الموسيقار العراقي عمر منير بشير: الساهر والاعظمي صرعة من صرعات القرن العشرين


لندن من أحمد خليل العزوز: مرت حياة الموسيقار عمر منير بشير في عدة مراحل أخذت كل مرحلة منها وقتها وجمالها وتعليمها الموسيقي ، ففي مرحلة النشأة والطفولة التي مر بها الموسيقار عمر التي كانت تمثل الايام الذهبية والتألق الفني بالنسبة لوالده الموسيقار الذي لاينسى الراحل منير بشير الذي وصلت شهرته الى القمة في العزف على الة العود والتأليف الموسيقي ونالت معزوفاته الاعجاب والترحيب على أكبر مسارح العالم ـ وعن شهرة عمه الراحل جميل بشير الذي يعد من أوائل العازفين على الة الكمان في الوطن العربي وعمه الاخر فكري بشير الذي كان مديرا لمدرسة الموسيقى والباليه العراقية وعازفا مبدعا في السمفونية العراقية وكذلك زوجة عمه أكنس بشير عازفة بيانو واستاذة ومؤلفة موسيقية كبيرة و جده الراحل عزيز الذي كان صانعا ماهرا للالات وساهم بدورا مهما في تطور صناعة الالات الموسيقية في العراق ..

إن هذه الجينات الرائعة وهذه الذكريات الجميلة من الطفولة والنشأة السليمة وسط عائلة تهتم إهتماما كبيرا في الفن والثقافة و الموسيقى بالذات غرست في الموسيقار المتألق عمر منير بشير الحب للموسيقى والاصرار على تكملة المسيرة والرسالة التي جاءت بها هذه العائلة الكريمة التي استطاعت أن تنشأ جيلا كبيرا ما بين محبين ومتذوقين وعازفين محترفينن ، ومن هنا ومن هذا الرحم الجميل ولد الموسيقار المبدع عمرمنير بشير ومعه الحجر الاساس لتحديد مسيرته وحياته، أما عن مرحلة الصبا وهي المرحلة المتوسطة في مشواره الفني التي بدء نجمه يبزغ فيها ويتسلق الى الاضواء من خلال مشاركاته في النشاطات الفنية الوطنية المهمة التي شب عليها وهو محملا بخزين كبير من الأرث والعلم الموسيقي التي ورثته له هذه العائلة الموسيقية التي ساهمت مساهمة كبيرة في تطور الحراك الموسيقي العراقي المعاصر وخاصة مكانة والده في الوسط الموسيقي العراقي والعربي ،وهنا في هذه المرحلة (مرحلة الصبا ) تمكن عمر بشير أن يبني الكثير من شخصيته الموسيقية حيث بانت ملامح اسلوبه واتجاهاته ، وبعد هذه المرحلة المهمة من حياته جاءت مرحلة جديدة في حياة هذا الموسيقار الشاب وهي التسلق الى النجومية ليجول بعوده العراقي العربي الأصيل أهم قاعات العالم حيث عزفت أنامله أجمل المقطوعات الموسيقية مستندا فيها على مدرسة والده المحملة بتراث العراق من المقامات العراقية الاصيلة، لقد درس الفنان عمر بشير الموسيقى وأتقن العزف على الكثير من الالات الموسيقية الغربية لكن حبه لالة العود التى غرسها فيه والده الراحل منير بشير جعلته متمسكا بها ، وقد تمكن من خلال تجربته الموسيقية أن يزاوج العود ويشركه مع الات موسيقية عالمية ونجح نجاحا كبيرا وذاع صيته في أرجاء الوطن العربي والمعمورة . إن لقائنا مع الفنان العراقي عمر بشير هو لكي نطَلع جميعا على مراحل تطور حياة هذا الموسيقار العراقي المتألق ..تعالوا معي

* كيف ومتى دخلت المجال الموسيقي ومن يقف وراء ذلك ؟ وكيف تم إختيار الة العود ؟

- دخلت المجال الفني في سنة 1975 عندما كان عمري خمسة سنوات والفضل يعود الى والدتي التي شخصت موهبتي عن طريق العاب الاطفال من الة كمان وبيانو صغير وعندما كان والدي يتمرن على الة العود كنت العب بأوتار العود ، كان والدي يعارض بشدة دخولي عالم الموسيقى من جراء نظرة الناس الى الموسيقي انذاك لكن والدتي أصرت أن أكمل المشوار الفني الذي بدأ به والدي وأقنعته بضرورة أن يحمل واحد من العائلة اسمك لتكملة المسيرة والحفاظ على مدرسة العود التي بنيتها .أما سبب اختياري لالة العود ..الكل يعرف ان عائلة بشير تعني العود ، أعتقد بأن العود هو الذي إختارنا ..إختار والدي وعمي جميل بشير ثم إختارني أنا ..لأن نكون ممثلين لهذه الالة في العالم واليوم أستطيع أقول أن هنالك ثلاثة أساليب مختلفة هناك اسلوب جميل بشير ومنير بشير وأسلوب عمر بشير وأعتقد ان تجربتنا فيها فائدة كبيرة لمدرسة العود للأجيال القادمة لتتعلم منا بعض الأساليب الموسيقية التي بنيناها وكل بجهوده الخاصة والدي كانت له جهوده الخاصة وعمي جميل أيضا وأنا بعد ماعملت مع العديد من الموسيقيين وأختلاطي مع فنانين مهمين من العالم كونت شيئ اسمه عمر بشير إمتدادا لمدرسة منير بشير وهي من المدارس الكبرى لالة العود ، وفي عام 1979 في قاعة الخلد في بغداد تمكنت ان اقدم أول امسية في حياتي قدمت فيها مقطوعة سماعي نهاوند من الحان المرحوم والدي لم أكن اعرف في حينها أنا سأكون شيئ مهم في المستقبل .. فقط كنت أعرف بأني أعرف أعزف على الة العود ، وكان والدي يقول لي دائما انك ستكون عازف عود مهم في المستقبل لكن عليك ان لا تكون مغرور لان الفن اكبر منا جميعا وان العود عمره أكثر من 2300 سنة قبل الميلاد نحن نرحل ويأتي غيرنا لتكملة هذه الرسالة الانسانية العظيمة ، وكان دائما يعلمني التواضع والبساطة والتربية الفنية وأعطاني أسرار الة العود ودربني على كيفية التعامل مع الجمهور و أعطاني كل ما أخذه وتعلمه من استاذه الموسيقار الشريف محي الدين حيدر وكان أول حضور مهم لي مع الوالد سنة 1983 في المسرح الوطني وقدمني في وقتها وقال ان عمر خليفتي في المستقبل ، وفي سنة 1991 بدأنا أول ثنائي عود محترف استمر الى 1997 قدمنا العديد من الحفلات الموسيقية على الكثير من المسارح العالمية المهمة حيث اصدرنا اول سي دي ثنائي عود يحمل اسمي واسم والدي والذي حاز على افضل جائزة عزف موسيقي كما حصل على اكثر المبيعات في الوطن العربي ، وبعد هذه الخبرة المكثفة من جهود الوالد واجتهادي الخاص ودراستي لموسيقى شعوب العالم المختلفة أصبح لي اسلوبي الخاص الذي كون شخصيتي الفنية .

* والدك الموسيقار الراحل منير بشيركان يمثل الموسيقى العراقية والعربية هل فكرت بتأسيس بيت للموسيقى العراقية يحمل اسمه وأسم العراق ؟

ـ منير بشير أول من وضع الأسس لبناء مدرسة العود وهذا كان حلمه أن يؤسس بيت العود العربي بعنوان بيت العود من المشرق العربي الى المغرب أي ممكن أن يتعلم فيه الطالب كل شيئ يخص العود بطريقة منير بشير لان هناك مدارس في الوطن العربي للعود لكن يبقى لمدرسة منير بشير نكهة خاصة ومدرسة شاملة يتعلم الطالب فيها العزف على الة العود بكل اساليبها إن كانت عراقية أو خليجية أو مغربية ،وتركز طريقة منير بشير على صناعة عازف عود محترف وبأسلوب عربي شامل،الحقيقة كان هذا حلمه لكن القدر اخذه منا وأنا هذا هو حلمي ويهمني أن يكون في بلدي العراق مثل هذا المعهد يحمل اسم منير بشير.

* الكثير ينظرون الى الة العود بأنه سلطان الطرب والموسيقى وأكثر الالات يعتمد عليه في التلحين والغناء ، ماهو السر في ذلك ؟

ـ يبقى العود هو سلطان الالات الموسيقية أكثر ماهو للغناء وهو أصعب الة موجودة بين الالات الشرقية ومن خلال اختلاطي مع الباحثين في الموسيقى العالمية والخبراء بهذا المجال ..أخبروني بأن الة العود هي واحدة من أهم وأصعب وأقدم الالات الموجودة في العالم والسبب لو أنك تذهب الى أي بلد في العالم الى أي جزيرة ستشاهد ألة موسيقية تشابة أو من عائلة الة العود التي انتشرت منذ ذلك الزمان لغاية الزمن الحديث اليوم ، والسر الاخر كون ان ظهر الة العود ملتسق مع جسم العازف على جهة القلب يحظنها بشغف وحب عالي ولما يعزف يحس برنين الخشب ورنين الوتر والموسيقى وهذا يمنحه الهاما اكثر ويعطيه سلطنة وأندماج مع هذه الالة الرائعة ، وتعتبر هي الالة الاساسية في الموسيقى العربية يعتمد عليها الملحنين العرب في الحانهم والتي تقابلها الة البيانو في الغرب التي يعتمدون عليها في ألحانهم . وممكن أن أقول بأن الموسيقار الكبير منير بشير لعب دورا مهما في اعادة الة العود الى مكانتها ومركزها الأصلي بعد ما كانت تستخدم فقط في الفرق الغنائية . وعاد منير بشير في الخمسينات وكان أول موسيقي في تاريخ هذه الالة يقدم عزف منفرد لمدة ساعتين وعلى أشهر مسارح العالم ليثبت ان هذه الالة هي من الالات المهمة في العالم وان هذه الالة قادرة على أن تقدم عزف منفرد لمدة ساعتين متواصلة من الاداء الموسيقي .

* ماهي الالات التي ترافقك في الحفلات ؟ هل ستسير على ما سار عليه الوالد ؟

ـ بالنسبة لي ان الة العود هي الاساسية أما الالات التي ترافقني في الحفلات هي الات ترافق الة العود في كل حفلاتي في العالم ولغاية اليوم مع تقديري العالي لقيمة الالات الاخرى ، إن كل الة لها ثقلها ومكانتها ،مثل البيانو والكيتار والكمان لكنني اعتقد ان العود سيد الالات .. أما الالات التي ترافقني في الحفلات فأنا أستخدم البيانو وايقاعات شرقي وايقاعات لاتن بين الكونكة والبانكوز والايقاعات الغربية وأستخدم نوعان من الكيتار ،واحد يعزف بطريقة الريشة والاخر يعزف بطريقة الفلامنكو الغجري الاسباني أي يعزف بالاظافر وليس بالريشة ومعي البيز كيتار يعطي ضخامة للفرقة الموسيقة وكمانات عدد اثنان بالاضافة الى الة الجلو ..هذه الفرقة الكاملة استخدمها فقط عندما اكون في مناسبات وحفلات كبيرة يصل عدد الحاضرين فيها الى 5000 الى 6000 شخص اقدم فيها مقطوعات موسيقية من الحاني والتي تحتاج الى هذه الضخامة من الموسيقيين لكي اقدم توزيع متكامل على المسرح وبدرجة عالية من الصفاء والدقة ، وهذا هو هدفي الوحيد ..هذا تعلمته وأخذته من الفنان الكبير مايكل جاكسن الذي قال في احدى مقابلاته قال (أحب أن اقدم امسية لجمهوري في المسرح وكأنهم يستمعون الى سي دي ) اقصد هنا ان يكون العمل بدرجة عالية من الدقة من حيث الاداء الموسيقي والصوتي المتكامل وهذا طبعا يحتاج الى تمارين متواصلة يومية وجهود عالية لتقديم عمل على المسرح ناجح 100% .

اما بالنسبة لمدرستي الموسيقية .. نعم انا من مدرسة منير بشير وفي كل حفلاتي احرس ان اقدم العود المنفرد والمقامات العراقية وتقاسيم أو ارتجال أو بعض المقطوعات الخاصة للوالد لكي يطلع الجمهور الغربي على أصالة واراقة هذه الالة ولكي يشاهدوا أصالة الفن العربي ،واسمعهم المقام العراقي الذي تعلمته في معهد الدراسات الموسيقية في بغداد على يد امهر الاساتذة مثل الاستاذ القدير حسين الاعظمي وروحي الخماش وحسين قدوري وعاصرت أساتذة يحلم أن يراهم غيري ومنهم والدي منير بشير استاذي الكبير، وعاصرت فنانين عراقيين ساهموا مساهمة كبيرة في تطورالحركة الموسيقية العراقية المعاصرة مثل أخي وصديقي الفنان عازف الجوزة المبدع محمد كمر الذي وقف وساند زوجته الفنانة مطربة المقام العراقي السيدة فريدة محمد علي في مسيرتها الفنية وهو الذي وقف وراء نجاحاتها . هكذا كانت مسيرتي مع هؤلاء الاساتذة والزملاء والاصدقاء من الفنانيين المتألقين ، وستبقى مسيرتي هي امتداد لمسيرة والدي لكن أنت تعرف ان الفنان يحب ان يجتهد ويضع بصمة في حياته الموسيقية ويصنع له اسلوبه الخاص .. وأنا خلال عشرة سنوات تمكنت أن اقدم اسلوب خاص وهو اسلوب عمر بشير الذي قمت ولأول مرة بتاريخ العود بدمج هذه الالة مع الكيتار والالات الغربية بطريقتي أنا والتي أصبحت اليوم هي الاولى والمهمة عند الكثير من طلاب الموسيقى في الوطن العربي الذين اعجبوا بأسلوبي هذا ( اسلوب عمر بشير ) . المهم عندي هو أن أضع بصمتي وأن يكون العود دائما في المقام العالي ويسير على الطريق الذي جاء به زياب واسحاق الموسلي والشريف محي الدين حيدر وجميل بشير ومنير بشير، ولنكون نحن امتدادا لهذه الرسالة الانسانية الرائعة علينا أن نقدم شيئ مميز نفتخر به جميعا كعراقيين .

* الاستاذ محمد القبنجي وبعده ناظم الغزالي هما اللذان قادا ملامح التجديد في أساليب الاداء في القرن العشرين .. من هو برئيكم من المطربين المعاصرين اليوم أكمل هذه الرسالة على مستوى المقام العراقي والاغنية الحديثة ؟

- هذا سؤال كبير وخاصة عندما نتكلم عن عملاقين هما الاستاذ الكبير والمدرسة الرائعة الرائد محمد القبنجي الذي يعد المجدد الاول للغناء العراقي ومن بعده الفنان العراقي الشهير ناظم الغزالي ، الحقيقة هذان المبدعان هما اللذان قادا ملامح التجديد في أساليب الاداء للغناء العراقي لكن يبقى لكل منهما اسلوبه وطريقة إدائه ،ان المقامات التي كان يأديها القبنجي والفنان الكبير يوسف عمر كانت تتميز بطول وقتها وعدد قطعها وأوصالها وتحويلاتها الغنائية والموسيقية أما بالنسبة للفنان العراقي الشهير الغزالي هو لم يغني المقام مثل ماجاء به الاستاذ القبنجي لكن هو غنى المقام بطرية تختلف عنه ، لقد غنى المقام القصير ومن ثم يدخل الى الاغنية واعتمد أيضا على الشعر العربي الفصيح أكثر من غيره في الكثير من أغنياته مثل ( أي شيئ في العيد، لما أناخوا، عيرتني بالشيب، أقول وقد ناحت بقربي حمامة ) هذه القصائد الرائعة من الشعر العربي الفصيح مع حنجرة ذهبية تحمل أجمل العِرَب التطريبية جعلت الغزالي أن يشتهر ويحتل الصدارة في الاغنية العراقية والعربية ، أما في وقتنا الحاظر إذا أردنا أن نتكلم عن من هو الفنان الذي أكمل هذه الرسالة بشكلها الصحيح وحصل على إحترام المشاهد والمهتمين بالغناء والموسيقى يجب أن نتحدث عن الفنان العراقي المتألق كاظم الساهر وسفير المقام العراقي حسين الاعظمي إنهما صرعة القرن العشرين ، الساهر الذي يعتبر واحدا من أهم المطربين العراقيين والعرب في العصر الحديث وخاصة بعد ماغنى أجمل قصائد الشعر العربي من أهم الشعراء العرب وعلى رأسهم الشاعر العربي نزار قباني ، إن الساهر سفير الاغنية العراقية بحق ، والاهم في شخصيتة هو تمكنه من الحفاظ على نجاحه أكثر من عشرين سنة ، لقد منح الساهر الاغنية العراقية مكانة تليق بمقامها من خلال تمثيله للعراق في الكثير من المحافل الدولية وحصد على الكثير من الجوائز المهمة.. نتمنى لفناننا الكبير الساهر التوفيق والتألق الدائم . أما على صعيد المقام العراقي بعد القبنجي ويوسف عمر والغزالي ..أستطيع أن أتكلم عن استاذ كبير وسفير للمقام العراقي ألا وهو الاستاذ حسين الاعظمي ويشرفي أنا كنت أحد طلابه في معهد الدراسات الموسيقية لقد لعب الاعظمي دورا مهما في تحبب وتذوق وتقبل الجمهورالعراقي والعربي للمقام العراقي من خلال طريقة إدائه الرائعة للمقام وثقافته العالية في كيفية إيصال هذا الموروث العظيم للمستمع ، لقد ساهم الاعظمي بمسيرة طويلة أمدها خمسة وعشرون سنة مع الفنان الراحل الرائد منير بشير وساهم في نشر المقام العراقي في جميع أنحاء العالم وهذا مايجعله يستحق أن يحمل لقب سفير المقام العراقي بجدارة ، وقدم الاعظمي بحوث كثيرة تخص تراث المقام العراقي وكيفية الحفاظ عليه ، ومن منبركم هذا أتقدم بالتحية لاستاذي الكبير حسين الاعظمي والى جميع أساتذتي الاعزاء ومنهم والدي الراحل منير بشير.

عن القدس العربي 4/5/2012






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600