عازف العود العراقي عمر بشير: يعجبني جنون زياد الرحباني لأني مجنون مثله
فنانون كبار مثل وديع الصافي وصباح والرحابنة كانوا ضيوفا على اهله



التقته فاطمة عطفة: كلما التقيت عالما، فنانا، أديبا أو إعلاميا عراقيا، أشعر بالحسرة والألم على هذا البلد الفريد في غناه الثقافي والعلمي والحضاري. ويبدو أن هذا هو السبب في احتلاله وتدميره، وإن كان النفط هو الكعكة الساخنة! ولقاء فنان كبير يعد من نجوم الموسيقيين وأستاذ المقامات العراقية في العالم كان مكسبا كبيرا وللقراء معا. إنه عمر ابن الفنان الرائد منير بشير الذي رحل في 1997، ويعتبر عمر بشير واحدا من أهم عازفي العود في العالم العربي والغربي، وقد قدم العود بطريقته الخاصة التي يدمج فيها الموسيقى العربية مع الموسيقى الغربية التي قدمها في أمسياته الفنية ومن خلال ألبوماته التسعة عشر. ويواصل الفنان عمر إبداعاته منطلقا بموسيقى العود إلى المهرجانات والآفاق الإنسانية في العالم أجمع. وجدير بالذكر أن الفنان العالمي كوينسي جونز اختار هذا الفنان العراقي من بين مئات عازفي العود في العالم ليشاركه في مشروعه GUMBO ALL STARS وذلك في 20 تموز/يوليو الجاري في مهرجان Festival de Kastel Perlada Spain.

وسيقوم كوينسي جونز بإعادة توزيع مجموعة من المقطوعات الموسيقية التي لحنها الفنان عمر بشير لتقديمها سوياً وبمشاركة فنانين عالميين كبار. ويعتبر عمر أن اختياره لمشاركة هذا الفنان العالمي مسؤولية كبيرة لأن العمل يمثل العود العربي أولاً، ولأنه مع عبقري الأغنية الأمريكية ثانياً، كما أنه قدم أعمالا رائعة خلال السنوات الأخيرة.

التقت 'القدس العربي' الفنان الكبير في أبوظبي وقد تفضل مشكورا بهذا اللقاء.

* كيف كانت البداية ومحبة العزف على العود؟

* 'كان الفضل الأكبر إلى ماما التي كونت مني عمر بشير وأخذت بيد منير بشير الذي ساعدني أيضا الاستماع إلى والدي وأنا وصغير، أيضا عمي جميل بشير من الفنانين الكبار وله مدرسته الخاصة، وأنا تعلمت من الاثنين، لكن الموسيقى مثل كل الفنون تحتاج إلى موهبة ذاتية خاصة، وتحتاج إلى استماع إلى موسيقى عالمية ومتابعة. من صغري كان أبي يسمعني إلى موسيقى هندية، يابانية، وصينية، كل أنواع الموسيقى، حتى تكون عندي فكرة، ثقافة عامة، أكون فيها بالمستقبل اسم عمر بشير حتى ما أبقى تحت عباءة منير بشير فقط'.

* هناك نظرية تقول إن الأم التي تسمع موسيقى بشكل دائم وهي حامل، يمكن أن يأتي طفلها حاملا في تكوينة محبة الموسيقى، هل ترى أن هذه الفرضية صحيحة؟

* 'هذا مؤكد '100 أنا أعرف أن والدي كان يريد أن يعمل قسما خاصا في مستشفى للحوامل يربون الطفل على الموسيقى وهو جنين في بطن أمه. في سويسرا مستشفى يستخدمون فيه موسيقى منير بشير، وفيه من أعمالي أيضا، ليشعر الطفل بها وهو جنين في بطن أمه، أكيد لها علاقة ولها تأثير، لكن لا بد أن تصقل الموهبة ويتعلم الطالب ويتعب على نفسه، وإلا يذهب كل شيء دون فائدة'.

* ذكرت الوالدة والتأثير الايجابي لها بحياة الوالد، أو في تربيتك وتنمية الموهبة لديك، السؤال هل الزواج عندما يكون من بيئات مختلفة خاصة الوالدة من هنغاريا، الوالد من العراق أرض الحضارات، من خلال هذا التنوع كيف كان الغذاء الروحي الذي أخذته من الطرفين؟

* 'أول شيء كما ذكرت بابا من العراق ماما من هنغاريا، وعندي الأصل في العائلة أتراك أيضا، هذا الخليط استفدت منه كثيرا، الإنسان لما يكون من جنسيتين أقل شيء يقدر يفكر بطريقتين، ويستطيع أن يكون أفكارا أكثر وأغنى، الغذاء الروحي أخذته من العراق، من هنغاريا، ومن كل البلدان التي عشت فيها. عشت أول خمس سنوات من حياتي في لبنان، وأذكر لحد الآن تلك الفترة، عدد من الفنانين الكبار كانوا يأتون لعندنا في البيت: وديع الصافي، صباح، بيت الرحابنة، أسمع فيروز وأنا صغير، هذا كله غذاء روحي كان له تأثير كبير علي، إضافة إلى اختلاطي. وبعد أن ذهبت إلى هنغاريا كنت بالعشرين.. وهذا أهم عمر. القاعدة الأساسية كنت مع بابا، أول 15 سنة تعلمت العزف وتدربت كثيرا كعازف عود، كمستمع لموسيقى عالمية، فولكلورية، كلاسيكية، ثم طلعت إلى هنغاريا. وقتها كنت مندفعا وأشعر بأني جديد في بداية الطريق وأحب أن أكون عمر بشير، وليس فقط عمر منير بشير. اختلطت مع فنانين هنغاريين وأجانب في الجاز، كلاسيك من هنود، باكستانيين، إسبانيين في الفلامينكو، صار عندي تكوين جيد تغذيت منه. أنا دائما أقول على الفنان أن يستمع إلى الموسيقى الفولكلورية في العالم كله، من أمريكا إلى اليابان، لأن الفولكلور هو السر الوحيد الذي يمكن دائما أن تطور فيه شيئا، ويطلع فيه شيء جديد. مثلا لو عملت المقطوعة العراقية الآن وعمرها مئة سنة (فوق النخل) يمكن أعملها خمسين مرة تختلف عن الثانية مع أنها قطعة بسيطة، كان دائما بابا يقول لي: عمر إذا كنت تريد أن تكون ناجحا استخدم الفلكلور ومن بلدك'.

* ذكرت فناني لبنان الكبار ومنهم الرحابنة، جاء زياد الرحباني وأضاف على فن والده عاصي وأدخل التجديد لأغاني الفنانة العظيمة فيروز، كيف ترى فن الرحابنة ما بين المؤسسين وما بين زياد؟ هل أدى التجديد إلى الأفضل؟ وما أضاف لمسيرة الرحباني؟

* 'أنا بالنسبة لي الست فيروز تبقى عاصي الرحباني ومنصور الرحباني، عاصي هو من اكتشف فيروز، لما تزوجها وانطلقت فيروز، الحلو في الرحابنة أنهم عرفوا كيف استخدموا صوت فيروز، وهم لم يكن لهم أن يحققوا النجاح أيضا لولا وجود فيروز، فهي أيضا الفنانة فيروز، وكانت مهمة جدا في حياة الرحابنة أيضا، هي مصدر الشهرة لهم. زياد أحبه وأحترمه جدا عنده بعد للموسيقى خاصة في الجاز، أحب موسيقاه كثيرا، لكن فيروز بالنسبة لي تبقى هي الأغاني القديمة التي كنت أنا أسمعها، كما أني أحب زياد من زمان وأسمع له ويعجبني جنونه، لأني أنا مجنون مثله! أصلا كل أعماله جملية، لكن لم تعد تناسب صوت فيروز في هذا العمر'.

* فعلا هناك من يصف الإبداع والمبدعين بالجنون لأن تصرفاتهم تختلف عن الآخرين، هل لأن المبدع يبقى مشغولا بعالمه الخاص به؟

* 'هناك كثير من الفنانين يقولون: أنا فنان! وهناك فنانون لا يحتاجون أحدا يتكلم عنهم، تعرفينه من جنونه أنه فنان. السبب أن الفنان الحقيقي دائما سابق زمنه بعشر أو عشرين سنة. مثلا والدي عنده مقطوعات موسيقية سابقنا بأربعين سنة قدام، كنا نسمعها وأنا صغير، مثل مقطوعة (أم سعد) لحنها لأخي لما ولد، و(سامبا ورمبا) في سنة 66 عنده مقطوعة اسمها (مامبو) لحنها كان عمره 5 سنين، لما كنت أسمعها وأسأله عنها لأني لا أفهمها. وبعدما توفى بخمس عشرة سنة صاروا يقلدون منير بشير بهذه المقطوعات، أنا لما عملت (سي دي، العود اللاتيني) العود في 97 بعض الناس انتقدوني، وهناك ناس قالوا إن العود صار في طريق ثاني، هذا ليس العود الشرقي، عملت (العود الغجري) مع الغناء الغجري والروماني عجبهم، بعدها عملت (العود التركي) مع موسيقى هندية وموسيقى الدسكو، والبوب. أول مرة لم يفهموها، وقالوا لي ما هذا.. كمنجة وإيقاع غربي؟ هذا غير العود العراقي. لكن بعدها أكبر شركة في العالم (بيدبور) أخذته مني. بالعكس نحن يجب أن نعمل على التجديد على آلاتنا وما نقدم فيها، هذا جنوني الخاص، يمكن الفنان يلحن ويعمل أشياء لا تفهم في وقتها، لكن بعد سنوات تأخذ مكانتها. أنا لازم أفكر ليس فقط بالجمهور العربي بل بجمهور العالم كله، الفنان المبدع دائما يفكر بعمل أشياء للمستقبل أفضل، علينا أن نقدم الجديد دائما حتى لو وجدوه غلط، نحن نتعلم من أخطائنا'.

* هل برأيك الموسيقى العربية، سواء بالعود أو غيره، استطاعت من خلال التواصل الإلكتروني والحفلات وتواصل الفنانين أن تأخذ دورا مهما إلى جانب الموسيقى العالمية؟ أو نحن مازلنا بحاجة إلى جهد أكبر يقوم به الموسيقيون؟

* 'منير بشير في سنة 54 وصل بالعود إلى مسارح العالم، أي مسرح حاليا يأتي إليه اليوم عازف عود ليعزف فيه يعود الفضل إلى الأستاذ الرائد الذي أدخل هذه الآلة كآلة منفردة وحدها بدون فرقة. بعد وفاته حدث فراغ فني بآلة العود، لكن بعدها طلع عمر بشير، نصير شمة.. وآخرون، وصار لكل منهم اسمه وحضوره العالمي. نحن نستطيع أن نصل بموسيقانا إلى العالم لأن هذه الموسيقى أصلا عالمية، الفولكلور العربي فولكلور عالمي، واستفاد من حضارتنا، من الفن، كل شيء أخذناه إلى الأندلس. أنا لما أروح إسبانيا أقول لهم أنتم تعيشون من خيراتنا، من شجر الزيتون إلى النخيل.. لكن كيف نصل إلى المجتمع؟ هذه ترجع إلى الفنان، إذا لم يطور نفسه من خلال تقنيات العزف التي يملكها، أن يحضر حفلات موسيقية لغيره، في الغرب يطلب منا أن نذهب إلى الجامعات، ويطلبون منا عمل دورات (كورس)، لكن لما نذهب إلى الوطن العربي لا يطلب منا أي شيء، ولا أحد يهتم فينا. هذا سبب أنني أعيش في الغرب، السبب الثاني أن لا نشتغل مع عرب، أنا حاولت كيف أكسب الجمهور الغربي، وهو يحب الفولكلور. كانوا يقولون لي: عمر، هل يمكن أن تعزف مثل ما منير بشير كان؟ إذا كان ممكنا أن تقدم العراق مثلما كان يقدمه تفضل، أهلا وسهلا. لما أروح فرنسا صولو، في ألمانيا أروح صولو، يحبون العود جدا، يقدرون أن الفنان يمكن أن يعزف منفردا ساعتين Recital، إذا كان البيانو أو الكمنجة ممكنة، ليش العود ما يصل؟ هو واصل للمرحلة العالمية، لكن عندنا نقص في الفنانين، عندنا مشكلة تقليد فنانين، يوجد ما لا يقل عن خمسين عازف عود جيد، لكن أين الفائدة إن كان يقلد منير، جميل، أو يقلدني ويقلد نصير شمة؟ صحيح نحن كلنا في الأول قلدنا أساتذتنا، لكن تعبنا على أنفسنا وصار لكل واحد اسمه الخاص. كذلك نسأل: أين هي المهرجانات الموسيقية في الوطن العربي؟ أين هي مهرجانات العود في العالم العربي؟ يدعون لها كل خمس سنوات مرة؟ وكلهم يعزفون على عود منير بشير الذي عمل (الديزاين) بالفتحات البيضوية التي ما كانت على العود، كان شرقي فقط. اليوم يقدمون دوزان منير بشير وأوتار عوده ويقليدونه.. هذا الكلام أقوله وأنا مسؤول عنه'.

* هل يوجد تنافس بين الفنانين الموسيقيين؟ إن وجد هل يعطي أعمالا أفضل.. أو العكس؟ برأيك كيف يجب أن يكون التعامل بين زملاء هذا الفن الرفيع؟

* 'أول شيء الخسران الأكبر هو الجمهور، الخسران الثاني هو الحضارة، حضارتنا. نحن إن لم نقف مع بعض ونساعد بعضنا سوف ننقرض، حاليا على وشك أن نكون منقرضين. لو تروحين إلى متاحف أوربا ترينهم يهتمون بحضارتنا أكثر منا. نحن اهتمامنا بالنفط وأشياء أخرى، إضافة إلى الضغوطات الخارجية علينا التي أدت بنا للأسف أن نكون متخلفين. مصيبتنا الثانية الغيرة والحقد بين الفنانين، هذا شيء غير طبيعي، ليس فقط على مستوى الموسيقيين، بل حتى المطربين وكل واحد منهم يعتبر نفسه بافاروتي، وأنا لا أعتقد أن أحد منهم يصل إلى مستوى بافاروتي أصلا. هل المطربون العرب يغنون في مسارح غنت فيها مادونا؟ أو في (أوبرا)، غنى فيها فنانون عالميون؟ إن ما يسمى بداء العظمة عندنا وصل إلى مرحلة أثرت على جيلنا وعلى موسيقانا وعلى حضارتنا. عندنا غيرة وحسد بدل أن يكون بيننا محبة وتعاون للأفضل، يجب أن نجتمع نحن ونتبادل الجديد ما بيننا'.

* هل لمست هذه الحالة الفردية الموجودة عندنا في كل مؤسساتنا التفكير ب* 'أنا وبس'! وهل أسبابها تعود للتربية أم المجتمع؟.. وأنت الوالدة أوربية؟

* لا أحد ولا شيء خرب علينا غير الأنا، نحن في العراق كل واحد قال أنا وأنا! بالأخير، شوفي ماذا صار، حتى أنا في العراق ما أقدر أقول أنا عراقي لأن الاغتيال صار على الهوية. طبعا الأهم هي التربية وخاصة الموسيقية. أستاذك لما يعلم تبقين في ذكراه دائما طالبة مدى الحياة، منير بشير لما علمني كان يقول لي: أنت طالب وأنا طالب لما أعلمك العود، مثل لما أنا أروح إلى أكاديمية الموسيقى في اليابان لا يمكن أن أناقش أي طالب موسيقي فيها لأنه يفهم أكثر مني في الموسيقى الكلاسيكية، كان الوالد يقعد مع الأطفال يستمع لهم ويتعلم من الطلبة. وأنا تعلمت منه الكثير، لا أحب الألقاب، سموني أمير العود، لكن لا يعني هذا أي شيء لي أنا عمر بشير فقط. في أوربا أكبر المغنين ما عنده لقب، اسمه يكفيه. جاكسون هو جاكسون، هم أطلقوا عليه البوب لكنه جاكسون، علينا نحن العرب أن نتخلص من حب العظمة وحب التمجيد'.

* هل ترى أن فن موسيقى العود يتطور أو هو في تراجع؟

* 'بالفن لا يسمح بالتراجع، إما التقدم بشيء جيد وإلا نترك نهائيا. أقول لولا الرواد الذين ذكرتهم كان فن العود اختفى، وهناك عدة عازفين عود متمكنين في الساحة الفنية، وهناك أتراك أيضا، لكن في الساحة العربية نفتقد إلى عازفين (صوليست) يعني عازفين منفرد. أنا بعد أن نجحت تجربة الصولو كونت فرقة موسيقية، لكن لم أقدر أن أكون فرقة مع العود وأضيع العود بين الفرقة. طبعا الناس تفرح في فرقة كهذه، لكنها لم تعد تسمع العود. لذلك في كل حفلاتي أقدم لمدة نصف ساعة تقاسيم عود من المدرسة العراقية، المقامات العراقية الأصيلة. من الصعب كل عازف أن يعزفها، أنا لولا دارس مقامات عراقية على يد أساتذة كبار مثل حسني الأعظمي، حسن قدوري، روحي خماش، هؤلاء يعتبرون أساتذة المقامات والموسيقى العراقية، إضافة إلى استماعي وإلى التمرين اليومي، لذلك يقولون بأني ممكن أعزف مقامات عراقية ثلاث ساعات بدون توقف، بينما البعض نعطيه ربع أو نصف ساعة لا يقدر أن يكمل، لأن المقام يحتاج إلى دراسة عميقة، فهم المقام العراقي قبل ما يكون المقام العربي. الموسيقى العراقية بنظرتنا نحن العراقيين أنا أعتبرها هي منبع الموسيقى كلها ومنبع الحضارات. عندنا ما يقارب 140 سلما موسيقيا في العراق، هذه تحتاج إلى دراسة، تحتاج كيف تعرف أن تمزج بين مقام ومقام حتى ما يكون نشاز يعني غلط، هذا يحتاج إلى التصوف بالاستماع إلى الموسيقى التركية وهي مهمة جدا رغم أنهم في قالب واحد، وعندهم أصوات لكن ما عندهم عازفين منفردين، أنا لما أعزف في تركيا ساعتين، يقول لي صديقي يوردال وهو من أكبر عازفي العود في تركيا: نحن غير متعودين أن نسمع عود ساعتين، هذا شيء جديد، ونحن نعرف أن المدرسة العراقية أول مدرسة في العود. من عادتهم أن يعزفوا عشر دقائق ثم يدخلوا بعدها الكولار التركي أو الغناء، وأنا قدمت لهم المقامات والمقطوعات الموسيقية لتدرس في الجامعات. إن افتقادنا إلى العزف المنفرد هو من عدم الاجتهاد. العازف المستعجل يحب أن يقلد، وهو يظن أنه راح ينجح بالتقليد، التقليد لا يؤدي للنجاح الدائم، ممكن أن يصل بصاحبه لفترة قصيرة ويقف بعدها'.

* بالنسبة لثقافتك الأدبية والوقت المخصص للقراءة؟

* 'القراءة هي تثقف أكثر سواء باللغة أو للمحادثة، نحن في بيتنا في بغداد كان عندنا غرفة كبيرة جدا، فيها كل دواوين الشعراء من العصر القديم والحديث، المتنبي، الجواهري، نزار قباني، أدونيس. كنا نطلع على كل شيء، حتى في دراستي الموسيقية أذكر أنني سجلت في معهد فعلا استفدت منه، أذكر لك بعض الأسماء كانت تدرس فيه، ومنهم كاظم الساهر، ماجد المهندس، نصير شمة، وغيرنا.. هذا هو الجيل الذي نراه اليوم طلع من دفعة المعهد الذي كان وقتها منير بشير هو المسؤول عنها. حاليا العراق وبعد الظروف التي مرت وتمر به صار هناك اهتمام آخر. كان عندنا وقتها في المعهد تدريس الموسيقى، والشعر، وتجويد القرآن، وكان عندنا فن الإلقاء في اللغة العربية، وفي طريقة قراءتها. كان يدرسنا الشيخ جلال الدين الحنفي وهو من أشهر من يعلم كيف نقرأ ونقوم بتفسير نصوص اللغة العربية، وتفسير كل شيء نقرأه من القرآن. هذا أيضا كان مهما لأن الموسيقى مرتبطة روحيا بالأديان، بمعنى أني لما أقدم فنا أقدم شيئا مقدس تسمعه وتنشأ عليه أجيال، لذلك من أسباب نجاح وتفوق منير بشير هو تصوفه بالموسيقى'.

* علاقات التصوف بالموسيقى؟

* 'التصوف أولا، لازم يكون الإنسان صادقا مع نفسه، عندها تصله الموسيقى بشيء ثان مختلف فيه صدق وروحانية. مثلا الموسيقى التركية فيها تصوف وروحانية عالية جدا، كما أن الشعر مرتبط بالموسيقى، وهناك كثير من الشعراء العرب الصوفيين من السهروردي للبوصيري لابن الفارض، والموسيقي لازم يعرف هذا الشيء. العازف يحتاج أن يعرف ما الذي يقدمه حتى يشد الجمهور المحب للشعر ويكون بنفس المستوى. وهذا الحوار مشترك بين الشعر والموسيقى، وأنا كل ضربة أعزفها لها كلمة، لازم أولا ترجم كلماتها على الموسيقى'.

* لو طلبنا منك أن تعزف مع شاعر، من الشاعر الذي تختاره؟

* 'أنا كان حلمي وللأسف الشاعر نزار قباني. أشعار نزار جدا، جدا أحبها، وأحب شعر محمود درويش. ونشكر كاظم الساهر أيضا أنه نشر أشعار نزار قباني في أغانيه وبمستوى راق، أنا أعتبر أن كاظم قدم شيء راقي،'.

* لماذا لا تقدم حفلا يكون فيه قراءات شعرية لشعراء كبار مثل نزار ومحمود درويش وغيرهما؟

* 'الشاعر محمود درويش صوت فلسطين فهو ظل يناضل في قضية، وفلسطين ستظل تعيش مع اسم محمود درويش، وهناك فنانون سوف يظلون يعيشون مع أشعاره لأنه كان يناضل بصدق في سبيل القضية الفلسطينية. المؤسف هناك ناس تتاجر بالقضية، وناس تعطي من دمها حتى تحقق الشيء الصحيح. أتمنى لو نعمل سهرة موسيقية مع أشعار لنزار ودرويش، وأنا أتمنى أكثر لو يكون تنظيم وتقديم حفل مسرحي يجمع ما بين الشعر والعزف على العود، والرقص الراقي الارتجالي والتعبيري مع قراءة الشعر على أنغام آلة العود'.

* رغم أنك تقيم في هنغاريا، هل تتابع الإعلام العربي وما يقدمه؟ هل استطاع أن ينقل الصورة الصحيحة للغرب، خاصة في الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة؟

* 'أعتقد حاليا توجد تجارة في بث الأخبار، وكل مؤسسة تحاول أن تقدم الأسرع وليس الأدق، وأنا لا أحب أن أرى هذه القنوات وهي تقدم صور القتلى وبأشكال بشعة. أعتقد أن الإعلام العربي يبالغ كثيرا في تصنيع وإعداد الخبر، ويبالغ بما يعرضه على الشاشات أمام العالم من قتل لبعضنا البعض. مؤسف جدا ما يقدمه هذا الإعلام من مشاهد غير إنسانية من القتل والتعذيب. نحن نبقى عربا في إعلامنا، لكن يجب أن يكون الإعلام هو الواجهة الحضارية الراقية لنا ولما يقدمه من الشارع. نحن نعرف أن عندنا ثغرات، لكن لا يجوز أن يركز فقط عليها. هناك بالتأكيد توجد إيجابيات لماذا لا يظهرها الإعلام؟ مثلا، نعرف أن حسني مبارك وغيره مضى عهدهم لكن علينا أن الماضي ونتجه إلى البناء الأفضل ونستفيد من الأخطاء التي كانت بحيث لا نقع بمثلها، نتجاوز الماضي نعمل عل بناء مستقبل أفضل، لكن رغم كل شيء فإن ما يفرح ويفرج عن الصدر هو أن الوعي بين الشباب أصبح أكبر. أنا فرحان جدا بهذا الوعي الشبابي، إن عصر الدكتاتورية ذهب ولم يعد أحد يقول: نعم سيدي! أتمنى من الإعلام العربي أن يخفف من إثارة الخلافات والنعرات التي يبثها بقصد وتوجيه سياسي، وحبذا لو يتوجه إلى الثقافة والعلم والاهتمام بقضايا المجتمع، بدل التمجيد والمدح للحكام. أنا أعيش في الغرب، لم أسمع ولا أرى الإعلام يقدم المدح والتبجيل لأي شخص في السلطة، أعتقد أ، الشعب العربي مظلوم من الإعلام الذي يتجاهل مشاكله التي يعاني منها والتي يجب أن تظهر في الإعلام ليتم معالجتها'.

* أنت عازف عود، لكن لمن تسمع من المغنيين والموسيقيين العرب؟

* 'أسمع من الجيل الجديد شيرين عبد الوهاب أحب أداءها، وأسمع نجوى كرم الفنانة اللبنانية وهي تغني فقط باللبنانية، لما سئلت: ليش ما تغني مصري؟ قالت لهم أنا لبنانية. هذا ليس عنصرية، لكنه محافظة على تراثها. أيضا أسمع الموسيقى المغربية، والجزائرية، وهي جميلة جدا ومتعددة الأنواع، الشاوي، الصحراوي، الأندلسي، الغرناطي، يا ليتنا نتعلم ثقافتنا أولا، للأسف نظل كلنا رايحين على الغرب، عندنا عقدة الغرب. في المغرب العربي يحترمون الفن الراقي، هذه (الخبصة) التي عندنا في المشرق العربي لا تساوي أي شيء. نحن لم نكن نستمع إلى الموسيقى والفنون المغربية إلا من سنين قليلة. لما طلعت سميرة سعيد، كنا نقول هذه مغربية، هذا لأن إعلامنا كان منغلقا. أعتقد بأن الفن سوف يتطور بكل أنواعه، خاصة في تونس بعد أن زال الحكم الدكتاتوري، وأيضا مصر سيكون فيها نهضة كبيرة في الموسيقى والغناء والسينما والدراما. أتمنى من المسؤولين في هاتين الدولتين، بعد التغيير فيهما، أن يهتموا بالثقافة بشكل عام وأن يخصص لها ما يلزم للتطوير والنهوض بها من جديد'.





عن القدس العربي
29/7/2011






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600