نجيب محفوظ بين مزادين - خيري منصور


تزامن دراماتيكي بين مئوية نجيب محفوظ وحرق محتويات المجمع العلمي من كتب ومخطوطات ووثائق نادرة، ولو سئل الرجل عن موقفه مما جرى في مئويته لكرر الاجابة ذاتها التي رد بها على (لارس ريدكويست) الذي جاء من السويد الى القاهرة ليسأله عن أبرز حدث في حياته الطويلة بعد فوزه بجائزة نوبل، وهو محاولة الاغتيال، التي يذكر محمد سلماوي في كتابه الجديد عنه بأن محفوظ اشار الى عنقه وهو يرد على السؤال ...

وثمة تزامن آخر لا يقل دراماتيكية قدر تعلقه بمحفوظ، وهو ان الرجل أصبح بين مزادين، احدهما علني في لندن حيث عرضت مقتنياته للبيع، والآخر سرّي بين من يتسابقون ماراثونيا لوراثة القابه كلها باستثناء نوبل بالطبع رغم انهم قد يحلمون بها. ومن الناحية النقدية المحض لم يكن محفوظ بحاجة الى اي جائزة كي يكون على ما هو عليه ابداعا دؤوبا وعمرا من الكتابة، بحيث اصبحت رواياته تاريخا موازيا اضافة الى غنى هذا التاريخ من حيث قابلياته للتأويل، فنجيب محفوظ اشبه بالسهل الممتنع، لأنه واقعي بقدر ما ورمزي في الوقت ذاته، ويكفي ان احد نقاده قال عن رواية 'الطريق' بان بطلها الغائب الذي ناب عنه ابنه الذي أنكره وهو سيد الرحيمي ليس الا جمال الدين الافغاني، سواء من حيث القرائن الواردة في السياق الروائي او لأن الوجدان الأصيل لنجيب محفوظ الذي عاش طفولته قريبا من حي الحسين والسيدة زينب وما يعج به الحيّان من طقوس أميل الى تقبل الافغاني، حتى وفدية محفوظ التي لم تكن متجلية بعد ثورة يوليو لأسباب احترازية عبرت عن نفسها من خلال الإحالات والتأويل ايضا.

المزاد العلني لمقتنيات محفوظ يمكن فهمه في ضوء ما يجري الان في مصر، فالناس ومنهم النخب مستغرقون ومنهمكون في شجون اخرى، رغم ان انقاذ آثار نجيب واستعادتها من لندن لا يقل عن انقاذ ابي سمبل، او اعادة مسلة مهاجرة الى باريس، لكن المزاد السري هو الاخطر، لأنه سري اولا، ولأن من اكتشفوا اهمية محفوظ بعد نوبل وبدأوا يحرمونه من مصريته بتسميته الاديب العالمي، هم الذين اشتبكوا كما لو انهم الورثة، ليس على اموال نجيب وبيته، بل على قيمته وقامته، وهم لا يدرون ان النسخ المكررة من نجيب او غيره ستكون كاريكاتورية بالضرورة، وان من يستحق ان يرث المكانه هو الأنجب من نجيب وليس ظلاله، ومن اللافت ان نجيب محفوظ في حياته لم يكن اصدقاؤه المقربون من الوسط الادبي، وهم من يسمون الحرافيش ومنهم المخرج السينمائي والممثل والفارس المتقاعد والافندي المثقف الذي لا يكتب، ربما لأنه ادرك ما ادركه بابلو بيكاسو الذي كان يسخر من حوارات الفنانين في لقاءاتهم، بحيث يتهربون من نقد اعمال بعضهم بالكلام عن اسعار فرش الاصباغ والالوان وقماش اللوحات.

ومن اهتموا بنجيب روائيا بعد فوزه بنوبل فقط هم الاقل دراية به وبفن الرواية، لأنه انجز معظم مشروعه قبل نوبل، وكان من الممكن ان تخطئه الجائزة كما اخطأت مبدعين آخرين من مختلف القارات والثقافات، وما تضيفه الجوائز التي تأتي في خريف العمر هو امور ذات علاقة بالتسويق وتجارة النشر وسائر الاكسسوارات الاعلامية والاعلانية، حتى الترجمة لم تضف الكثير الى محفوظ، فقد ترجم الى اللغات الاساسية وذات النطاق القرائي الاوسع قبل نوبل ايضا. وقد تكرر الامر مع د. احمد زويل الذي قد لا يشعر بالسعادة وهو يرى الاحتفاء به معزولا عن انجازه الذي استحق عليه هذا الاعتراف، فمعظم من يصفون زويل بالعالم الكوني الكبير، لا يعرفون شيئا عن علمه وعن سبب فوزه بالجائزة، وتشكلت هذه الظواهر في ثقافتنا من تمدد الاجتماعي والاعلامي على الثقافي والعلمي، وكأننا بسبب فائض مركبات النقص لا نعترف بعالم او بكاتب الا اذا فرض علينا هذه الاعتراف من الاخرين، الذين نتعامل معهم على طريقة انجذاب المغلوب الى الغالب حسب الرؤية الخلدونية المعروفة.

ولا ادري لماذا ذكرني التزامن بين مئوية مبدع رائد وكبير مثل محفوظ وبين حرق الكتب وعرض المقتنيات بالمزاد، بمسرحية المانية عن شاعر عاد الى الحياة بعد عقود من اعتقاد الناس بأنه مات... فقد وجد انهم شيدوا له تمثالا. كما ان مئات الاشخاص الذين لا يعرفهم بدأوا يدعون صداقته وزمالته في الطفولة، حتى السيدة صاحبة البيت الذي سكن فيه وطردته منه لأنه تخلف عن دفع الايجار ادعت انها احتضنته ووفرت له سبل الراحة كي يكتب قصائده.

وما يوازي ذلك سياسيا واجتماعيا تلك القصة الفاضحة التي كتبها الراحل الجزائري الطاهر وطار بعنوان 'الشهداء يعودون هذا الاسبوع'، فهم ظفروا عقب استشهادهم بالتكريم والمديح وتحول موتهم الى نمط انتاج لمن ورثهم من الاحياء، لهذا ما ان عادوا وهي بالطبع عودة افتراضية حتى تعرضوا للاعدام. انها سايكولوجيا من طراز خاص، تلك التي تنامت في حاضنات تربوية اشبه بالاوكار، فلا الحب حب، ولا التكريم تكريم، ولا الاحسان احسان ما دامت الموعظة الخالدة هي 'اتق شر من احسنت اليه' في عالم ثقافة اجياله مفعمة بالنكران والعقوق.

وثمة ساسة ومثقفون من العرب، ما ان تأكد الورثة غير الشرعيين من دفنهم تماما حتى بدأ الاشتباك بينهم وبين الدود في اللحظة ذاتها على الميراث، الدود يسطو على اللحم ويخترق العظم حتى النخاع، والورثة غير الشرعيين يسطون على السيرة الذاتية ويلفقون بدلا منها سيرة بديلة يلعبون فيها دور البطولة، رغم انهم لم يظفروا اثناء حياة هؤلاء الموتى بدور الكومبارس او الدوبلير.

* * * * * *

كم نجيب محفوظ لدينا؟ كان هذا السؤال كما يذكر سلماوي عن محفوظ بمثابة اجابة مضادة على ما قاله المشير عامر لعبد الناصر بعد صدور رواية 'ثرثرة على النيل'، وبالفعل كان محفوظ قاب خطوتين او ادنى من السجن، لولا تدخل عبدالناصر، وهي ليست المرة الوحيدة التي تعرض فيها محفوظ للأذى، وحكايته مع برلنتي عبدالحميد التي طلبت منه ان يصوغ لها مذكراتها معروفة، فقد عوقب على اعتذاره بأن اتهمته الفنانة المقربة يومئذ من المشير عامر بكسر زجاج سيارتها، وروى لي صديق ان نجيب كان يركب الباص ذات زحام قاهري خانق وشاهد من النافذة سيارة امريكية طولها امتار وسمع الركاب يعلقون على راكبها وهو سيد الملاح المنولوجست في تلك الايام. لكن محفوظ كان محظوظا قياسا الى مصائر اخرى منها ما انتهى اليه نجيب سرور ومحمد عبدالحليم عبدالله وعبد الحميد الذيب وآخرون.

* * * * * * *

ما نخشاه بعد ان تعرض متاحفنا للسلب والانتهاك بحيث لم تنج حتى المومياوات وما تعرضت له مكتباتنا من حرق وكابده كتابنا من النفي والتكفير والتجويع، ان ينظر الينا العالم باعتبارنا لسنا امناء على ما لدينا من آثار ونصوص، فقد يلقى ذات يوم رمسيس وابو الهول مصير تماثيل افغانستان البوذية، لأن هؤلاء من الاوثان، التي يجب تطهير الارض من رجسها، وهذه المرة الثانية التي نستذكر بها مرثية سعدي يوسف القاسية والموجعة للسياب عندما قال ان الحضارة اوقفت عامين حتى مات شاعر.. لأن اولي الامر والقهر والزجر في هذا الزمن هم القواد والديوث والقرد المقامر ..

اما نجيب محفوظ فهو قادر حتى في قبره على ان ينزع نفسه من المزادات السرية لأن من يتشبهون به يذكروننا بغيابه الاسطع من حضورهم الهش والعابر.
اما المزاد العلني في لندن فتلك قصة اخرى تتعلق باستحقاقنا لمحفوظ وامثاله واذا استمرت هذه المتوالية من التنكيل بالموتى واعادة قتلهم فثمة ما يجزم بعدم هذا الاستحقاق.

ويكفي نجيب محفوظ ان ابطال رواياته وشخوص قصصه هم الاوفى ممن يحاولون اعادة انتاجه وقد حذف منه ما جعل نجيب نجيبا.


13/01/2012





® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600