصوصيته.

ـ أنا بكل تواضع... مبدع كبير.

ـ عندما يكون لدي مال اعيش عيشة الملوك. وهمومي تبدأ »بالطفر«.

ـ القدس لنا... وإسرائيل اقامت أمجادها على أرواح شعبنا.

ـ قالوا اننا بنينا وطنا وهميا وإنه تهدم مع الحرب، لكن ما انهار ليس »وطننا« بل وطن صيغة .1943





22/1/2009



® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600