المنفى المتدرج - محمود درويش

لوحة للفنان الفلسطيني كامل المغني

لم تنته الطريق لأقول، مجازاً، إن الرحلة ابتدأت. فقد تفضي بي نهاية الطريق إلى بداية طريق آخر. وهكذا تبقى ثنائية الخروج والدخول مفتوحة على المجهول. كنت في السادسة من عمري حين خرجت إلى ما لا اعرف، حين انتصر جيش حديث على طفولة لم يكن يأتيها من جهة الغرب إلا رائحة البحر المالحة، وغروب شمس الذهب على حقول القمح والذرة. لم تتحول السيوف إلى محاريث إلا في وصايا الأنبياء. وانكسرت محاريثنا في الدفاع عن طمأنينة العلاقة الأبدية بين ريفيّين طيّبين وأرض لم يعرفوا غيرها ولم يولدوا خارجها، امام حرب الغرباء المدججين بطائرات ودبابات وفرت لرواية حنينهم البعيد إلى «أرض الميعاد» شرعية القوة. كان الكتاب يتغذى من القوة، وكانت القوة في حاجة إلى كتاب. ولكن ابن السادسة لم يكن في حاجة إلى من يؤرخ له، ليعرف طريق المصائر الغامضة التي يفتحها هذا الليل الواسع الممتد من قرية على أحد تلال الجليل، إلى شمال يضيئه قمر بدوي معلّق فوق الجبال: كان شعب بأسره يقتلع من خبزه الساخن، ومن حاضره الطازج ليزج به في ماض قادم. هناك... في جنوب لبنان، نصبت خيام سريعة العطب لنا. ومنذ الآن، ستتغير أسماؤنا. منذ الآن سنصير شيئاً واحداً، بلا فروق. منذ الآن، سندمغ بختم جمركي واحد: لاجئون.

******


لم أعد طفلاً، منذ قليل، منذ صرت أميّز بين الواقع والخيال، بين ما أنا فيه الآن وما كان قبل ساعات. فهل ينكسر الزمان كالزجاج؟ لم أعد طفلاً منذ أدركت ان مخيمات لبنان هي الواقع وأن فلسطين هي الخيال. لم أعد طفلاً منذ مسني ناي الحنين. فكلما كبر القمر على أغصان الشجر حضرت فيَّ رسائل مبهمة إلى دار مربعة الشكل، تتوسطها توتة عالية، وحصان متوتر، وبرج حمام وبئر، على سياجها قفير نحل يجرحني مذاق عسله، وطريقان معشوشبان إلى مدرسة وكنيسة، واسترسال يفيض عن لغتي...

لم اعرف كلمة «المنفى» إلا عندما ازدادت مفرداتي. كانت كلمة «العودة» هي خبزنا اللغوي الجاف. العودة إلى المكان، العودة إلى الزمان، العودة من المؤقت إلى الدائم، العودة من الحاضر إلى الماضي والغد معاً، العودة من الشاذ إلى الطبيعي، العودة من علب الصفيح إلى بيت من حجر. وهكذا صارت فلسطين هي عكس ما عداها. وصارت هي الفردوس المفقود إلى حين...

حين تسللنا، عبر الحدود، لم نجد شيئاً من آثارنا وعالمنا السابق. كانت الجرافات الإسرائيلية قد اعادت تشكيل المكان، بما يوحي بأن وجودنا كان جزءاً من آثار رومانية، لا يسمح لنا بزيارتها. وهكذا لم يجد العائد الصغير إلى «الفردوس المفقود» غير ما يشير إلى أدوات الغياب الصلبة، والطريق المفتوحة إلى باب الجحيم.

******


لم تكن صحراء إذاً، ولا خالية من السكان. يولد طفل في سرير طفل آخر. يشرب حليبه. يأكل توته وتينه، ويواصل عمره، بدلاً منه، خائفاً من عودته، وخالياً أيضاً من الإحساس بالإثم، لأن الجريمة من صنع أيد اخرى ومن صناعة القدر. فهل يتسع المكان الواحد لحياة مشتركة؟ وهل يقوى حلمان على الحركة الحرة تحت سماء واحدة، أم ان على الطفل الأول ان يكبر بعيداً وحيداً بلا وطن وبلا منفى، لا هو هنا ولا هو هناك.

سيتاح لي، بعد ما يزيد على ربع قرن، ان أرى جزءاً من بلادي غزة التي لم أرها من قبل إلا في قصائد شاعرها الراحل معين بسيسو الذي جعلها جنته الخاصة. الطريق إليها عبر صحراء سيناء موحش، يسامره نبت صحراوي هنا وهناك، نخيل حار ودبابة تذكارية، وبحر على الشمال. أما مشاعري فقد كانت مرتبة بعقلانية باردة حينا، ونهباً لخبرة من يعرف الفارق بين الطريق والهدف حيناً آخر. تكاثر النخيل فجأة في العريش. ها أنذا اقترب من المجهول الذي تمنيت لو يطول. ولكن سلطة الوعي على القلب تتراخى تدريجيا: هيّا بنا قبل أن يهبط المساء. انتظر، قال لي صاحبي وزير الثقافة، فالوطن في متناول اليد. والوطن هو ما تحسّ به الآن. هو هذا التوجس وهذا الاضطراب. قلت: لعله هو هذا المساء الذي يتأهب فيه الحلم ليصبح أكثر واقعية.

******


لا أحلم الآن بشيء. من هنا تبدأ فلسطين الجديدة: من هذا الحاجز الإسرائيلي. سيارة جيب عسكرية، علم، وجندي يسأل المرافق بعربية رخوة: شو معك؟ فيقول له: معي وزير، وشاعر. أتحاشى النظر إلى كاميرات المصورين الباحثة عن فرح العائدين إلى الجنة. وتلسعني أضواء المستوطنات وحواجز الجيش الإسرائيلي على جانبي الطريق. ولعل أول ما يفاجئني هو انكسار القوام الجغرافي وتشوه الخريطة. ولكن للمفاجأة جوابها الجاهز: هذه هي البداية. غزة وأريحا أولاً، فنحن في أول الطريق، في أول الأمل.

لم أتمكن من الوصول إلى أريحا. فكيف أصل إلى الجليل، وطني الشخصي؟ كان ذلك مشروطاً بشروط قال لي إميل حبيبي انه يخجل من نقلها. لكنه لم يعرف انه سيرحل بعد عامين، وأن جنازته ستوفر لي فرصة حزينة لأفرح بعودة قصيرة إلى الجليل، إذ حصلت على تصريح لمدة ثلاثة أيام للمشاركة في تأبين إميل حبيبي ولزيارة بيت أمي. وهناك احترقت بلهفة العودة، فمن هنا خرجت وإلى هنا أعود. ورأيت كيف يستطيع المرء أن يولد من جديد: كان المكان قصيدتي.

لم ينقصني شيء لأحقق موتي المشتهى في ذروة هذه الولادة. بيد أني، وأنا أحرم من اكتمال الدائرة، كنت أدرك ان انسلاخ الأسطورة عن الواقع ما زال في حاجة إلى مزيد من الماضي، وان تحرّر الواقع من الأسطورة ما زال في حاجة إلى مزيد من المستقبل. وأما الحاضر، فلم يكن أكثر من زيارة يعود الزائر بعدها إلى توازنه الصعب بين منفى لا بد منه وبين وطن لا بد منه. فلا يعرّف هذا بعكس ذاك، ولا ذاك بنقيض هذا. ففي كل وطن منفى، وفي كل منفى بيت من شعر.

ولم أعد بعد. لم تنته الطريق لأقول مجازاً إن الرحلة ابتدأت.



العدد 23 - السنة الثانية
فلسطين - ملحق السفير
1/4/2012






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600