فرانسوا أبو سالم.. خانه الحلم فقرر الرحيل..!! - سلوى عباس


“متعدّد أنا.. جنيّة هشّة أنا.. عاشق ولهان أنا.. طوفان دموع مكبوتة أنا.. رؤية مستقبلية أنا”..

تمثل هذه العبارات الحوار الختامي لمسرحية “ظل الشهيد” للمخرج الفلسطيني «فرانسوا أبو سالم» الذي رحل عن دنيانا منذ أيام عن عمر 60 عاماً.. هذا المبدع الذي يعتبر من أهم المسرحيين الفلسطينيين والعرب، حيث أسّس فرقة «حكواتي المسرح» في القدس في سبعينيات القرن الماضي.

ولد أبو سالم عام 1951 في بيت لحم، وتوزّعت حياته في مدن عدة كالقدس الشرقية وبيروت وفرنسا، بدايته مع المسرح كانت مع مسرح الشمس الذي تديره اريان منوتشكين، لكنه عُرف عربياً من خلال مسرح الحكواتي، وقام بتحويل العديد من المسرحيات إلى العربية مثل أعمال داريو فو وبرتولد بريشت، كما أخرج الكثير من العروض العالمية، ولاسيما “خطف في السراي” عام 1997 في أوبرا سالزبورغ، كما كتب العديد من المسرحيات بالعربية مثل “ذاكرة النسيان” التي استند فيها إلى عمل للشاعر الراحل محمود درويش يحمل العنوان نفسه، حيث كانت الأعمال التي يكتبها ويخرجها تدور حول القضية الفلسطينية التي شكّلت هاجساً لتاريخه المسرحي، حتى إن آخر مسرحية له “ظل الشهيد” حملت الكثير من قناعاته ومواقفه مما يعيشه الشعب الفلسطيني، فعلى الرغم من أنه لم يُولد لأبوين فلسطينيين، فوالده الطبيب لوران غاسبار هنغاري الأصل، فرنسي الجنسية، ووالدته الفنانة الفرنسية فرانسين غاسبار، اللذين جاءا إلى فلسطين إثر نشوب الحرب العالميّة، فعاشا وعملا فيها إلى أن قامت سلطات الاحتلال بطرد والده إلى تونس، لكنه كان فلسطينياً بإرادته وانتمائه، وكان سعيه الدائم عبر أعماله المسرحية أن يؤكد للعالم عدالة قضية فلسطين وحق شعبها بحياة حرة كريمة في وطنهم الذي سلبه منهم الصهاينة، وهذا يؤكد ما كتبه الأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني يوماً: "ليس الفلسطيني من يولد لأبوين فلسطينيين، بل الفلسطيني هو المناضل في سبيل الحرية". وفي قراءة لتاريخ المسرح الفلسطيني منذ العام 1967 وحتى الآن، نرى أن «أبو سالم» يمثل ركيزة أساسية وكبيرة لهذا المسرح، الذي كان ولا يزال حاضنة للروح الوطنية، ومقاومة الاحتلال، وميداناً للتجريب والإبداع، حيث حقّقت تجربة "حكواتي المسرح" بإدارة مبدعها «فرانسوا أبو سالم» تميزاً استثنائياً بين التجارب المسرحية العربية بسبب ظروف تشكلها وخصوصيتها، إذ إنها تشكلت في أجواء من الاضطراب والقلق، ما جعلها تعيش عزلة عن بيئتها ومحيطها، وهذا ما أكسبها حالة من التميّز، وأضاف الكثير من العوامل الإيجابية إلى مسيرتها الفنية كمشروع طموح يسعى لتأسيس مسرح عربي يجسد قضايا عصره، متكئاً على التراث وذاكرة الأشخاص الذين عاصروا هذا التراث، وأخذت عبر عروضها تبحث عن أجوبة لأسئلة حياتية، وعملت على معالجة قضايا الوطن والمواطن بعمق رغم صعوبة العمل آنذاك، وكانت الهموم التي تطرحها تزيد من عزلتها وتجعلها تتمسّك بالقضايا المصيرية، الأمر الذي جعلها عرضة للملاحقة والقمع، وقد تمّ إغلاق مركز الحكواتي عدّة مرات من قبل سلطات الاحتلال، لكن هذا كان لا يزيدهم إلا إصراراً على المتابعة.

ورغم الحصار والعزلة التي كانت مفروضة على «أبو سالم» ورفاقه أن يعيشوها، في وطنهم المحتل، وغربتهم عن محيطهم ووجودهم في بيئة لاتمتلك وسائل تعبيرها، ولاتمثل الطقوس المسرحية جزءاً من ثقافتها، أعلن أبو سالم انحيازه للأرض وناسها ولغتها، وطرح نفسه تحدياً آخر، حيث لعب دور الريادة في حركة مسرحية ناشئة رافقها منذ "بلالين" حتى فرقة الحكواتي، هذه الفرقة التي تضمّ فنانين من مختلف الانتماءات الدينية، يعملون جنباً إلى جنب من أجل قضيتين تمثلان أهمية كبيرة هما: قضية فلسطين، وقضية المسرح.

وبسبب موقع الفرقة في الأرض المحتلة والعزلة المفروضة عليها، فقد كان عناصرها يعتمدون الحوار بأبعاده الحيوية في مناقشة أمورهم بما يجعلهم أكثر صدقاً والتصاقاً بتجربتهم ووجودهم نفسه كما صرح أبو سالم في أحد حواراته، وهم كانوا في البداية يقدّمون عروضهم في أوروبا ليشهدوا على وجود حقيقة معينة قد لا تتطابق دائماً مع الصورة الشائعة، حقيقة غائبة من الخطاب الرائج، منسية أغلب الأحيان، تتعلق بقضية فلسطين، فالبعض لا يعرفها والبعض يعرفها معرفة سطحية من خلال وسائل الإعلام، أو مشوهة بفضل حملات التحريف والتضليل، وشهادتهم هذه برأيه ذاتية، لكونها جزءاً من خطاب عام، ومن جهة أخرى يؤكد أبو سالم أن مجيئهم إلى أوروبا «كي نتعلم فنحن منغلقون على أنفسنا، ونعيش حالة من الإقامة الجبرية، والحدود ليست مفتوحة أمامنا كالآخرين، فنحن في جولاتنا لا نملك مكاناً لنا، فنتنقل من مكان إلى آخر.. » وهنا إشارة إلى حالة اللاجئ الذي لم يختر حياة اللجوء، إنما فرضت عليه لظروف قسرية قاهرة تاريخية وسياسية.

وفي مكان آخر يقول أبو سالم: "هناك شيء يسيّرنا ويوجهنا رغماً عنا، وهذا الشيء ناتج عن كوننا فلسطينيين، فهناك الأماكن التي ترغب بوجودنا وتستوعبنا، وبالمقابل هناك الأماكن التي ترفضنا، حيث تراجعت جهات عديدة عربية وغير عربية عن دعوتنا في مرات كثيرة، قبل بدء العرض بلحظات"..

لكن رغم ذلك، فقد حقّقت الفرقة عبر جولاتها الكثيرة علاقة استثنائية مع الجمهور، وخاصة الجمهور الفلسطيني في القرى والبلدات الفلسطينية التي زارتها، واستطاعوا أن يحافظوا على علاقتهم مع ناس مختلفين في قرى مختلفة، على أمل أن يحققوا كفرقة مسرحية الدور الذي ينشدونه.

وكان «أبو سالم» في أيامه الأخيرة، كما أكدت والدته فرانسين غاسبار لرفاقه الذين جاؤوا لوداعه، يعاني من الاكتئاب وقلّة النوم والأكل، كان هاجسه أن يبتكر عملاً جديداً: "كنت أقول له أنت إنسان متواضع لا تعرف قيمة ما فعلت، لديك أعمال كثيرة جميلة وحازت على جوائز"... فقد أخرج أبو سالم أول أوبرا فلسطينية هي "السلطانة بائعة السمك"، وأخرج عدّة أفلام أحدها عن القدس القديمة العربية لمتحف سميثونيانز الأمريكي في واشنطن الذي لم يعرض بسبب الاحتجاجات الإسرائيلية، كما قدّم فرانسوا أبو سالم خدمات كثيرة للمسرح الفلسطيني بشهادة كل من عمل معه، من خلال علاقات التواصل مع أوروبا، حيث أدخل المؤثرات البصرية والألوان والديكورات الكبيرة على العمل المسرحي.

لقد سكن «أبو سالم» الحلم بأن يستطيع عبر مشروعه المسرحي تحقيق حالة من الوئام والسلام الذي تفتقده البشرية، لكن الاضطرابات التي يعيشها العالم، والتي انعكست على الحالة السياسية والثقافية عمقت لديه حالة الإحباط، وكانت صدمته كبيرة بعجزه عن تحقيق حلم رافقه طوال حياته، هذا الحلم الذي لم يستطع تحقيقه، فكان عجزه خيانة لحلمه التي بسببها قرر الرحيل.


15/10/2011





® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600