إبراهيم أصلان - فخري صالح


* عمل في وظائف بسيطة في بداياته الأدبية، لكن المؤثر الحقيقي في تجربته هو عمله في سلك البريد والاتصالات، فقد قضى فترة من حياته يوزع الرسائل على عناوين البيوت المثبتة على تلك الرسائل ما جعله يكتسب طبيعة الكاتب المقتصد في الأسلوب والكتابة

* روى لنا أصلان أنه وجد يوما رسالة موجهة إلى الله من شخص رقيق الحال، وتكاثرت رسائله ما دفع أصلان ورفاقه إلى كتابة رسالة للمرسل تردعه عن مواصلة كتابة الرسائل لله لأن لديه أعمالا أخرى غير قراءة شكاوى المرسل الذي انقطع منذ ذلك الحين عن إرسال الرسائل!

توثقت عرى علاقتي بالروائي المصري الراحل إبراهيم أصلان في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، فالرجل هو من تلك الأرواح الرهيفة التي تمد خيوط التواصل بينها وبين الآخرين في خفة ظل وتعاطف ومحبة تجعلك قريبا منه دون أن تحسب فارق الزمن بينكما. كان دائما متهلل الوجه حين نلتقي مبادرا بالتحية والسؤال عن الأحوال يرفع الكلفة بروح فكهة تعكس مزاجه الطيب وطبيعته القريبة من طبائع الطبقات الشعبية التي تربى بينها في منطقة امبابة وحي الكيت كات التي رفض إلى سنوات قريبة الرحيل عنها بسبب تعلقه الشديد بالبيئة الشعبية التي نشأ فيها ونهل منها معظم أعماله القصصية والروائية.

كنت قد قرأت أعماله القليلة التي كانت صدرت له حتى ذلك الحين، وكتبت عن عمله الروائي الغنائي «مالك الحزين». وفي سهرة ممتدة في بيته في حي امبابة عام 1997، ضمت أصدقاء آخرين أذكر منهم: أمجد ناصر ونوري الجراح ولينا الطيبي، اقترح علينا مشاهدة النسخة الكاملة من فيلم المخرج المصري داوود عبد السيد «الكيت كات»، المأخوذ عن رواية أصلان «مالك الحزين». أذكر أنني قلت له مداعبا إنه لا بد أصبح غنيا بعد النجاح الكبير الذي حققه الفيلم، لكنه فاجأني بالقول إنه لم يتقاض على حقوق الاقتباس سوى مبلغ قليل لعله خمسة آلاف جنيه، فقلت له مازحا: لقد ضحك عليك داوود عبد السيد! كان أصلان يتقبل الحياة بروح المرح والفكاهة، وتتوالى نكاته العفوية دون توقف عكس ما يتوقع المرء من كاتب مقل مدقق لم ينتج في حياته إلا عددا محدودا من المجموعات القصصية والروايات. أتذكر أن سيارته الفولكس فاجن القديمة التي أقلتنا إلى امبابة ناءت بحملنا، وهي تعبر الكوبري، فأبدى نوري الجراح تخوفه من سقوط السيارة في النيل فأجاب أصلان في حضور بديهة: ما تخافش يا نوري، هيّ بتعرف تعوم.

الكاتب المقتصد

عمل إبراهيم أصلان في وظائف بسيطة في بداياته الأدبية، لكن المؤثر الحقيقي في تجربته هو عمله في سلك البريد والاتصالات، فقد قضى فترة من حياته يوزع الرسائل على عناوين البيوت المثبتة على تلك الرسائل ما جعله يكتسب طبيعة الكاتب المقتصد في الأسلوب والكتابة. روى لنا أنه وجد يوما رسالة موجهة إلى الله من شخص رقيق الحال، وتكاثرت رسائله ما دفع أصلان ورفاقه إلى كتابة رسالة للمرسل تردعه عن مواصلة كتابة الرسائل لله لأن لديه أعمالا أخرى غير قراءة شكاوى المرسل الذي انقطع منذ ذلك الحين عن إرسال الرسائل. كان ذلك العمل ملهما لأصلان وموجها له في اختيار زوايا تناول شخصياته والتركيز على لحظات التنوير في حياتها. فلا تزيد في كتابته، لا إطالة في الوصف أو حوارات الشخصيات، بل استخدام مقتصد للغة في التعبير عن اللواعج والتقلبات النفسية للشخصيات.

يتسم أسلوب إبراهيم أصلان بالاقتصاد تاركا لقارئه استكمال بقية الصورة التي عرض لنا الجانب المعبر المنير منها، دون أن يغرق في تفاصيل كثيرة تشوش المشهد ولا تضيف شيئا إلى فهم القارئ للوضعيات التي يصفها الروائي. يختلف أصلان عن غيره من الروائيين المصريين في كونه الأقرب إلى نظرية إيرنست همنجواي في السرد والتي تتركز على وصف الجزء البارز من جبل الجليد للدلالة على بقية جسم الكتلة الجليدية الغارقة تحت ماء المحيط. لقد استفاد الكاتب المصري الكبير من هذه النصيحة في أعماله جميعا، بدءا من «بحيرة المساء»، و»يوسف والرداء»، مرورا بـ»مالك الحزين» و»وردية ليل» و»عصافير النيل»، وانتهاء بـ»خلوة الغلبان» و»حكايات من فضل الله عثمان». لقد آمن الكاتب المصري الكبير إبراهيم أصلان أن العبرة فيما يتركه العمل الأدبي من أثر على تحولات النوع في عصره. ليس مهما أن نكتب كثيرا، المهم أن تكون كتابتنا مؤثرة. وقد جعلته أعماله المعدودة على الأصابع واحدا من كتاب مصر البارزين في القرن العشرين.

عدد من أعمال الروائي المصري الكبير الذي رحل قبل أسبوع








ناقد اردني

20/1/2012





® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600