إبراهيم طوقان شاعر الحياة والثورة - صقر أبو فخر


يطلقون عليها لقب «دمشق الصغرى»، ويسمونها أيضاً «جبل النار». إنها مدينة نابلس الفلسطينية التي يحرسها جبلان هما: عيبال وجرزيم. وجرزيم هو الجبل المقدس لدى السامريين أو «السُمَرَة» بحسب لسان أهل نابلس. أما تسميتها «دمشق الصغرى» فربما لأنها مدينة التجارة والتجار الحاذقين والمحافظين، أو لأن كثيراً من عائلاتها من أصول سورية مثل آل طوقان وآل النمر الذين يتحدرون من بلدة تل طوقان بالقرب من حماه. والمشهور أن حي الصالحية في دمشق أسسه نابلسيون بالدرجة الأولى، واشتُهر من بين هؤلاء فقيه الشام عبد الغني النابلسي صاحب «الرحلة الحجازية».

في هذه المدينة العابقة بالتاريخ والعروبة، والمكللة بأشجار الزيتون، عاش إبراهيم طوقان في عائلة محافظة، لكنها تميل إلى المعاصرة والعلم والسياسة معاً. وقيض له أن يتلقى الاهتمام، في بداياته الشعرية، من والده عبد الفتاح طوقان ومن أستاذه نخلة زريق، تماماً مثلما قيض له أن يلقى الرعاية في أثناء دراسته الجامعية في بيروت من شقيقه أحمد طوقان ومن الأديب سعيد تقي الدين اللذين أخذا بيده واعتنيا بتنقيح قصائده. وهكذا بدأ يقرزم الشعر قرزمة في المناسبات إلى أن نشر أولى قصائده في سنة 1923 التي جعلته يخطو الخطوة الأولى في طريق الشعر، ويصبح «شاعر فلسطين الكبير» بكل جدارة. وبهذا الاستحقاق بات إبراهيم طوقان علامة شعرية فارقة في مسيرة الشعر الفلسطيني إلى جانب عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)؛ هذه المسيرة التي أضاءت على العالم العربي بكوكب جميل ومدهش هو محمود درويش.

شعر الألم

تأثر إبراهيم طوقان بالمدرسة الإحيائية الشعرية في مصر، وبالثلاثي حافظ إبراهيم وخليل مطران وأحمد شوقي، وأثر فيه كذلك ثلاثة من مدرسيه في فلسطين هم: إبراهيم الخماش وفهمي هاشم ونخلة زريق. وهؤلاء أيقظوا فيه الوعي القومي ومعنى الحياة أيضاً، فجاء شعره نابضاً بالحياة وبألق الشباب، ومفعماً بقضايا وطنه. ولعل إبراهيم هو أكثر شعراء فلسطين الذين تداولت قصائدهم جموع الناس، والذي جعل الشعر يدخل إلى البيوت بقوة. وكانت قصيدته «الثلاثاء الحمراء» التي كتبها في الشهداء الثلاثة الذين أعدمتهم السلطات البريطانية غداة هبة البراق في سنة 1929 (عطا والزير وحجازي) فاتحة مجموعة من القصائد الجميلة التي تناقلتها الألسن مثل قصيدة «الفدائي» وقصيدة «الشهيد»، فضلاً عن الأناشيد التي نظمها مثل نشيد «موطني» الذي حاولت بعض الجهات السياسية جعله نشيداً وطنياً لفلسطين، ونشيد «في ثنايا العجاج» الذي أهداه في سنة 1925 إلى عبد الكريم الخطابي، والذي عُرف بـ«نشيد الريف».

كان يتخيّر القوافي الصعبة لقصائده، وهي طريقة من طرائقه في استعراض قدراته الشعرية. ولم ينكر، في الوقت نفسه تأثره بمن سبقوه، فقد حذا حذو حافظ إبراهيم في قصيدته عن النساء المصريات اللواتي خرجن في تظاهرة مؤيدة لثورة 1919، والتي يقول فيها: خرج الغواني يحتججن ورحت أرقب جمعهن» فنظم قصيدة «ملائكة الرحمة» في سنة 1924 على غرارها، ونشرها في جريدة «المعرض» اللبنانية، وتناقلتها صحف أخرى كثيرة منها «التمدن» في الأرجنتين، ويقول مطلعها المشهور:

بيض الحمائم حسبهنَّ إني أردد سجعهنَّ
رمز السلامة والوداعة منذ بدء الخلق هنّة

بين مدينتين

في أثناء دراسته في القدس على معلمه نخلة زريق تمكن من الاطلاع على كنوز الشعر العربي، وعلى أسرار العربية. وفي القدس شارك في تأسيس «عصبة القلم» مع أبو سلمى ورئيف خوري وخليل البديري وعارف العزوني ورجا حوراني. أما في بيروت فكان من رواد مجالس الأدب التي كان يعقدها أمين تقي الدين وجبر ضومط والأخطل الصغير. ولا ريب في أن بيروت كانت أخصب محطات حياته الثقافية، وفيها ألّف مع حافظ جميل (من العراق) ووجيه البارودي (من سوريا) وعمر فروخ ونديم البارودي (من لبنان) حلقة أدبية أسموها «دار الندوة»، وتسمى كل واحد منهم باسم شاعر عباسي، فاختار إبراهيم طوقان اسم «العباس بن الأحنف»، واختار وجيه البارودي اسم «ديك الجن الحمصي»، أما حافظ جميل فكان اسمه «أبو نواس»، وعمر فروخ «مسلم بن الوليد» أو «صريع الغواني»، واكتفى نديم البارودي بأن يكون كاتب الندوة فحسب. وقد انفرط عقد «دار الندوة» في سنة 1928. وحتى وهو في بيروت بعيداً عن نابلس التي ترك فيها شقيقته فدوى طوقان ظل الجذع الوحيد الذي استندت إليه شقيقته، وهو الذي أسماها «أم تمام» بينما اختارت لنفسها اسم «دنانير» لتوقع به بعض قصائدها الأولى. وفي الرسائل التي كان يبعث بها إلى فدوى ظل يذيّل رسائله حتى سنة 1932 بعبارة: «بيروت ـ سوريا».

بين شعرين

في مقابل قصائده الوطنية الملتهبة بالحماسة، كان إبراهيم طوقان يكتب قصائد الحياة المفعمة بنشوة الشباب وبهجة الأمل ونضارة الحياة اليومية. ولعل هذا الدفق الشعري الصاخب كان محاولة لدفع آلامه، وهي كثيرة، أو طريقة لاتقاء هلع الموت الذي حاق به مراراً، وأحاطه في حياته اليومية. وقد اشتُهرت قصيدته «في المكتبة» التي نظمها في ماري صفوري من كفركنا، وهي إحدى الطالبات الفلسطينيات التي رقّصت قلوباً شتى في الجامعة آنذاك، واختارت إبراهيم من بين طلاب آخرين. وقد أحبها إبراهيم طوقان بشغف، لكن هذا الحب انتهى بآلام كثيرة. ولعل هذه الآلام سمت بمشاعره وبشاعريته إلى حدودها القصوى، فكتب موشح «حملتني نحو الحمى أشجاني»، وكتب «غادة أشبيلية» عن راقصة إسبانية كانت تغني في مقهى نجار في ساحة البرج، وكتب قصيدة «مصرع بلبل» التي يقول فيها:

ضمّها الطيرُ مطبقاً بجناحيه وهمت بثغره شفتاها
وردة تبهر العيون ولكن كثرة الشم قد أضاعت شذاها

بسبب ماري صفوري كتب أبو سلمى قصيدة مطلعها «يا صبايا كفركنا آهٍ من عيونكنَّ» ونسبها إلى صديقه إبراهيم طوقان متحبباً، فراجت كثيراً في أجواء الجامعة الأميركية آنذاك. ونظم الاثنان معاً قصائد هاذية ومكشوفة وجميلة في الوقت نفسه. لكن أوراقه التي تحتوي قصائده المكشوفة ما زالت مجهولة... وبعض العارفين يقول إنها أُتلفت، وبعض آخر يقول إنها مخفية في مكان أمين لدى ابنه جعفر الذي ينكر هذا الأمر.



آخر المطاف

في تشرين الأول 1940 أقالته سلطات الانتداب البريطاني من منصبه في الإذاعة الفلسطينية بعدما أذاع قصة بعنوان «جزاء الأمانة» التي اقتبسها من كتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ، والتي أسقط عليها أحوال وطنه الرازح تحت الاستعمار، والمهدد بالهجرة اليهودية المتفاقمة. وعلى الفور بادر صديقه أكرم الركابي إلى الاتصال بطالب مشتاق الذي كان يشغل منصب قنصل العراق في القدس، وطلب إليه تأمين عمل في العراق لإبراهيم طوقان، فعُيّن مدرساً في دار المعلمين في بغداد. لكن آلام المعدة لم تترك للشاعر الكبير أن ينعم بأجواء بغداد، فتفاقم عليه المرض، الأمر الذي اضطره إلى العودة إلى القدس، لكنه لم يلبث أن مات على صدر أمه بعدما نزف دمه وخارت قواه.

غاب منذ سبعين سنة
- وُلد إبراهيم عبد الفتاح طوقان في نابلس سنة 1905.

- والده عبد الفتاح كان عضواً في حزب الكتلة الوطنية في نابلس، وأحد الذين شاركوا في المؤتمر القومي العربي في بلودان سنة 1937، ووالدته فوزية العسقلاني.

- تزوج سامية عبد الهادي ولهما: جعفر وعريب.

- درس المرحلة الابتدائية في المدرسة الرشادية في نابلس بين 1914 و1918، ثم انتقل إلى مدرسة المطران في القدس، وتخرّج فيها سنة 1923.

- التحق بالجامعة الأميركية في بيروت سنة 1923، وحين تخرّج في سنة 1929 عاد إلى نابلس ليعمل مدرساً في كلية النجاح. لكنه لم يلبث أن عاد إلى بيروت والتحق بالجامعة الأميركية مدرساً هذه المرة. غير أن أمراض المعدة التي أنهكت جسده أرغمته على العودة إلى فلسطين في سنة 1933. وكان خضع لعمليتين جراحيتين جراء القرحة في سنتي 1924 و1932.

- أتقن الإنكليزية وألمّ بالفرنسية، وكان يعرف جانباً من التركية.

- عُيّن مساعداً لمدير إذاعة القدس ومراقباً للقسم العربي فيها سنة 1936.

- فُصل من الإذاعة فغادر إلى العراق سنة 1940 ليعمل مدرساً في دار المعلمين.

- تفاقمت أمراضه في العراق، فنُقل إلى القدس للمعالجة، لكنه توفي في 2/5/1941.


السفير - فلسطين
العدد 16 - الأربعاء 17 آب 2011 - السنة الثانية

27/08/2011






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600