قناديلُ ملكِ الجليل تُضيءُ فضاءَ النّاصرة - !تقرير: آمال عوّاد رضوان
بدعوةٍ من بلديّة النّاصرة؛ دائرة المراكز الجماهيريّة، أقيمت ندوةٌ ثقافيّة حول رواية "قناديلُ ملكِ الجليل"، للشّاعر الرّوائي الفلسطيني الأردنيّ إبراهيم نصرالله، وذلك في مكتبة أبو سلمى البلديّة العامّة، في قرية توفيق زياد التعليميّة، بحضورِ عددٍ كبيرٍ مِن المُثقّفين والمُتابعين للحركة الثقافيّة في البلاد، وهذه الرّواية تتحدّث عن القائد الفلسطينيّ ظاهر العمر؛ مؤسّس مشروع أوّل دولةٍ فلسطينيّةٍ في القرنيْن السابع عشر والثامن عشر، وقد رحّبَ الشاعر مفلح طبعوني مركّز هذه الندوة بالضّيوف، ومن ثمّ قدّم المهندس المعماريّ الفنّان زياد أبو السّعود الظاهر شرائحَ وصورًا فنيّة عن تاريخ القائد ظاهر العمر، ثم تلاه الدكتور المؤرخ جوني منصور بمحاضرةٍ وافيةٍ وغزيرة بالمعلومات والتحليل التاريخي- السياسي، عالجَ فيها الحدث التاريخي ومكانته وتفاعله في الرواية المحتفى بها.

وكانت لنا وقفة مع المُهندس المعماريّ الفنّان الرّسّام زياد أبو السّعود الظاهر، والذي ينحدرُ مِن سلالةِ القائدِ ظاهر العمر، الذي تحدّى الإمبراطوريّة العثمانيّة الاستعماريّة في أوج عظمَتها، وقد رسمَ تاريخَ ظاهر العمر بريشتِه، مُستوحِيًا لوحاتِهِ مِن التّاريخ وأبطالِه، لوحات تتمحورُ حولَ صُور شخصيّات، ولوحات حول مواقع أثريّة، مثل خان الشّواردة في عكّا وقرية صفّورية المُهجّرة، وقلعة شفاعمرو، فيرسمُ الأبطالَ الّذين تأثّرَ بهم، كلوحةِ الظاهر عمر حين كان مُتّجِهًا لمعركة بحيرة الحولة عام 1771 مع أبنائِهِ الثّمانية، وهو يجُرُّ مِن خلفِهِ ثلاثة جيوش!

تحدّث الفنان زياد عن اللّقاء الذي دارَ بينَهُ وبين الشّاعر إبراهيم نصرالله في معرض رسّامين أردنيّين عن الخيول العربيّة، ودارَ الحديث بيننا عن الفنّانين الأردنيّين وتطرّقنا لتاريخ ظاهر العمر، وحينها أخبرني بأنه معنيٌّ بمعرفةِ تاريخ ظاهر العمر، ولكن لديهِ معلوماتٍ قليلةً ومُتفرّقة، فأهديتُهُ كتاب "تاريخ ظاهر العمر" من تأليف المحامي توفيق مُعمّر، مِن مُلحق الآثار، وقبلَ شهر ونصف وصلت رواية "قناديل ملك الجليل"، وسُررتُ جدّا بأنّني ساهمتُ في كتابة هذه الرّواية.

وقدّمَ الفنان زياد شرائحَ مُصوّرة للوحاتٍ فنّيّةٍ رسمَها عن ظاهر العمر، الذي خلّف ثمانية أبناء وبنتيْن، فعرضَ الفنّانُ شريحة شجرة العائلة لظاهر العمر، الذي نقلَ مركزَهُ إلى عكّا عام 1746، وحينها بدأ بتعيين أبنائِهِ حُكّامًا، فأعطى طبريّا لابنِهِ الأكبر صْليبي ونسلُهُ في كفرمندا، وأعطى صفد لعليّ ونسلُهُ في رودوس وسوريا، وشفاعمرو لعثمان ونسلُه في تركيّا، وصفورية لسعيد ونسلُه في طمرة، وجبل عجلون لأحمد ونسلُه في إسطنبول، وصالح ونسلُه في طمرة، وسعد الدّين وعباس نسلُهما في النّاصرة!

عرضَ بورتريه ظاهر العمر الذي أخذه عن تاريخ بلاد الشام من الجامعة العبريّة، وألبسَهُ الملابسَ التي كانت مستعملة في ذاك الزمان، وعن الرّسام البريطانيّ ديفيد روبنس، كما عرضَ شريحة لبيت الشيخ عمر الزيداني في عرّابة، وأخرى فيها خارطة حدود دولة ظاهر العمر، أصدرتها منظّمة التحرير الفلسطينيّة التي قسّموها لثلاث مراحل: الأولى كانت بين عرابة وطبريا والناصرة، والمرحلة الثانية هي شفاعمرو وصفد، والمرحلة الثالثة بعد عام 1744 عندما نقل عاصمته إلى عكّا، وآخِر خمس سنوات مِن حُكمِهِ احتلّ مِن بيروت شمالا حتى جبال القدس وغزة جنوبًا، ومِن جبل عجلون ودمشق شرقًا حتى السّاحل الفلسطينيّ، ومن عام 1710 – 1775 كانت فترة حكمه 65 عامًا.

عرض شريحة عن تاريخ الوطن العربيّ خلال 14 قرنا، وشرائح أخرى عن سرايا الناصرة وقلعة شفاعمرو وجوامع وخانات عكا. وكذلك شريحة عن طبريا سمّاها "الاستعدادُ للمعركة"، وفيها ظاهر العمر طالع مِن بوّابة طبريا ضدّ سليمان باشا والي الشام.

د. جوني منصور شكر الفنّان زياد لهذه اللّوحات التي ترسمُ تاريخ شعبنا والمكان الجغرافيّ وملامحَ الشخصيّاتِ التّاريخيّة، ووسط هذه الأجواء نقلَ تحيّات الشّاعر والرّوائي إبراهيم نصرالله، وانّ هذهِ النّدوة الأولى التي تُعقدُ في الوطنِ عن روايته.

وتابع: في حديثٍ دارَ بيننا قبل أربع سنوات حول تجميعِهِ لمعلوماتٍ وافيةٍ عن ظاهر العمر، وقال: حين توجّهتُ إلى فلسطينيين في المخيّمات، يبدو أنّ الهمّ الفلسطينيّ رابضٌ على قلوب ورؤوس شعبنا في المخيّمات، وحتّى أن كثيرين منهم لم يعرفوا مَن هو ظاهر العمر، فقلت له: إنّكَ لم تذهبْ بعيدًا، فلدينا أيضًا ظاهرة تشبه هذه الظاهرة، وهي أنّ التّاريخَ البعيدَ نوعًا ما، هو ليس قريبًا مِن القلب، لأنّنا نحن في همّ سياسيٍّ تاريخيٍّ خطيرٍ جدًّا، نعيشُهُ منذ عام النكبة 1948.

وتساءل د. منصور: لماذا نهتمُّ الآن بالذات بظاهر العمر وفي هذه المرحلة؟ ولماذا يُطلق على مشروعِهِ دولة أو دويلة؟ إنّني لا أرى فيها لا دولة ولا دويلة، بل محاولة حاكم بأخذِ نوعٍ من الاستقلاليّة، بما نسمّيهِ اليوم بمفهومنا "الحُكم الذّاتيّ"، ولكن لماذا هذه الأهمّيّة التي تُعطى لظاهر العمر في هذه الفترة حصريًّا؟

واعتبر أن إحدى النّقاط اللافتة للنظر في الرواية هي التسلسل التاريخيّ الذي يسير فيه، فمَن يقرأ الرّواية دون ان يكون مُؤرّخًا أو مُعلّم تاريخ أو مهتمًّا بالتاريخ، يستطيعُ أن يُدركَ الأعمالَ التي قام بها ظاهر العمر خلال فترةِ حُكمِه، على مدى أكثرَ مِن ستين عامًا في فلسطين! والنقطة الثانية أنّه يربط بين الحدَثِ التاريخيّ والمكان الجغرافيّ، لأنّ هناك ارتباطًا قويًّا جدًّا بينَ الجغرافيا والتاريخ، ولا يمكن فصل كلّ منهما على حدة، خاصّة حين نتحدّث عن التاريخ الفلسطينيّ في أيّة فترة كانت، فهناك ارتباطٌ كبيرٌ جدًّا بين المكان والزّمان، وكي نفهمَ الرّواية وكلَّ الأحداثِ والتّفاصيل الكثيرة جدًّا، يجبُ أن نميّزَ الحدَث بذاتِهِ، والمُحدّدَ بسيرورتِهِ وبمُكوّناتِهِ الأساسيّة من سببٍ ونتيجةٍ وما بينهما مِن سيْر أحداث، وبين ما حول الحدَث، فالرّوائيّ يأخذ الحدَث بمُجملِهِ ويُحاولُ أن يبنيَ حولَ هذا الحدّث. ونقطة أخرى لها أهمّيّة، وهي محاولتِهِ الوصول إلى الشاطئ والسّاحل، اي حيفا وعكا والسّاحل.

وما نلمسُه في قراءة الرّواية "قناديل ملك الجليل"، أردف د. منصور، هو تشديد كاتب الرّواية إبراهيم نصرالله وتركيزُهُ على بعض المحطات التي تُميّز شخصيّة ظاهر العمر. ويُبرزُ الرّوائيّ بعضَ النّواحي التي تُركّبُ وتُكوّنُ شخصيّة ظاهر العمر، منها التسامح الدّينيّ، والذي كان مهمًا لتوطيد حُكمِهِ، وكذلك لأنّه أدركَ أنّ طبيعة المنطقة التي يتولى حُكمَها فيها تركيبة سكّانيّة ودينيّة وطائفيّة متعدّدة، فاستطاع أن يُرضي كلّ الفئات وكلّ الأطراف، وهذا ما يميّز سياسته المتسامحة والمنفتحة تِجاه سكّان هذه المنطقة، فانفتح على الطوائف المسيحيّة وكنائسها في الناصرة مثلا، وشجّعها على إقامةِ المُؤسّسات الدّينيّة ودور العبادة، إضافة إلى مناطق عديدة في منطقة الجليل حصريّا.

كما اهتم بانتشار الأمن والاستقرار، ففي حين كانت الدّولة العثمانيّة مُصابة بحالةٍ مِن الضّعف وبداية الترهّلِ وتفكّكِ بعض المؤسّسات، استطاع ظاهر العمر أن يفرضَ نوعًا مِن الأمن والاستقرار على المنطقة، ممّا أدّى إلى ازدهار المنطقة ليس فقط اقتصاديًّا، بل أيضًا بشريّا، نتيجة هجراتٍ داخليّةٍ.

والميزة الأخرى التي يمكن أن ندركَها في قراءتنا التاريخيّة لهذه الشخصيّة، هي تركيز ظاهر العمر على هُويّةِ المكان وتلك المنطقة. إذ يعتقد كثيرون أنّ الاهتمامَ العالميّ بمنطقةِ الشّرق الأوسط قد بدأ في القرن العشرين أو ما قبله بقليل، ولكن في واقع الأمر، فحتى لو عدنا إلى غياهب التاريخ ندرك، أنّ هذه المنطقة كانت منطقة جذب لكثيرٍ مِن الأطماع الاستعماريّةِ التّوسّعيّة بكافة أشكالها. ومِن خلال المتابعة أيضًا، هناك تشديدٌ على الموروثِ العمرانيّ، وهذه نقطة هامّة جدًّا، فالموروثُ العمرانيّ الذي تركه ظاهر العمر ليس فقط في الناصرة وفي عكا وطبريا وعرابة وشفاعمرو وصفد، وفي بعض القرى الأخرى في الفضاء الجليليّ، فكلّ هذه المشاريع العمرانيّة ما كانت لتقفَ على أرض الواقع، لو أنّه لم يكن لديه اقتصادٌ قويٌّ.

وفُتح بابَ النقاش، وقد كانت مداخلاتٌ عدّةٌ قيّمةً داعمةً ومُبارِكةً للشّاعرِ والرّوائيّ إبراهيم نصرالله عملَهُ الهامّ والجبّار، والذي يُعتبرُ الحَلقة المفقودة في سياسة تغييبها المقصود وتهميشها، وكأنّ الشّعبَ الفلسطينيّ لا تاريخَ ولا جذورَ له على أرضِه، والرّواية هي أيضًا الحلقة المفقودة في مناهج تدريسِ التاريخ للفلسطينيّين العرب، والتي تُعلّمُهم عن تاريخ العالم إلا عن تاريخ فلسطين وأجدادِهم!


عن موقع الجبهة
17/2/2012





® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600