بابلو نيرودا، ومائة قصيدة حب.. - محمد إبراهيم أبو سنة


جائزتي هي تلك اللحظة القصيرة في حياتي، حيث صعد إنسان كما لو كان يصعد من جهنم، وصعد من حفرة منجم للبارود، بوجه مشوّه بسبب العمل الرهيب، بعينين مجمدتين بسبب الغبار القاتل، ومد لي يده المتصلبة، وقال بعينين تبرقان: "إني أعرفك منذ زمن طويل يا أخي"
(من مذكرات الشاعر)

بابلو نيرودا من أعظم شعراء القرن العشرين. ولد في تشيلى بأمريكا اللاتينية فى يوليو عام 1904، وقبل أن يكمل شهرين من عمره، توفيت والدته، وكان هذا إيذانًا برحلة طويلة قاسية من مكابدة الحرمان، وتقلبات الأيام، والصراع من أجل البقاء والارتقاء، والدفاع عن البسطاء والفقراء والضعفاء في مواجهة الفقر والظلم والاستبداد. نشأ في بيئة فقيرة حيث كان والده عاملاً بسيطًا وقد تزوج سيدة أخرى بعد وفاة زوجته، كفلت بابلو نيرودا بالتربية، ويبدو أنها كانت سيدة طيبة، فقد أحبها الغلام، وكان يسميها بالملاك الحامي لطفولته. تلقى تعليمه وأتقن عدة لغات بجانب لغته الوطنية الإسبانية، وعمل في مجالات كثيرة، ثم اتصل بالصحافة حيث بدأ كتابة قصائده وهو دون العشرين من عمره. ونظرًا لتألق موهبته وروعة شعره، فقد عرف في بلاده مبكرًا،وانخرط في التنظيمات السياسية اليسارية. ومن أجل نشاطه السياسى اعتقل، وعرف السجون، وبقي مطاردًا من الحكام المستبدين. ثم سافر إلى باريس ومدريد، وعين في السلك الدبلوماسى في مرحلة متأخرة من حياته حيث عمل سفيرًا في باريس، وكان صديقًا وحليفًا للرئيس الشيلى اليسارى، السلفادر الليندى. وتجدد أمله في عهد صديقه في أن تتحقق أحلامه بالعدل والسلام والحرية، ولكن القوى اليمينية تحركت ضد زعيمه، وقامت برعاية الولايات المتحدة، بانقلاب دموي لقي فيه الليندى مصرعه، وكان بابلو نيرودا مريضًا ويرقد في أحد المستشفيات في تشيلي، ولم يلبث أن توفي. ويرى البعض أنه قتل على أيدي رجال بينوشيه، قائد الانقلاب العسكري.

* صديق البسطاء

خلف نيرودا تراثًا شعريًا هائلاً، وترجمت أعماله إلى معظم لغات العالم. وقد نال جائزة نوبل في الأدب في عام 1971، وكان قد نال من قبل ذلك جائزة ستالين الروسية في عام 1953. وقد كتب سيرته الذاتية في كتابٍ رائع بعنوان "أشهد أنى قد عشت"، ترجمه إلى العربية الأستاذ محمود صبح. تزوج ثلاث مرات، فشل في اثنتين منها، وأنجب فتاة وحيدة مرضت بشلل الأطفال، وكانت تمثل له همًا ثقيلاً وحزنًا دائمًا إلى أن توفيت وهي في الثامنة من العمر. كانت زوجته الثالثة ماتيلدا، والتي تزوجها بعد أن تجاوز الخمسين من العمر، هي التي استطاعت احتضان قلقه وشقائه ونجاحه وفشله، وعاشت معه حتى نهاية حياته التي كانت في عام 1973. يقول الأستاذ رجاء النقاش عن بابلو نيرودا في كتابه "شعراء عالميون": "كان نيرودا محبًا للرحلة والتنقل بين بلدان العالم المختلفة، فزار معظم بلدان أمريكا اللاتينية. وزار أوروبا والهند والصين والولايات المتحدة الأمريكية، وقضى فترات طويلة من حياته في باريس وروما ومدريد، وكان صديقًا حميمًا لشاعر إسبانيا العظيم لوركا الذى اغتالته قوات الطاغية فرانكو في عام 1936." ويقول النقاش: "هذه الحياة المليئة بالمعاناة والاضطراب لم يكن لها تأثير سلبي على نفسية نيرودا، فظل في شعره متفائلاً وداعيًا إلى الخير والجمال. وظل صديقًا لبسطاء الناس، يعبر عنهم ويكتب لهم قصائده البديعة.. عبقرية البساطة تتجلى في قصائد نيرودا ونحن نطالعها فى ترجمتها العربية السهلة التي قدمها لنا الدكتور محمود صبح في كتابه "نيرودا، مختارات شعرية". يقول نيرودا عن شعره: إن شعري يتهيأ كي يتحدث مع أشباح شمسية في وضح النهار. إن شعري يعد العدة كي يحدد العلاقة المنسية بين الإنسان والخريف. وأحيانًا يكون الجو معتمًا، ولكن سرعان ما تتجلى الغيوم وينطلق بريق مشحون فيه تألق ورعب. إنه بناء جديد، بعيد تمامًا عن كل الكلمات المستعملة والمستهلكة. وهو بناء يشق سطح الهواء. إنه قارة جديدة مكونة من أكثر العناصر الشعرية سرية، وهي قارة شامخة في الفضاء وفي تعمير هذه الأراضي وفي تصنيف هذا الملكوت، في لمس ضفاف ألغازه وفي اخماد عواصفه وتهدئة أمواجه. قضيت سنين غامضةً متوحدة بعيدة".

* إكليل الغار

يقول نيرودا في مذكراته: "لقد كان عليّ أن أكافح. أن أحب وأغني. أن أنتصر وانهزم. أن أتذوق طعم الخبز. أن أتذوق طعم الدم. لقد عشت من أجل شعري، وشعري لم يتخل عني، وكان دعمًا لي في كل صراعاتي. وقد حصلت على جوائز كثيرة، جوائز مثل الفراشات الجميلة، ولكني نلت جائزة كبرى، جائزة يحتقرها الكثيرون، إلا أنها في حقيقة الأمر مستعصية على الكثيرين. لقد أصبحت بعد عناء طويل شاعرًا شعبيًا، وتلك هي جائزتي الكبرى. ليست جائزتي هي الكتب المكتوبة عني، ولا القصائد التي ترجمت لي، أو المؤلفات التي تصف قصائدي، وتشرحها، أو تحنطها. إن جائزتي هي هذه. هى تلك اللحظة القصيرة في حياتي، حيث صعد إنسان كما لو كان يصعد من جهنم، وصعد من حفرة منجم للبارود، في وجه مشوه بسبب العمل الرهيب، في عينين مجمدتين بسبب الغبار القاتل، ومد لي يده المتصلبة، وقال بعينين تبرقان: "إني أعرفك منذ زمن طويل يا أخي." إن هذا هو إكليل الغار الشعري حيث يخرج عامل منجم قالت له الريح والليل والنجوم مرات عديدة فى بلادي: "إنك لست وحدك. فهناك شاعر يفكر في آلامك."

لقد كان لشعر نيرودا أثر كبير في شعر بعض الشعراء الرواد، خاصة شعراء المدرسة الواقعية في الشعر العربي الحديث. وصدرت ترجمات متعددة لكثير من قصائد هذا الشاعر إلى اللغة العربية. وقد صدرت منذ فترة قصيرة ترجمة جديدة لهذا الديوان للشاعر بابلو نيرودا، وهو ديوان "مائة قصيدة حب"، وقد صدرت هذه الترجمة فى العراق، وقامت بها المترجمة سحر أحمد. وقد قسمت الكتاب إلى أربعة فصول، يحمل كل فصل منها عنوانًا مرتبطًا بالزمن. وهذه العنواين هي: الصباح، الظهر، المساء، الليل. وقد جاءت الترجمة معبرة بشفافية عن عمق الرؤية الشعرية عند بابلو نيرودا، وحسية صوره الفنية، والمزج الفياض بين الغموض والوضوح، بين المادة والمعنى، بين التفاصيل الصغيرة والمدى الكلي، بين الداخل والخارج. ومع كل ترجمة جديدة يولد الشعر من جديد، ويتجلى وجوده حيث يتناثر بين ظلال لغة أخرى، ذلك لأن الشعر في النهاية هو الروح الإنسانية في قمة تجلياتها وافصاحها عن الكلي في الحياة والمستحيل الذى يتبدى ممكنًا فقط فى القصائد.

* غرف مملوءة بالرماد

يقول بابلو نيرودا في قصيدة من الفصل الخاص بالصباح: "حبيبتي، قبل أن أحبك لم أكن أملك شيئًا:/ كنت أترنح فى الشوارع، بين العاديات:/ لا شيء مهم أو مسمى:/كان العالم من الهواء الذى ينتظر/ عرفت غرفًا مملوءة بالرماد،/ أنفاقًا يسكنها القمر،/ مخازن قاسية دمدمت: أغرب عني،/ أسئلة ألحّت فى الرمال/ كانت الأشياء خاوية، ميتة وصامتة،/ ساقطة، مهجورة وفاسدة،/ شديدة الغرابة،/ تعود لشخص آخر، لا لأحد،/ حتى ملأ جمالك وفقرك/ الخريف بالعطايا". ويقول فى قصيدة أخرى: "آه من الحب. شعاع مجنون، ووعيد أرجوانى/ تأتين وتتسلقين سلمك الطري/ القلعة التى كللها الزمن بالضباب،/ حيطان القلب المغلق الشاحبة/ لا أحد سيعرف أن الرقة وحدها/ كانت تشيد بلورات صلبة كالمدن/ وأن الدم فتح أنفاقًا بائسة/ لكنه فى ملكيته لم يهزم الشتاء/ لهذا كان الحب، فمك. بشرتك، نورك، وأحزانك،/ إرث الحياة، عطايا/ المطر المقدسة، عطايا الطبيعة/ التى تتلقى البذور الحوامل وتعليها،/ زوبعة النبيذ السرية في الأقبية،/ وميض الذُرة فى الأرض."

ويقول فى قصيدة من فصل المساء: "عزيزتي، وا أسفي على نفسي، وا أسفى عليك،/ لم نرد غير الحب، أن يحب أحدنا الآخر،/ لكن من بين كل الأحزان، كان مقدرًا علينا/ أن نتألم/ أردنا الأنتِ والأنا/ أنت القبلة، أنا الخبز السري،/ وهذا ما كان، بسيطًا إلى الأبد،/ حتى دخلت الكراهية من الشباك./ الذين لا يحبون حبنا، يكرهوننا،/ ويكرهون كل حب، أولئك التعساء/ كالكراسي فى الغرف الضائعة،/ حتى يتشابكوا فى الرماد/ حتى تذوي وجوههم المشئومة فى الشفق الذاوي.".. ويقول في الفصل الخاص بالليل :"حبيبتي/ عدت من السفر والحزن/ لصوتك، ليدك تطير على القيثارة،/ للنار تعترض الخريف بالقبلات،/ لليل يطوف فى السماء./ أريد الخبز والملك للجميع،/ أريد الأرض للفلاح المعدم،/ لا أريد أحدًا أن يطلب الاستراحة لدمي أو لأغنيتي،/ لكني لا أتخلى عن حبك من دون أن أموت./ اعزفي فالس القمر الهاديء،/ أغنية البحار على مياه القيثارة،/ حتى يتدلى رأسي حالمًا:/ نسج أرق عمري هذه الأيكة حيث تعيش يدك وتطير/ تراقب ليل المسافر النائم." ويقول في فصل الصباح: "الحب المرير، بنفسجة متوجة بالشوك،/ في بستان العواطف الشائكة،/ رمح حزن، تويج غضب: كيف قهرت/ روحي؟ أى طريق من طرق الآلام أوصلك؟/ لم سكبت نارك الرقيقة،/ فجأة على أوراق حياتي الباردة؟/ من دلك على الدرب؟/ إيه وردة، إيه صخرة، أى دخان أرشدك إلي؟/ لأن الأرض اهتزت/ أجل/ تلك الليلة المريعة، وملأ الفجر بنبيذه كل الكؤوس/ وأسفرت الشمس السماوية،/ بينما فى داخلي، التف جرح الحب الضاري/ وخزني بأشواكه، وطعنني بسيوفه/ فاتحًا طريقًا لافحًا إلى قلبي".

ويقول بابلوا نيرودا مخاطبًا حبيبته يناشدها ألا تتركه وحيدًا: "لا تغيبي. ولا يومًا واحدًا لأني،/ لأني لا أعرف كيف أقولها، اليوم طويل،/ وسأبقى انتظرك، كما فى المحطات الخالية/ حين تتوقف القطارات فى مكان ما وتنام/ لا تتركيني ساعة واحدة،/ ستجرى دموع الحزن الصغيرة ساكبة،/ والدخان الذى يطوف بحثًا عن منزل،/ سيتراكم فى صدري، ويخنق قلبي الضائع/ آه، ليت صورتك لا تنكسر على الرمال،/ آه، ليت جفونك لا تطير فى الغياب:/ لا تتركيني لحظة واحدة، حبيبتى،/ لأنك في تلك اللحظة تكونين بعيدة/ حتى إني أعبر الأرض، أسأل/ هل يا ترى تعود أم تتركني لموتي".

إن الحب الذى يتجلى فى هذا الديوان يتجاوز مجرد العلاقة بين الشاعر والمرأة وهي تلقي بأجنحتها الهائلة فوق سطور القصائد، لكن الأعماق السرية للقصائد تكشف عن حب الوطن والمرأة والإنسان. إن شعر نيرودا كما ترجمته الكاتبة الأديبة العراقية سحر أحمد، يمثل أنشودةً عميقةً ورائعةً في حب الحياة.

* كاتب مصري

08/09/2011








® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600