كي لا ننسى شهداء الكلمة والموقف والنضال


شهر تموز شهد في سنين مختلفة وداع ثلاثة من شعراء وادباء المقاومة الفلسطينيين ، أعلام فلسطينية ارست قواعد واصول ادوار الادب والشعر في مسيرة النضال الوطني ، شاعرنا الكبير توفيق زياد والشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود ، والشهيد غسان كنفاني.

في هذا العدد من ملحق الاتحاد نحيي ذكرى الشاعر عبد الرحيم محمود الذي حلت ذكرى استشهاده قبل يومين في 13.7 بكلمات القائد والشاعر الفذ، توفيق زياد في العام 1998 في الذكرى الخمسين لاستشهاده.

نذكر هنا أجيال الشباب ونعرفهم بأجيال اسست لمعارك النضال الوطني ، حملت هم القضية الفلسطينية وصاغته شعرا وأدبا وتحليلا، وعرفت كيف تحترم كل مقاتل بالبندقية والقلم والكلمة من أجل الحق المسلوب .

عبد الرحيم محمود- سنديانة جبلية ارتوت من بطن الارض
توفيق زياد

( نص مداخلة ألقيت في الذكرى السنوية الاربعين لاستشهاد الشاعر عبد الرحيم محمود- الناصرة 1988)

ذكرى استشهاد عبد الرحيم محمود، أبي الطيب، هي أيضا ذكرى نكبة شعبنا العربي الفلسطيني، وقصائد عبد الرحيم محمود هي سلاح ملهم ومحفز في المدارس والمنتديات، في الشوارع والمظاهرات وفي المعتقلات وزنازين الاحتلال.

* الشاعر الفارس


كان أبو الطيب واحدا من الشعراء الاساسيين الاربعة، في الفترة الممتدة من اواخر العشرينيات الى اواخر الاربعينيات، وهي الفترة العاصفة من تاريخ شعبنا التي شهدت عدة ثورات ضد المخططات الاستعمارية والصهيونية.

هؤلاء الشعراء هم، بالاضافة الى عبد الرحيم محمود، ابراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي (ابو سلمى) ومطلق عبد الخالق. وتميز ابو الطيب عنهم بكونه فارسا، وذلك ليس فقط لانه عاش مقاتلا "يحمل روحه على راحته" ومات شهيدا، وانما ايضا لانه شاعر فارس في مضمون شعره وفي رؤيته للحياة القائمة على ان التغيير نحو الافضل، على مستوى المجتمع، منوط بذلك الربط العضوي الذي لا ينفصل بين الكلمة والفعل.

وبهذا فانه يذكر بالشاعر الفارس " ابو فراس الحمداني". كلاهما كان شاعرا فارسا وكلاهما كان "زين الشباب" ولم يتمتع بالشباب.

اعمال عبد الرحيم ليست جميعها معروفة لدينا، رغم المحاولات العديدة للبحث عنها وتحقيقها وجمعها كذلك هو الامر بالنسبة لسيرته الذاتية . غير ان ما هو بمتناول ايدينا يكفي ليجعلنا نقف مشدوهين امام الاصالة والصدق وعفوية التعبير. لقد كتب ابو الطيب للشعب والناس والمجموع، وكان واحدا منهم ورأى فيهم القوة المحركة للتطور البشري والثورة وقضية الحرية والاستقلال.

ونستطيع القول ان الشاعر كان مجددا في الشكل والمضمون. وكان تجديده هذا قفزة نوعية من الشعر المقيّد الى الشعر الذي يفور حياة وحيوية.

حياته الشخصية


ليس بالامكان فصل الحياة الشخصية للشاعر عن تلك المرحلة العاصفة في تاريخ شعبنا الممتدة من أواخر العشرينات حتى أواخر الاربعينيات . تلك الفترة التي ايقظت عملاق الشعب من الرقاد المفروض عليه. وفيها تم سحق الفلاحين وتجريدهم من اراضيهم وتقديمها على "صينية من ذهب" الى الحركة الصهيونية تنفيذا لوعد بلفور. وقد ادى هذا الى اندلاع الانفجارات الفلاحية والعمالية في الريف والمدن، فكانت انتفاضة 1929 مرورا بالانفجار الفلاحي (فقراء الفلاحين بقيادة ابو جلدة)، فثورة القسام وحتى الثورة الوطنية الكبرى (1936- 1939). وعبد الرحيم محمود نشأ وترعرع في هذه المرحلة والقى بنفسه في أتونها ليس هاويا فحسب وانما مقاتلا وشاعرا وفارسا.

بعد الثورة الكبرى واصل طريقه الى المنفى الاختياري في العراق، ومن هناك عاد الى فلسطين ليشارك في الكفاح الوطني الناهض في الاربعينيات ثم في حرب الاستقلال الفلسطينية سنة 1948 حيث سقط شهيدا على الارض التي كان ينبغي ان تقوم عليها الدولة الفلسطينية المستقلة.

* نظرته الاجتماعية

تعتبر النظرة الاجتماعية العميقة السمة الثانية التي تميز عبد الرحيم محمود عن سائر زملائه الثلاثة . فقد رأى ان الثورة الاجتماعية تشكل ضمانا للثورة الوطنية، من جهة، وشرطا لحرية الانسان والمجتمع، من جهة اخرى.

ونستطيع ان نلمس هذا في أبياته الشعرية التالية:

أتينا للحياة فلي نصيب       كما لك انت في الدنيا نصيب
فلم تعدو وتغصبني حقوقي       وتطلب ان يسالمك الغصيب
فأنصفني ولا تجحف فإني       أخوك اذا دها الخطب العصيب


ورأى ان الثورة الاجتماعية هي الحل فقال:

يا ايها الشعب العظيم                  اجدت للمجد الطلاب
من عاش ما بين الوحوش               يكن له ظفر وناب
حكمها فيما تريد                         ففيهما فصل الخطاب

آمن عبد الرحيم محمود بالشعب، بديلا عن القيادات العربية الرجعية، تلك القيادات التي حملها الشاعر المسؤولية، بالاضافة الى الاستعمار البريطاني والصهيونية جراء موقفها الرجعي الذي كان جزءا من المأساة الفلسطينية وخصوصا طعنها للشعب في ظهره في ثورة 1936 وحرب 1948. وهي القيادات التي ارادت للشعب ان ينحصر دوره في التصفيق والاستقبال والوداع لا اكثر.

وحذر ابو الطيب الشعب دائما واستحثه على اليقظة مثل قوله:

قلدت امرك من بهم       لا يرجع الحق الغصيب

لهفي عليك ألا ترى       يا شعب حولك ما يريب

* طريقه الفكري وعلاقته مع الشيوعيين


ظل طريق عبد الرحيم محمود يتبلور بعد هزيمة ثورة 1936 ثم في منفاه الاختياري في العراق ثم مع عودته في مطلع الاربعينيات الى فلسطين. وقد استقر في النهاية على الطريق نفسه مع فؤاد نصار ورفاقه . وكان فؤاد نصار صديقه الشخصي وزميله في المعركة. وفي تلك الفترة كتب عدة قصائد مشهورة في دعوتها الى الثورة الاجتماعية للعمال والفقراء منها "يا عامل" و "ثورة العاملين" وغيرهما الكثير.

ورأى ابو الطيب في فؤاد نصار ورفاقه وتنظيماتهم المختلفة بيته الفكري والسياسي. وتقف وراء هذه الرؤية ثلاثة عوامل اساسية:

اولا- عملية السحق التي تمت ضد الفلاحين الفلسطينيين، ونمو الطبقة العاملة كما ونوعا وفكرا وتنظيما. وكان لهذا الامر ترجمة حياتية في المعارك الطبقية العديدة التي لا يمكن فصلها، بحال من الاحوال، عن كفاح الشعب العربي الفلسطيني ضد الصهيونية والاستعمار.

ثانيا- الحرب العالمية الثانية وما كشفت عنه ايضا بخصوص الدور الحقيقي الايجابي الذي أداه الاتحاد السوفييتي ضد النازية. هذا الدور اثر كثيرا على حركات التحرر الوطني في العالم كافة واعطاها دفعة الى الامام.

ثالثا- علاقته الشخصية الحميمة مع الشيوعيين، بالاخص مع صديقه الشخصي فؤاد نصار، زميله في ثورة 1936، ثم في المنفى في العراق وحتى نكبة شعبنا في 1948، وقد عادا سوية الى فلسطين وتوطدت العلاقة بينهما حتى النكبة، وتميزت هذه العلاقة ببعدها الفكري فضلا عن الصداقة الشخصية.

وهكذا ارتبط ابو الطيب، إثر عودته من العراق، مع رابطة المثقفين وعصبة التحرر الوطني ومؤتمر العمال العرب. وكان يشارك في المحاضرات واللقاءات الشعرية. وليس هذا فحسب، بل ان عددا من اروع قصائده رأت النور للمرة الاولى من على صفحات "الاتحاد" و "الغد".

* حقيقتان من التاريخ


ثمة حقيقتان في ذاكرة التاريخ حول تلك العلاقة والرابطة الفكرية لا يمكن نسيانها. الاولى حصلت مع فؤاد نصار عندما كانا عائدين الى فلسطين من منفاهما في العراق. فقد وصلت معلومات الى عبد الرحيم محمود بأن هناك محاولة لاغتيال فؤاد نصار فأخبره بهذه المعلومات، وعلى اثرها هرب نصار من القطار ونجا بحياته.

الحقيقة الثانية انه في سنة 1948 شن "جيش الانقاذ" حملة اعتقالات ضد الشيوعيين بحجة انهم "جواسيس" مختومة تحت السنتهم "الهاغناه". وكانت هذه الحملة محاولة، من طرف "جيش الانقاذ"، للتغطية على دور القيادات الفاشلة المهترئة وتحويل انظار الشعب عن حقيقة تلك القيادة. وقد اصر عبد الرحيم محمود على اطلاق سراح الشيوعيين، لانه عرف حقيقتهم وطبيعة كفاحهم. ويقال انه اشهر سلاحه او كاد ان يشهره في سبيل ذلك. وفعلا تم اطلاق سراح المعتقلين. وبعد ذلك بعدة ساعات توجه الى "الشجرة" ليشارك في معركة الدفاع عنها وعاد منها مضمخا بدمائه، شهيدا محمولا على الاكتاف.

وفي رأيي ان مسألة ارتباط عبد الرحيم محمود بالشيوعيين، برابطة المثقفين وعصبة التحرر الوطني ومؤتمر العمال العرب، وكذلك فكره الاجتماعي اليساري هما موضوعان تبقى هناك حاجة لاضاءتهما ودراسة ابعادهما على حياته وابداعه اكثر فأكثر.

من حق الجميع وكذلك من واجبهم ان يتعلموا ويستفيدوا، انما من غير ان يخرجوا الحقيقة من موضوعيتها ومن غير ان يعزلوا الضوء عن القنديل. لقد كان عبد الرحيم محمود سنديانة جبلية ارتوت من بطن الارض، وليس من حق احد ان يقتلع هذه السنديانة من سياقها وينقلها الى حديقته الخاصة "مقلمة" و "مهذبة".

ويطيب لي، في هذا الخصوص، ان استذكر الابيات التالية التي هي من اروع ما يلخص فكر عبد الرحيم محمود وعصارته الاجتماعية الوطنية:

نحن لم نحمل المشاعل للحر             ق ولكن للهدي والتنوير
نحن لم نحمل السيوف لهدر             بل لاحقاق ضائع مهدور
أمتي ان تَجُر عليكِ الزعامات         فلا تيأسي ذريها وسيري
رتلي سورة السلام عل الارض       وغني انشودة التحرير

وهكذا فان امته، شعبنا الفلسطيني، غير قيادته المهترئة واختار قيادة وطنية حقا، قادرة وعصرية، هي منظمة التحرير الفلسطينية. وامته – شعبه الفلسطيني- يرتل، اليوم، سورة السلام ويغني انشودة التحرير.

* عنبتا- الناصرة


بين عنبتا والناصرة حبل وريد وصلة ورحم. هناك في عنبتا اخرجته يد الى الحياة، وهنا في الناصرة يد غيبته ثرى الوطن الغالي. هناك احتضنوه طفلا وفتى وهنا نحتضنه شهيدا وقضية.

الناصرة بعد النكبة ظلت قلب معركة ونبض شعب وقلعة حرية لا يغلبها غلاب. وسنبقى شعبا منتصب القامة، مرفوع الهامة، شعبا موحدا وجذورنا عميقة في التراب، تراب وطننا الغالي، نصون ضريح عبد الرحيم محمود، الشاعر الفارس، وأضرحة الشهداء جميعا ونرفع عاليا مشعل الحرية والسلا والمساواة والمستقبل المشرق.

وسنواصل مسيرتنا حاملين روحنا على راحتنا ودمنا على كفّنا.

عن موقع الجبهة
23/7/2011








® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600