في ذكرى غسان كنفاني - بسام أبو شريف


ولد في العام 1936 في عكا واستشهد في العام 1972 في بيروت وانتج خلال 36 عاما مئات المقالات وعشرات الكتب وروايات ورسما ونحتا وخلق حركة ثقافية في بيروت التي تحولت الى عاصمة الموهوبين الباحثين عن الحرية.

في الثامن من تموز/يوليو 1972 كان غسان كنفاني على موعد مع ابنة اخته لميس ليصطحبها الى الجامعه الامريكية في بيروت لتسجيلها في السنة الجامعية الاولى بعد ان نالت اعلى المراتب في الثانوية العامة في مدينة الكويت.

احب غسان فايزة اخته حباً جماً، وكانت قد رعته بعد موت امه رعاية الام الحنون.

واحب لميس ابنة اخته وكتب لها قصص الاولاد ورسم رسومهم لها.

وهاهي الان تأتي الى بيروت لتسجل في السنة الدراسية الاولى للجامعة.

وكنت على موعد معهما لنلتقي في الجامعه التي تربطني بمسؤوليها صداقة عميقة منذ كنت تلميذا فيها وبعد تخرجي منها في العام 1967.

لكن احدا لم يصل على الوقت المحدد!.

لم تكن عادة غسان ان يتأخر، فقد كان دقيقا في مواعيده! ثم جاء من يلطمني لطمة احالتني الى جلمود صخر،

قال لي عمر غرز الدين 'أصيب غسان'!!.

في أي مستشفى... .

لا داعي... . لقد مزقوه اربا...

وانهال علي ذلك السيل الجليدي.

تجمدت اطرافي و زحف الجليد منها نحو جسدي وتحوّلت الى آلة الزمان في أي مكان كان !!!.

لقد ذهب غسان!.

مزقوا غسان اربا.

وتحركت أنا... . الآلة بسرعة نحو سيارتي.

وقلت :

الى مار تقلا (حيث كان يسكن غسان في شقة تمتلكها اخته فايزة).

ولم اعر اهتماما لسيارات الشرطة والامن و و و. .

(التي تصل دائما متأخره)

بل توجهت مباشرة نحو اشلاء سيارة غسان.

كانت الاشلاء مبعثرة في مساحة كبيرة من الارض المزروعة بالشجر، لكن الجزء الاكبر من الحطام بقي تحت سقف مرآب البناية، حيث انفجرت سيارته في اللحظة التي ادار فيها غسان المحرك.

جلت في المكان بعيني فيما تردد صوت آني (ام فايز) زوجة غسان، يردد دون انقطاع اريد خاتمي... . اريد خاتمي.

فابتعدت عن المرآب لأتمكن من رؤية شرفة منزل غسان.

كانت آني مستمرة في ترديد ندائها: خاتمي اريد خاتمي.

ووقفت الى جانبها فايزة التي اسدل الصمت عليها خمارا أسود، عيناها كانتا تنظران وكأنهما لا تريان او تريان ما لا نراه نحن.

والتقت عيناها بعيني، فتحرك منهما الجفنان دون كلام...

فقد سبقني سيل الجليد اليها كما سبقها سيل الجليد الي.

والى جانب الثكليين، وقفت ليلى الصغيرة تنظر وبعينيها رعب وليس خوفاً.

رعب من غياب ابيها... فقد فهمت انه غاب، رعب المستقبل الخالي من الوفاء المعطاء الرفيق المرهف غسان.

اما فايز فقد كان يشرئب منه العنق كي لا يفوته رؤية كل صغيرة وكبيرة.

وابتعدت وكأني آلة القياس راحت تقدر المسافات لتبحث عن خاتم آني.

فقد كان صراخها... استغاثة. .

واصبح الخاتم جسرها نحو الحياة الجديدة... الحياة بدون غسان.

اصبح الخاتم قاربها نحو الحقيقة المرة... .

وطلبت من عدد من الرفاق ان يبحثوا عند شجرات اربع تشابكت اغصانها... شجرات زيتون.

وبالفعل وجدوا بعض الاطراف التي خلفها الانفجار معلقة على شجر الزيتون.

وكانت جزءا من كف غسان معلقة هناك وخاتم آني مازال يمسك بأصبعه.

سللت الخاتم من الاصبع وحملته في كفي ومشيت كالآلة المبرمجة الى الدرج الذي يؤدي الى شقة غسان ودخلت اتحرك كجسد من جليد وواجهتني فايزة...

قالت لي كلاما كثيرا وعميقا وحزينا دون ان تتفوه بكلمة.

واقتدت كفها نحوي.. فأمسكت بها ـ واحسست ان كفها تقول لي: كنت كما نعهدك شجاعا حتى في ظرف كهذا.

وقالت كفها.. انت فقدت ما فقدته انا. . فأنا اعرف ماذا يعني لك غسان، تماما كما تعرف انت ماذا يعني لي.

وعندما تهاوت كفها كانت تقول: فقدت ابنتي التي كان يحبها غسان.

واحسست كأن الجليد بدأ يتخلى عني... فتقدمت نحو آني واعطيتها الخاتم.

فانهارت دون ان تردد تلك الجملة... انهارت مع عودة الخاتم...

الخاتم الذي كانت تطالب به وتنادي به... وكأنه نفي للموت!!.

'غسان مات'

وبقينا وحدنا على الارض حياتنا... قد تكون مماتنا فما هي طعم الحياة بدون غسان يا ترى... ؟

كان ملحها وعسلها وملوّن سمائها.

كان يبتسم ليبث الدفء والامل ويبتسم ليواجه الخطر والالم ويبتسم لشحن العزيمة ومواجهة الموت.

يبتسم دائما للتحدي ...

تحدي الحياة كي يهزم الموت. انحنيت وانحنت معي نفسي وروحي وكل ما انا هو وقبلت ليلى وفايز وربت على رأسيهما كأني اقول ما فهموه...

خسرناه... (لكن علينا ان نتابع) فالحياة لا تتوقف وان غاب جميلها.

وعدت مهرولا نحو سيارتي لأعود للمكتب الذي نقشنا فيه انا وهو سويا، كلام الحرية ورسمنا فيه حلم المستقبل.

جلست بهدوء... أرعبني انا... .

واستللت قلمي وكتبت بيانا قصيرا اعلن فيه استشهاد غسان كنفاني...

كتبت بيانا يعلم الناس ان الذي ابحر بعيدا... عاد الى شاطىء رمال الاشعة الذهبية...

كان يبحر باستمرار.

رقيق، مرهف، حساس

كالطيفة التي استلقت

على شاطىء رماله

وردية...

تحيط بأطرافه

اشجار خضراء

اوراقها فارعة العرض...

تحاول امتصاص اشعة الشمس

التي تساقطت عليها كحبات

الندى، ذهبية اللون.

وسرعان ما تمتص

قطرات الندى الوان محيطها

فيتحول الضوء الى

اشعة من الوان مختلفة

تتزاحم تتنافس...

ثم تقهقه سعيدة

لم تكن تسمع سوى

زقزقة العصافير أوهفهفة اجنحة

فراشات ترقص:

من وردة لاخرى مفعم

جوها بأريج يجعلها اسعد.

ويدفعها لتقفز اكثر.

كان غسان كنفاني يبحر بعيدا...

بعيدا...

دون سرج...

ممتطيا شعاع ضوء دافىء

غادر عكا من زمن

وامضى حياته يشد الرحال ليعود، شوقا للقلعة

وصندوق اسرارها

يعود ممتطيا فراشة دون سرج

ليطمئن ان اسرار

قلعته ما زالت مستعصية

على من حاول فكها

ثم... ......

يبتسم...........

ابتسامتة كانت زورقه،

شراعه الذي يذهب

بعيدا... . ليعود

ترى فيها الحلم

ترى فيها التحدي

ترى في ابتسامته تهكماً

ساخرا من الموت

ترى فيها الحياة

تتجمع في قطرة من ندى

يتحول فيها الضوء

الى الوان سماوية

***


رأى على الشاطىء

البعيد القلعة اسيرة

لكن اسرارها بقيت...

اسراره هو

تحرس ذلك الشاطىء

الذي تمدد عليه ليرى

قطر الندى يسيل

شعاعا ذهبيا...

هو سيد اللون الذي

لا يعانق الا السماء... .

سماء الحرية...

* * *


اعطنى قطرة من شمس بلادي

اعطني ذرة من شعاعها الذهبي

اعطني حريتي

اعطني قيمتي

اعطني نفسي

فالحياة كفاح من اجل ان يكون

لمن يحياها قيمة والقيمة هي

الحرية والحرية هي الوطن

وذرة من رمله او قطرة من

شعاع شمسه هي الدليل.

رأى بعينيه المتهكمتين

وجهه الذي ابحر كثيرا...

بعيدا... .

رأى صغار القوم على شكل

ثعابين صغيرة... تتلوى

بنعومة

وتنقض... .

على الذي امسك بيمينه

شعاعا ذهبيا من شمس بلادي

وينفثون في عروقه

السم الناعم... ..

وهوى الرجل العالي

وبقي الشعاع... يلمع... .

هوى القوي دون ظل

على رمال ذلك الشاطىء

البعيد.

لكن ظل العملاق كان

الشعاع.

ورأى غسان الشعاع

يتحول الى قطرات من

ذهب شمسي ينبعث

خلالها صوت حزين

صوت يغني بكاء

تلك القلعة المنتظرة

بعد طول زمان حفظت

خلالها اسرارها من عبث العابثين

ورأى غسان اناسا يتبوأون

ويأكلون ولا يشبعون

يتمشون في الارض مرحا

ولا يخجلون

يحكمهم جنود غرباء

ويتحكمون بهم ولا يرجف

لهم ضلع.

رأى اناسا لا تعني

القلعة المنتظرة لهم شيئا

ورآهم يكنزون

ورأى على الشاطىء الرملي

اطفالا يصرخون وينادون

يسألون قطرات الذهب

الشمسي ان تعود لتنصب

شعاعا

ويقولون:

ستفتت حبال المسد.

ورأى من خلف الافق

مبحراً آخر يقترب وينتصب

ورأى قطر الندى الذهبي يتماسك

ويشكل شعاعا كرمح

يمتد من السماء للارض

رآه يقترب ويمسك بالشعاع

من ثبات الافق البعيد

من خلف الامواج التي

ابحر عبرها بعيدا.

رأى القادم

آتيا وكأنه عائد.

* * *


استقبله الاطفال الذين

كانوا يصرخون منادين

قطرات ذهب الشعاع الشمسي.

اكفهم قد تشققت

من العمل وزنودهم قويت

بما حملت واكتافهم ازدادت

عرضا تحت ضغط اثقال الهم

وساروا نحو البر جميعا.

ساروا بخطوات ثابتة

همهمتهم هدير تهتز

له الامواج الصاخبة

وتحت اقدامهم رص الرمل

طريقا صلبا نحو القلعة

ذات الاسرار.

وسحقوا في طريقهم الذين

كانوا يأكلون ولا يشبعون

ويكنزون وكأنهم ليسوا

زائلين... .

ووصلوا الى القلعة التي

ابتسمت فانشق الافق

وتدفقت قطرات الذهب

اشعه تضيء الكون بألوان

وردية وانحنت القلعة

للحياة السمر

حماة الضوء

وناولتهم اسرار القلعة

وعندما فتح العملاق

صندوق الاسرار

قرأ السر بصوت

عال يسمعه البحر

رغم هديره

الحرية... ..

وابتسم غسان كنفاني

متهكما ساخرا من هؤلاء

الذين رآهم عن الوطن لاهين

يأكلون ولا يشبعون.


23/7/2011






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600