نصر الله وقع روايته الجديدة في مكتبة ريدرز في العاصمة عمان:
"قناديل ملك الجليل" تضيء بؤرة جغرافية تاريخية معتمة من تاريخ فلسطين



عمان 'القدس العربي' ـ من سميرة عوض: في روايته السابعة 'قناديل ملك الجليل'، يواصل إبراهيم نصر الله مشروعه حول الملهاة الفلسطينية، وتتناول الرواية فترة مجهولة إلى حد كبير، لكنها مهمة في التاريخ العربي.

وما قام به القائد ظاهر العمر الزيداني لتأسيس دولة وطنية مستقلة في فلسطين، تغطي فترة زمنية واسعة ممتدة من عام 1689 حتى عام 1775، وهي الفترة ذاتها التي شهدت ميلاد ورحيل هذا القائد الذي اتصفت فترة حكمه بالعدل والتسامح ونشر الأمن، والتجاء كثير من الفئات الاجتماعية المضطهدة إلى المدن التي كانت تحت سيطرته، مثل عكا وحيفا والناصرة وطبرية وسواها، ونمو التجارة والزراعة وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع كثير من دول العالم، وتدور أحداث الرواية في فلسطين والأردن وسورية ولبنان ومصر واسطنبول.

الرواية التي تمتد على مساحة 555 صفحة حظيت منذ صدروها عن الدار العربية للعلوم في بيروت، ودار مكتبة كل شيء في فلسطين باهتمام بالغ، حيث قام نصر الله بتوقيعها مؤخرا في مكتبة ريدرز في عمان، وكان قبلها وقعها في معرض بيروت الدولي للكتاب وسط ترحيب أدبي وإعلامي كبير. كما وصفت بأنها: رواية الثورة على الظلم والبحث عن الحرية والعدالة، كما تضيء بؤرة جغرافية تاريخية معتمة من تاريخ فلسطين مستندة لمرجعية وثائقية.

زياد الزعبي: أرض قريبة وزمن بعيد

ويرى الناقد الدكتور زياد الزعبي ـ في كلمة وزعت في حفل التوقيع- أن سعي الشخصية المحورية 'ظاهر العمر' لبناء دولة تقوم على القوة والعدالة والحرية في محيط يحكمه الآخر بالقسوة والظلم والاستعباد، هي صورة للوضع العربي الراهن. كما حملت شخصية (ظاهر العمر) رؤية مبكرة لدولة عربية حرة مركزها فلسطين تنهض على مبادئ التخلص من الظلم والقسوة والاحتلال، وتسعى لإنشاء أول كيان سياسي في فلسطين.

وزاد الزعبي: 'قناديل ملك الجليل' رواية تأخذ قارئها إلى أرض قريبة وزمن بعيد، إلى البلاد بلادنا في النصف الأول من القرن الثامن عشر إلى شخصية تتجاوز حضورها التاريخي لتحل عبر الفن الروائي في الأسطورة التي تنبثق من كهوف القسوة والظلم والوحشية والعبودية لترسم ملامح لأرض ينعم ناسها ببعض الأمن والإنسانية والحرية.

واعتبر الزعبي الرواية.. بؤرة الأمكنة فلسطين حيث تدور أحداث الرواية وتتحرك شخوصها، فمن طبريا إلى عكا مرورا بمدن وقرى شمال فلسطين وذهابا إلى شمال الأردن وجنوب لبنان وعلى تخوم دمشق حيث رسم ظاهر العمر الزيداني ملامح أخرى لوجه تلك الأرض وذلك الزمان، ملامح لبشر يحلمون بالحب والحرية والحياة والأمن.

لقد رسمت الرواية صورة تلك الحياة في تلك الأرض وذلك الزمان بكل عناصرها الإنسانية: الواقعية الموضوعية، والخيالية الأسطورية، وبكل تناقضاتها التي تجعلنا نقف أمامها دهشين متأملين : الوحشية في أفظع صورها، والإنسانية في أجمل إشراقاتها، العدل والظلم، الحب والكراهية، والبطولة والنذالة، والوفاء والخيانة، والأمن والخوف، والعبودية والحرية، لقد قدمت الرواية كل هذا في صور رائعة مشبعة بالمعرفة التي تعمق الإحساس الإنساني، وبالخيال الفعال الذي يعيد بناء الأحداث ورسم الشخصيات ووصف الأمكنة في سياقات فنية ولغة آسرة معبرة عما لا يعبر عنه من حالات البشر المتناقضة وأعماق نفوسهم وعن الأفكار التي لم يعبر عنها التاريخ أو يجرؤ على البوح بها.

وينوه الزعبي بالحدث المركزي الذي تجسده شخصية ظاهر العمر، الشخصية التاريخية التي لعبت دورا محوريا في تاريخ بلاد الشام وعلاقاتها بالدولة العثمانية، والتي حملت رؤية مبكرة لدولة عربية قوية حرة مركزها فلسطين ( طبريا وعكا)، تنهض على مبادئ التخلص من الظلم والقسوة والاحتلال ان صح التعبير وتسعى الى إنشاء أول كيان سياسي في فلسطين يستند إلى القوة والعدالة والحرية، وهذا ما يرسم ملامح لما يمكن أن تقوم عليه الدولة.

الأمر المثير هنا الربط البنائي والمضموني العميق بين هذه الرواية و'زمن الخيول البيضاء' التي ترسم حياة فلسطين الأرض والناس منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى عام النكبة 1948، ولعل انتهاء رواية 'قناديل ملك الجليل' باستقرار نجمة إحدى الشخصيات الرئيسية فيها في 'الهادية' القرية التي بدأت فيها أحداث 'زمن الخيول' يظهر بوضوح فكرة التعالق التاريخي بين الروايتين على نحو تبدو الرواية الأسبق في الصدور منبثقة من الرواية التالية لها. أما العناصر الأخرى التي تبين عن التقائهما وتقاطعهما فكثيرة منها الخيول برمزيتها وحضورها، وعلاقات البشر بها، والنساء وحكايات الحب والحرب، والرجال وحالات البطولة والوفاء، والنذالة والخيانة، والأغراب المحتلون المغتصبون ومقاومتهم، والأرض والدفاع عنها، والنهايات المأساوية المقترنة بالأمل. كل هذا تقدمه الرواية في بنية فنية سامقة تنبثق من التاريخ ولكنها تتحرر منه لتأخذ القارئ إلى عوالم جمالية مدهشة تشخصها صور الحياة الإنسانية التي تمثلها الشخصيات والأحداث والأماكن والرؤى الفكرية التي تتبدى في مكونات الرواية كلها.

تضيء رواية 'قناديل ملك الجليل' بؤرة جغرافية تاريخية معتمة من تاريخ فلسطين مستندة إلى مرجعية وثائقية متينة لكنها تعيد بناء الأحداث ورسم الشخصيات وملامح الحياة في تلك البؤرة محررة إياها من تاريخيتها الموضوعية ومقدمة لها في بنية سردية جمالية تمزج بين الواقعي والمتخيل معتمدة على تقنيات السرد وتوظيف الأسطورة وطرائق القص الشعبي ومروياته الجذابة المشوقة لبناء كون جمالي تتكامل شخوصه وأحداثه وأمكنته للتعبير عن رؤية فكرية أيديولوجية تقبع كامنة في التاريخ الذي تعيد الرواية بناءه من أجل أهدافها ورؤاها الراهنة التي كانت دافعها لتوظيف التاريخ في سبيل خدمتها. ولذا فإن ظاهر العمر الزيداني الشخصية المحورية في الرواية الذي يؤسس لبناء 'دولة ' تقوم على القوة والعدالة والحرية في محيط يحكمه الآخر بالقسوة والظلم والاستعباد يمثل صورة لما يمكن أن يتشكل في الراهن منبثقا من تجربة تاريخية تمثل صورة لجذور عميقة للناس في أرضهم وأرواحهم. إنها رواية الثورة على الظلم والبحث عن الحرية والعدالة، رواية ستأخذ القارئ إلى عوالمها وتعبر في الوقت نفسه عن عوالمه الراهنة.

نصر الله: الرحيل إلى القرن الثامن عشر

وفي كلمة وزعت في حفل التوقيع يقول الروائي ابراهيم نصرالله: 'في القرن الثامن عشر، وعلى ضفاف بحيرة طبرية وفي جبال الجليل ومرج بني عامر، بدأ رجل من عامة الناس رحلته، نحو أكبر هدف يمكن أن يحلم به رجل في تلك الأيام: تحرير الأرض وانتزاع الاستقلال وإقامة الدولة العربية في فلسطين، متحدّيا بذلك حكم أكبر دولة في العالم آنذاك (الدولة العثمانية) وسطوتها المنبسطة على ثلاث قارات: أوروبا وآسيا وأفريقيا.. كان اسمه: ظاهر العُمَر الزّيداني 1689-1775'.

وعن حكاية عثور نصرالله على 'ظاهر العُمَر الزّيداني' يقول: 'عندما كنت منشغلا بالبحث عن مصادر لروايتي 'زمن الخيول البيضاء'، عثرت على عدد من الدراسات الصغيرة، المتفرقة، عن ظاهر العُمَر الزّيداني، لكنها لم تكن كافية لتشكيل صورة وافية عن هذه الشخصية التاريخية ومشروعها التحرّري العظيم. وفي يوم من أيام كانون الأول/ديسمبر من عام 1997، وصلني كتاب (ظاهر العمر -كتاب يتناول تاريخ الجليل خاصة، والبلاد السورية عامة) لمؤلفه توفيق معمَّر المحامي؛ وحين قرأت الكتاب، قرأته وفي ذهني الإفادة منه في كتابتي لزمن الخيول البيضاء، فقد رسَخَتْ بعض أحداثه في داخلي بقوة؛ بل إنني فكرت في الاستناد إلى بعض حوادثه، ذات يوم، لأكتب مسرحية!.. لكن ما حدث، أن أيا من أحداث هذا الكتاب، لم تُستخدم في تلك الرواية! كما أن المسرحية لم تُكتب! أما أفضل ما حدث، فهو أن ظاهر العُمَر راح يتسلل إلى داخلي، وراح يأخذ صورته على مَهل. كان الخوف الوحيد الذي يسكنني هو أنني إذا ما كتبت رواية عن شخصية تاريخية حقيقية كهذه، فإنني سأكون مقيّدا إلى حد كبير! لكنني حين قرأت سيرتَي ظاهر المقتضبتين اللتين كتبهما ميخائيل الصبّاغ وعبّود الصبّاغ، بدأت أصبح أكثر جرأة. وحينما أنهيت بحثي، حوله، وبدأت أشكّل رؤيتي الخاصة لهذه الشخصية، قلت لنفسي: لمَ لا! فلتذهب إلى القرن الثامن عشر لتعيشه. إنها فرصة قد لا تتكرر! ولتتعلّم أيضا كيف يمكن أن تكون حرّا وأنت تكتب عن شخصية تاريخية بهذا الوزن.. وهذا ما كان!.

ويواصل نصرالله: 'ما يحزنني الآن، أنني لم أتعرف إلى هذه الشخصية العظيمة مبكّرا، وما يحزنني أكثر أنها شخصية شبه مجهولة لدى قطاع كبير من الناس، في فلسطين وخارجها. لقد كانت هذه الشخصية الفريدة تستحق أن تلتفت إليها الأعمال الروائية والسينمائية والتلفزيونية منذ زمن بعيد، لكي تكون جزءا مضيئا لوجداننا الشعبي والمسيرة النضالية لهذا الشعب الذي عمّر هذه الأرض، أرض فلسطين.. أنا على يقين أننا لو عرفنا ظاهر العُمَر بصورة وافية، من قبل، لكنّا الآن أفضل وأجمل! كما أنه لمن المحزن أن نكتشف جهل الكثرة بأول محاولة لإقامة وطن عربي مستقل في الشرق العربي كله، في فلسطين، على يد ظاهر العمر! كما أنها لمفارقة كبرى أيضا، أن يكون هذا الوطن نفسه فيما بعد، فريسة للهجمة الصهيونية التي انتزعته بالخرافة والدبابة والتواطؤ الخارجي والداخلي من بين أيدي أصحابه، مدّعية أن هذا الوطن: (أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض!)

لا... إنها أرض مليئة بالحياة وتفيض بالحياة!.

ووصف نصر الله تجربة كتابة هذه الرواية، بأنها 'تجربة استثنائية، في صعوبتها، وفي حجم المسؤولية التي سيحسّ بها أي كاتب يمكن أن يُقبِل على كتابة رواية عن ظاهر العُمَر الزّيدانيّ، أو عن (ملك الجليل) كما كان يسمّى في المرحلة المتوسطة من نضاله، حين لم يكن نفوذه قد تجاوز الجليل بعد، لكنني خرجت من هذه التجربة إنسانا مختلفًا؛ إذ أحسست بأن حياتي مع ظاهر العُمَر، قد أعادت ترتيب روحي من جديد، ووضعت أساسا جديدا ومذهلا لهويتي، وأنا أتتبّع تلك الجذور الذاهبة عميقا في أرض فلسطين: فلسطين العربية، وفلسطين الجمال والتسامح واحتضان الآخر والقبول باختلافه واحترام هذا الاختلاف بكل أشكاله، فلسطين الغنى الثقافي والروحي والإنساني، فلسطين الطموح لكل ما هو حرّ وجميل وطيب. وإن كان لي من أمل، فهو أن تنتقل كل تلك الأحاسيس التي عشتها إلى قارئ هذه الرواية، لأنني على يقين من أنه، عند ذلك، سيحسّ كم أصبح أفضل!'.

ويذكر أنه صدر في السلسلة ذاتها 'زمن الخيول البيضاء' ،'طفل الممحاة'، 'طيور الحذر'، 'زيتون الشوارع'، 'أعراس آمنة' و'تحت شمس الضحى'، كما يشار لسلسلة أخرى من أعمال نصر الله الشعرية والروائية والفوتوغرافية أيضا، نالت العديد من الجوائز وترجم عدد منها إلى لغات كثيرة.

20/1/2012





® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600