في شهرِ أيلول.. - حسين مهن
في شَهرِ أيلولَ تَتَراخى قَبْضَةُ الشَّمسِ،ويَبْسُطُ الصَّيفُ راحَتَيهِ لِيَمْلأ أهراءَ الخَريفِ الفارِغَةَ قَمحا وشَعيرا وعَدَسَا وحِمِّصا وتينَا مُجَفَّفَا وزَبيبا.

في شَهْرِ أيلولَ تَستَحيلُ الأَعنابُ خُمورَا والزَّيتونُ زَيتَا بَلسَما.

في شَهْرِ أيلولَ يَأْتينا طائرُ اللَّقلَقِ كعابِرِ سبيلٍ أو كَضَيفٍ خَفيفٍ هَرَبًا من صَقيعٍ شمالِيٍّ داهمٍ،ولُجوءًا الى رَوابي الجنوبِ الدَّافِئَةِ.ويَأتينا طائرُ الوَرْوارِ،أو آكِلُ النَّحْلِ، غازِيَا شَديدَ السَّطْوِ على قُفْرانِ النَّحَّالينَ.

في شَهْرِ أيلولَ يَنْهَضُ الصَّليبُ من عَتْمَةِ ليلِ الفِرِّيسِيِّينَ لِيَنْتَصِبَ نورا هادِيا لِلأرواحِ الضَّالَّةِ البائسّةِ،فَيَعودَ الكاذِبُ صادِقَا،والحاقِدُ مُتَسامِحًا،والعاصي طائعًا،والحَريصُ على حياتِهِ فادِيًا.

في شَهْرِ أيلولَ أستَذْكِرُ والِدَتي تقولُ لي:أحْضِرْ لَنا بَعضَ أكوازِ الرُّمّانِ المليسيِّ فقدْ (صَلَّبَ)،ليسَ بِمعْنى أصبَحَ صُلبا،بَلْ بِمعْنى أنَّهُ قد مَرَّ عليهِ عيدُ الصَّليبِ،فَنَضَجَ وزادَ حلاوَةً.

في شَهْرِ أيلولَ أستَذْكِرُ والِدي وهو يَضَعُ أكواما صَغيرَةً صَغيرَةً من الملْحِ على ورَقَةِ تينٍ لَيلَةَ عيدِ الصَّليبِ...أسألُ:ما تَصْنَعُ يا أبي؟يُجيبُ:أستَقرئُ مُسبَقَا كم سَيسْقطُ من المطَرِ في فَصْلِ الشِّتاءِ.أسألُ ثانِيَةً: كيفَ؟ ويَشْرَحُ لي والِدي فَرِحًا بي وبِسُؤالي، وأنا أُصغي مَأخوذَا بِالحَيْرَةِ مِمَّا أرى، مِمَّا أسمعُ.

وأستَذْكِرُ والِدي شاهِدًا على ما يدورُ من اتفاقِيَّاتٍ ليلَةَ عيدِ الصَّليبِ؛فَسَنَةُ الفلاّحِ عندَنا(من الصَّليبِ الى الصَّليبِ).إتِّفاقِيّاتٌ شَفَوِيَّةٌ لا ضامِنَ لها سوى الذِّمَّةِ والأمانَةِ بينَ مالِكٍ وأجيرٍ أو بينَ راعٍ وصاحِبِ قطيعٍ.فَإلى جانِبِ الأُجرَةِ المَحْسوبَةِ سَنَوِيَّا،يكونُ الأَجيرُ آكِلا شارِبَا مَكْسُوَّا مَحْذُوَّا بِمَداسٍ لا يُنْقَبُ.

في ليلَةِ عيدِ الصَّليبِ أستَذْكِرُ طُفولَةً بائسَةً يابِسَةً عِشْناها ولكِنَّها عَلَّمَتْنا الصَّبْرَ والجِدَّ والبَحْثَ عنِ الفَرَحِ أينَما كانَ وكَيفَما كانَ.وهَلْ يكونُ عيدُ الصَّليبِ يومَ كُنّا أطفالا عيدًا إذا لم نوقِدْ نارًا نقفِزُ من على لَهيبِها فَرِحينَ صائحينَ )الليله عيد الصّليب..اللّيله عيد الصّليب....)!

فيا عيدَ فَلاّحي بلادِنا ..أهلا بكَ في كُلِّ عامٍ جامِعًا إيَّانا على حُبِّ تُرابِ هذا الوَطَنِ..وكما خَرَجْتَ أيُّها الصَّليبُ المغسولُ بِدَمِ الفادي من عَتمَةِ ليلِ الفِرّيسِيّينَ فقد آنَ لنا أنْ نَتَرَجَّلَ عن صليبِ آلامِنا،ونَمْلأَ السَّاحاتِ بَيارِقَ مَجْدٍ وفَيالِقَ مُنْتَصِرينَ.



13/10/2011








® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600