حسين مروة بعد ربع قرن من الرحيل: الشخص والفكر والانجاز - يوسف مكي


تمر علينا هذه الايام ذكرى مرور ربع قرن على خسارة الفكر العربي لأحد مفكريها ومثقفيها الكبار ، تمر علينا ذكرى استشهاد المفكر والمناضل اللبناني والعربي والاممي الدكتور حسين مروة .

ففي مثل هذه الايام من سنة 1987 سقط الشهيد مروة من جراء رصاصات غادرة ولم تشفع له شيخوخته ومرضه ، لا لشيء ، فقط لأنه مفكر خارج السرب الطائفي والمذهبي ، وينتمي الى قوى خارج الاصطفافات الطائفية المتقاتلة في لبنان .

لا يبالغ المرء عندما يقول ان الشهيد مروة لو لم تصرعه رصاصات الغدر والظلام ، لكان حال لبنان اجمل بوجوده ، ولكان حال الفكر والثقافة العربيين افضل ، وذلك لما له من حضور فكري وثقافي طاغ ومتميز ، لمَ لا ، وهو المفكر والمثقف الموسوعي المتعدد الاهتمامات . ويكفي المرء تدليلا على ذلك ما انجزه من تراث ثقافي متنوع في مختلف مجالات المعرفة على امتداد اكثر من خمسين عاما ، وكان لديه المزيد لولا اغتياله .

من طرف آخر يمثل حسين مروة احد نماذج المفكرين والمثقفين التنويريين والنهضويين العرب ، الذين امتازوا باستيعاب التراث العربي الاسلامي بمختلف اوجهه من طرف ، والثقافة الحديثة من طرف آخر، ليوالفوا ما بين التليد والحديث .

ولكن حسين مروة يظل مع ذلك حالة مميزة من بين المفكرين التنويريين العرب وذلك لسببين : الاول انه كان في الاصل رجل دين تتلمذ في حوزات النجف الدينية متشربا بطبيعة الحال ثقافة عربية / اسلامية تقليدية شيعية ، والثاني انه استطاع في الوقت نفسه ان يتزود من معين الثقافة الحديثة عموما والعلمانية خصوصا ووجهها اليساري وبشكل اخص بوجهها الماركسي / الاشتراكي يضاف الى دراسته الدينية ، ليقدم من خلال هذه التوليفة المركبة والمعقدة شيئا جديدا يتناسب والمنطق الديالكتيكي/ العلمي الذي تبناه مروة منذ تعرفه على الفكر الحديث ، في مجال القراءة المختلفة للتراث العربي الاسلامي ، وخاصة الفلسفة . وهذا ما تجلى في منجزه الاهم ( النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية صدر في 1978 ) ، وبذلك يعتبر حسين مروة احد اهم الرواد في قراءة التراث العربي الاسلامي قراءة مادية جدلية ، ومن المعروف ان كتابه هذا قد اثار كثيرا من شهية النقاش في الاوساط الثقافية العربية ، وانجزت كثير من الدراسات والحلقات والكتب حول كتابه النزعات . اكثر من ذلك انه ربما ليس صدفة ان يتزمن كتاب النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية مع كتاب الاستشراق لادوارد سعيد . فكلاهما كانا مثلا سبقاً وفتحاً فكرياً / ثقافياً في مجاله ، فالاول يمثل قراءة جديدة نقدية وبمنهج جديد للتراث العربي الاسلامي ، والثاني يمثل قراءة جديدة وبمنهج مختلف عما هو سائد من قراءات لتراث الاستشراق .

يقال ان حسين مروة عمل على انجاز نزعاته المادية قرابة خمسة عشرا عاما من البحث والجهد والتنقيب والدراسة . لكن قبل هذا مثل مروة قلعة ثقافية شامخة في المعمار الثقافي العربي الحديث ، فهو بالاضافة الى كونه فيلسوفا كان اديبا وناقدا وسياسيا وشيخا . فعلى امتداد اكثر من خمسين عاما كان له حضوره في الساحة الثقافية العربية وهو الذي بدأ بصفحة الادب متمردا على اجواء النجف المتزمتة ، ليصبح احد اعمدة الثقافة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين .

بدأ مروة حياته الثقافية بكتابة الادب منذ السنوات الاولى لثلاثينات القرن الماضي ، وكانت بدايته في مجال القصة والشعر والنقد والمقالة ، حيث كان ينشر ما يكتبه في المنابر والصحف والمجلات السائدة في تلك الايام من قبيل جريدة الرأي العام والساعة العراقيتين او مجلتي الهاتف والحضارة وهما عراقيتان ايضا .

ساهم ايضا في العديد من الفعاليات والانشطة الثقافية والسياسية عندما كان في العراق خاصة مشاركته في انتفاضة 1948 المناهضة لمعاهدة ' بورتسموث ' والتي على اثرها تم اخراجه من العراق ليعود الى لبنان ، وعندها استقر نهائيا في بلده لبنان . كما كان من بين المساهمين في تأسيس اتحاد الكتاب العرب ، واتحاد الكتاب اللبنانيين ، هذا فضلا عن مشاركاته الدولية من قبيل عضويته في اتحاد كتاب آسيا وافريقيا .

وعلى امتداد اكثر من نصف قرن قدم حسين مروة للثقافة العربية ذخيرة ثقافية مهمة ويعتد بها في العديد من مجالات الثقافة والفكر ، وتمثل محطات مهمة في مسيرته الفكرية من جهة والثقافة العربية .

اما اهم هذه المحطات فتبرز في الجوانب التالية:

على الصعيد الادبي

انجز مجموعة من الكتب النقدي وهي ' مع القافلة ' ويمثل هذا الكتاب باكورة اعمال مروة النقدية وذلك في سنة 1952 ، عبارة عن مقالات نقدية . تلاه كتاب ' قضايا ادبية ' ويمثل بداية لما سيعرف لاحقا بالنقد الادبي في ضوء المنهج الواقعي ، صدر الكتاب في منتصف الخمسينات من القرن الماضي . اما اهم كتبه في مجال الادب والنقد فقد جاء في منتصف الستينات وهو كتاب ' دراسات في ضوء المنهج الواقعي ، وهو تطوير ، للمنهج في كتابه السابق في كيفية قراءة الادب ، حيث يحتوي على دراسات تطبيقية للعديد من النصوص الادبية . ومن بين الكتب المهمة النقدية الموجهة الى قراءة التراث الادبي كتابه المهم ' قراءة جديدة لوجوه قديمة ' ويمثل هذا الكتاب بدايات مروة في تلمسه للمنهج المادي التاريخي في قراءة التراث العربي في وجهه الادبي . يضاف الى ذلك كتابه المهم ' تراثنا كيف نعرفه ' وهو مجموعة من الدراسات والابحاث التي سبق له ان نشرها على امتداد عقود ، ثم وضعها في كتاب صدر في عام 1985 .

على الصعيد التراثي

في عام 1978 كانت الثقافة العربية على موعد مع كتابه المهم ' النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية ' وهو كتاب مهم لكاتبه وللثقافة العربية حيث يكثل تدشسنا لطريقة في النظر الى تراثنا الفكري عموما والفلسفي خصوصا ، ويتكون من جزئين في طبعته الاولى ، وقد كان الشهيد مروة يهم بالعمل في الجزء الثالث ، لكن اليد الآثمة حالت دون ذلك . جاء بعد هذا الكتاب المهم كتابٌ آخر هو ' دراسات في الاسلام ' مع آخرين ( محمود امين العلم ، محمد دكروب وسمير سعد ) . ويهتم هذا الكتاب ببعض الحركات الاسلامية مع تسليط الضوء عليها من منظور ماركسي . وفي السياق نفسه صدر كتاب له تحت عنوان ' في التراث والشريعة ' ويتناول فيه مروة التراث الاسلامي في الفكر المعاصر، كما يتناول فيه من خلال قراءة متأنية كتاب الشيخ عبد الله العلايلي ' اين الخطأ ' . صدر هذا الكتاب في عام 1984 .

على الصعيد السياسي

كأي مفكر او مثقف كان لحسين مروة رأي في الثورات العربية في خمسينات القرن الماضي ، ولتأكيد ذلك صدر له كتاب بعنوان ' الثورة العراقية '. صدر هذا الكتاب في نفس السنة التي قامت في ثورة 14 تموز العراقية والتي قادها عبد الكريم قاسم ( 1958 ) . يحاول مروة في هذا الكتاب البحث في جذور واسباب الانتفاضات والثورات في العراق منذ ثورة العشرين مرورا بالانقلابات المتعاقبة حتى الثورة العراقية مع التركيز عليها ، باحثا في ذلك عن الجذور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي ادت الى تلك الحركات وطبيعة قياداتها .

مروة الصحفي والكاتب

طبعا هذه بعض الجوانب النيرة من حياة حسين مروة الحافلة بالانجازات ، فهو الى جانب كونه مفكرا ومثقا كبيرا فهو كاتب صحفي ومساهم فكريا في عدد من المجلات الفكرية كمجلة 'الطريق ' اللبنانية ومؤسس في مجلة 'الثقافة الوطنية' وكاتب في العديد من الصحف مثل صحيفة الحياة في صدورها الاول ، كما شارك في تحرير جريدة 'الاخبار' ، ثم جريدة 'النداء' وهو الذي ظل يكتب عمودا / مقالا يوميا في هذه الجريدة اثناء الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 تحت عنوان ' الوطن المقاتل ' وقد مثل هذا المقال حافزا قويا للحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية للوقوف امام همجية الغزو الاسرائيلي الامريكي للبنان وصولا الى بيروت وحصارها .

نشير هنا الى ان الشيء الملفت ان المفكر حسين مروة لم يقتل برصات العدو الاسرائيلي وهو يقاومهم بالقلم والمقال ، انما برصاصات اخوته في الوطن ، للاسف الشديد ، واذا كان للاسرائيليين عذرهم بحكم العداء لو قتلوه ، فما عذر اخوان مروة في الوطن عندما قتلوه برصاصة غدر وجهت الى رأسه الشريف في 17/2/1987 .

اجل هذا هو حسين مروة باختصار شديد وبعد ربع قرن على استشهاده ، لا يزال حاضرا في الذاكرة العربية المناضلة والتنويرية . نعم هذا هو حسين مروة المولود في قرية 'حداثا' من جنوب لبنان عام 1910 لاسرة دينية ، ليسافر وهو غض الى النجف في عام 1924 لدراسة العلوم الدينية على غرار طلبة ذلك الزمان . لكن حسين مروة لم يعجبه ذلك فخرج عن الطوق اللاهوتي الضيق ليدخل في صلب الثقافة الحديثة بكل تبعاتها ، ويصبح بعد ذلك الدكتور حسين مروة المفكر العربي الماركسي الاشتراكي بامتياز وبجدارة واحد اعمدة الفكر العربي التنويري الحديث .

ومع كل ذلك ، وعلى الرغم من مرور ربع قرن على استشهاده ، لا يوجد مانع من ان تحتفل الاوساط الثقافية والفكرية العربية التي يعز عليها حسين مروة الشخص والفكر من الاحتفاء بمولده ، الاحتفاء بمرور مئة سنة على ميلاده ، فهو جدير بذلك ، ويستحق اكثر من ذلك ، اليس هو المفكر الذي دشن نوعا جديدا من القراءة للتراث بمنهج مختلف تماما عما هو سائد ، يكفيه ذلك فخرا ، وسببا في الاحتفاء والاحتفال به .

عن القدس العربي
28/2/2012






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600