الـولادة الثانيـة لميخائيـل نعيمـة - نديم نعيمة

تمثال نصفي لميخائيل نعيمة أزيح الستار عنه في بولتافا بأوكرانيا


في الثلاثين من تشرين الاول المنصرم أزاح السفير اللبناني في أوكرانيا ومديرة جامعة فولتافا الستار عن نصب لميخائيل نعيمة أمام مدخل السمينار، حيث درس خمس سنوات في مطلع القرن العشرين اعتبرها ابن اخيه نديم نعيمة ولادة ثانية وضعت ناسك الشخروب على سكة العصر الحديث. وقد أرسل لنا نعيمة مختصر الكلمة التي ألقاها في افتتاح الاحتفال بوجود حشد من ابناء الجالية خصوصاً طلابها:

ولد ميخائيل نعيمه مرة ثانية عندما وطئت قدماه في خريف 1906 أرض اوكرانيا، وهو في السادسة عشرة من عمره، آتياً من رحم الأمبراطورية العثمانية، التي كان وطنه لبنان ووطن دراسته التمهيدية، فلسطين، سجينين من سجنائها. ولكم كانت تلك الرّحم ضيّقة وفقيرة ، ولكم كانت اوكرانيا التي تقبّلت هذا الوليد الآتي اليها من العتمة، أقل ضيقاً في المقابل وأرحب افقاً وأبعد مجالاً وأكثر نوراً.

ثلاثة في اوكرانيا، أو في روسيا ذلك الزّمن، أسهمت في تعهّد هذه الولادة الثانية. إنه الآن، ولأول مرّة في حياته خارج القمقم الفكري والروحي والاجتماعي والسياسي، وحتى الاقتصادي الذي اصطنعه العثمانيون لرعاياهم، خاصة لغير الأتراك منهم بمن فيهم الشعوب الناطقة بالعربية. إنّه الآن في أمّة هي بين الأمم القليلة الكبرى يومئذ التي تلعب الأدوار المحورية في صناعة العصر. فيها أحسّ الفتى أنّه لم يعد ذلك المخلوق النكرة القادم من بلد صغير مهمّش في امبراطوية ظلاميّة لا طيقان لها كي ينفذ منها النور الى داخل. فروسيا القيصريّة هذه على الرّغم من قضاياها ومشكلاتها الداخلية والخارجية، او بسبب من تلك القضايا والمشكلات، بلاد شعب تضج طبقة الإنتلجنسيا فيه بكل ما يعانيه الانسان المعاصر، ويتمخّض عن كل ما يتطلع اليه ذلك الانسان.

العامل الثاني والأهم الذي واكب إحساس نعيمه بوشوك انتمائه الى العالم المعاصر، هو انكبابه بما يشبه الوله، طوال سنوات وجوده في بولتافا، على قراءة الآداب الروسية، ومن خلال الروسية التي أتقنها، على الآداب الغربية، وذلك الى حدّ أن أضرّ انكبابه بعينيه واضطرّه غير مرّة أن يلازم المستشفى. قد لا يكون مجدياً هنا أن نعدّد كتّاب الروسية الذين شملتهم قراءاته، فهم حقيقة، اكثر من ان نستطيع إحصاءهم. اذ أنّ بين الاسماء الشائعة منهم بالروسية وخارجها كغوغول وبوشكين وتولستوي ودوستويفسكي وامثالهم، اسماء بغير عدّ، كانوا على اهميتهم الكبرى روسيّاً، أقلّ حضوراً في الخارج، امثال كوتسوماروف واوستروفسكي ودانيلفسكي وغنيدتش ونيكيتين وغيرهم.

وكما اعطت بولتافا الأوكرانية ميخائيل الآتي من القمقم العثماني حسّ الانتماء الى جغرافية العالم المعاصر، كذلك أعطته الروسية وآدابها حسّ الانتماء الى جغرافية الفكر الإنساني والآداب العالمية. فبدأ يحلم بان يكون جزءا من هذه الجغرافيا، وقامة بارزة بين القامات التي تركت أثرا في رسمها.

وهكذا بدأت تولد في بولتافا بوادر نعيمه الشاعر على غير ما كان الشعر ينظم في بلاده، ونعيمه الروائي ونعيمه الناقد والمسرحي والمفكر؛ بل نعيمه الكاتب والانسان الذي سيكونه في مراحل حياته التي ستأتي. وكان ان ظهرت بين هذه البوادر المبكرة على تعدّدها قصيدته الروسية «النهر المتجمّد» المستوحاة من نهر «سولا» القريب، التي غدت بصيغتها العربية فاتحة عهد جديد في الشعر العربي الحديث. أمّا العامل الثالث في ولادة نعيمه الثانية في بولتافا، فتجربة الحب، خاصة حبّه الأوّل التي وإن كان قد مرّ بها للمرّة الاولى في بولتافا، تكاد بأبعادها ومرموزاتها، لا تفارق حياته الأدبية كلها بمؤلفاتها التي تفوق الاربعة والثلاثين والمترجمة في الجزء الاكبر منها الى لغات حية اخرى في العالم.

لقد دخل نعيمه تجربة الحب على خلفية روحية مسيحية تربّى عليها ولدا في البيت الابوي، واشتدّ تملّكها في نفسه خلال السنوات الأربع التي قضاها تلميذاً في الناصرة ، ثم تحوّلت عنده في بولتافا من قناعات جاهزة الى فلسفة حياة. ما إن دخل نعيمه تجربة حبّه الاوكرانية حتى برز له القطبان الدهريان اللذان يتنازعان الطبيعة البشرية: إنّهما من جهة ارتفاع بالمحبوب الى أعلى وأقصى ما يمكن للشوق أن يسمو، وللذات أن تشفّ وللـ «أنا» أن تذوب وللزمن أن يكنّ. وهما من جهة أخرى تحوّل بالمحبوب بعد الشبع الحسّي من شوق علوي متأجّج، الى رماد منطفئ بارد، وتحوّل بالنشوة السماوية المحيية الى ضجر أرضي بليد، وبالأثيريّة الشفيفة المحلقة خارج الزمن، الى كثافة ثقيلة تهوي بها الى رتابة الزمن الذي يقوم في جوهره على الانقضاء.

يقول بطل «الأرقش» أحد أجمل مؤلفات نعيمه اللاحقة، وكأنه الرمز الروائي لتجربة عاطفية أولى حملها المؤلف معه من حياته في بولتافا وشاء لها ألا تفضي الى التزام: «ذبحت حبّي بيدي لأنّه فوق ما يتحمّله جسدي ودون ما تشتاقه روحي».

هذا التمحور بين قطبين في الطبيعة البشرية، الذي لا يظهر بكل أبعاده كما يظهره الحب، يجعل الإنسان بين جميع الكائنات، مخلوقاً بلا هوّية؛ فلا هو روحي علوي فيعرف، ولا هو جسدي سفليّ فيوصف، بل هو كائن مشدود بين قطبين مصلوب عليهما، وإنّ أيّ محاولة له للنزول عن الصليب، تقتضيه أن يحلّ نفسه من أحد القطبين. أي أن يذبح إمّا الإنسان فيه أو الحيوان. وذلك يعني بالمدلول الرمزيّ الوجوديّ، أن يمرّ بمعمودية الدم.

ليس مقصودي هنا أن أسترسل في دراسة نعيمه وأدبه. لذلك كلّه مكان آخر. بل أن أعطي صورة وإن سريعة، عن هذه الولادة الثانية التي كانت لنعيمه خلال هذه السنوات الستّ في بولتافا، وأوضح شعور يلازمني هو أنّ احتفالنا اليوم بهذا التمثال لنعيمه هو بمعناه الابعد، احتفال بعيد ميلاده الثاني. لم يكن نعيمه يعرف شيئاً يذكر عن بولتافا عندما جاءها للمرّة الأولى. أتاها في مثل هذا الوقت من السنة، يرتدي بذلة وحذاء شبه صيفيّين ويعتمر برنيطة من قش تصفقها الريح. وقف امام مبنى السمنار بجسد يرتجف برداً من رأسه الى اخمصيه كورقة خريفية، وبأسنان تصطكّ هي الأخرى فتكاد تحول بينه وبين النطق. عرف ساعتها كم أنّ بولتافا باردة باردة. ولكنه لم يدر إلا لاحقاً، كم أنّ قلبها كان دافئاً دافئاً. فأنا على يقين تماماً أنّ ذلك الدفء قد لازمه حتى آخر يوم في حياته.

عن السفير
2/12/2011





® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600