الفولكلور كعنصر من عناصر الهوية الفلسطينية: موروث شعبي سيعيش أطول من عمر الاحتلال - د. كفاح درويش


برزت في الثورات العربية وساحات الفعل النضالي الجديد، خاصة في ميدان التحرير، وساحة التغيير اليمنية، أشكال جديدة من التعبير الفني، او ما يمكن ان نسميها فولكلور الثورات الجديدة، حيث اجتمع الفنانون والشعراء في الساحات ايام ثورات التغيير وعبروا عن الحرية والحلم بالتغيير والتخلص من قيود القمع والتنكيل والتطلع لحلم جديد.

وتغيرت اشكال التعبير الغنائي اليوم بشكل كبير مع تطور اشكال الميديا والاعلام الاتصالي والشبكات الاجتماعية، ومع محاولات الفلسطينيين في ذكرى النكبة، وبعدها في ذكرى النكسة، العبور الى الحدود مع الوطن الضائع، حضرت اشكال التعبير الفني الفلسطيني الغنية بكل مضامينها وحمولتها الثقافية والثورية، وكان لا بد من التذكير بهذه الساحة الثقافية التي اغتنت من نسيج الثورات الفلسطينية ونشيج الشهداء ومن الخروج المستمر للفلسطينيين منذ مئة عام، حيث رفض هذا الفلسطيني التخلي عن حلمه وألق ثورته، والتالي هو محاولة لقراءة في المشهد وتذكير به في زمن الخروج العربي الجديد، الربيع وربيع الدم ورائحة الشهادة.

تعد الفنون الشعبية في أي بلد مرآة صادقة له والتراث الشعبي الفلسطيني غني كباقي الشعوب العربية؛ لأنه يعكس نمط حياته وتفكيره وعاداته وتقاليده، وبالتالي من أراد أن يؤرخ للقضية الفلسطينية منذ مطلع القرن الماضي وحتى الآن فما عليه إلا أن يعود إلى ملف الأغاني الشعبية؛ ليجد فيها الوثيقة الصادقة والوصف الدقيق لمجريات الأحداث زمانا ومكانا وإنسانا. لقد سجلت الأغنية الشعبية الفلسطينية هذه الأحداث منذ أوائل العشرينيات مرورا بثورة البراق ثم ثورة القسام عام 1936ونكبة عام 1948 وما نتج عنها من عمليات تهجير وطرد وتدمير لعدد كبير من المدن والقرى الفلسطينية، ثم نكسة 1967 وما تلاها من سنوات الاحتلال وانتهاء بما نعيشه الآن.

لا شك في أن زلزال النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني حيث وجد نفسه لاجئا مشردا يصطف بالطوابير ليتلقى المعونة من الأمم المتحدة التي كانت سببا في تشريده قد هزت وجدان عشاق الكلمة والحرف، وأشعلت فيهم الحماس والعواطف وأججتها، وفجرت فيهم ينابيع الشعر وأمدتهم بطاقة الإبداع، وانطلق الشعر الحماسي الخطابي الصاخب والغاضب المتجاوب مع الضمير والنبض الشعبي، وبدأ يتأسس في الخارج أدب عربي فلسطيني هو أدب المنافي واللجوء والشتات، ظهرت من خلاله الخيمة كرمز للهزيمة التي يجب تجاوزها. ويتميز هذا الأدب بالشجن والأسى والتفجع على الوطن،وامتلأ بأمل وحلم العودة إلى الديار.

كان الشعر الشعبي هو السباق في نشر وتوجيه نداء المقاومة والكفاح والتجاوب مع الحدث والواقع القهري، والتفاعل مع الأوضاع الجديدة والحركات العربية على الرغم من أن النكبة كانت ضربة قاصمة للحياة الموسيقية في فلسطين وذلك بتشتت الموسيقيين الفلسطينيين إلى الأقطار العربية المجاورة، من أمثال 'رياض البندك' و' حليم الرومي' و' روحي خماش' وغيرهم. وقد تحولت الأعراس في الجليل الفلسطيني إلى مظاهرات واحتجاج وغضب ساطع ضد سياسة النهب والمصادرة والاقتلاع من الوطن، ولا يزال الشيوخ الكبار ممن عاصروا تلك المرحلة يتذكرون الأهازيج الشعبية التي كان يرددها الزجالون الشعبيون وأبرزها أهزوجة 'نادى المنادي' التي تقول:

نادى المنادي في الجليل أرض العـروبـة للعـرب

شــاغـورنا مالك مـثيل وترابك أغلى من الذهب

إن للأغنية الشعبية الفلسطينية مضمونا قوميا، نلحظ من خلاله بروز التفاؤل وسيطرة جو الصمود، والفرحة الكبيرة بتحويل الشعب الفلسطيني من مجرد لاجئين إلى مناضلين مقاتلين من أجل الحرية والاستقلال، فقد أنتج تراب الأرض الفلسطينية ثروة ضخمة من الأغاني والقصائد الشعبية منوعة المضامين مختلفة الأشكال، فلا نجد مناسبة تخلو من الألم والبعد والغربة والفرح، ففي الأعراس كما في تشييع الشهداء يسيطر الحنين إلى الوطن على مجمل الأغاني، والتصميم على التوجه نحو الأرض للعودة إليها والإقامة عليها والاعتزاز بهذا الانتماء كما في أبيات الأغنية الشعبية التالية:

عالرباعية عالرباعية رافعين الراس فلسطينية

نادي يا مـنادي يوم ............. استشهادي

على أرض بلادي تحلى ...... المنيـة

استطاعت الأغنية الشعبية تأدية دورها في الحفاظ على الهوية والمأثور الشعبي من أهازيج وتيمات لحنية ورقصات شعبية وتطاريز وغيرها؛ لما لذلك من اعتبارات تاريخية تستند إليها في نضالها، واستطاعت الأغنية التراثية تقديم نفسها بصورة أصيلة حيث استمدت الأغنية الفولكلورية مقوماتها من البلد الذي نشأت فيه، وقد كان البعد اللحني يضع السامع في الأجواء الفلسطينية، وكذا كان الإيقاع مختارا من الإيقاعات الشائعة في فلسطين كثيرا، أما بالنسبة للكلمات ومضمونها وعباراتها فهي مستوحاة من البيئة الفلسطينية وعاداتها وتقاليدها وتعابيرها الوجدانية...

لعبت الأغنية الشعبية في مرحلة ما بعد النكسة دورا كبيرا في تصوير حياة الجماهير وآمالهم وتطلعاتهم للمستقبل، وإذكاء روح النضال، ونشر القيم الثورية في مختلف الأرجاء، كما سجلت ملاحظات على العديد من الأحداث التي واجهت الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها ومنها الاجتياح الإسرائيلي للبنان وما لحقه من تبعات كمذبحة 'صبرا وشاتيلا' عام 1982 ثم اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، وقد كان لهذه الأحداث تأثير كبير على الوجدان الفلسطيني، عبر عنها بالعديد من الأغنيات ومنها هذه الأغنية التالية المصوغة بقالب 'دلعونا':

شاتيلا تبكي وصبرا بتنوحي وإحنا نفديك بالدم والروح

ترابك فلسطين كحل لعيونا وضرب الحجارة أحسن ما يكونا

يعتبر التراث الفولكلور الفلسطيني من ملامح الهوية التي اهتم شعراء المقاومة اهتماما مقصودا بإبرازه بصفته يمثل أصالة الشعب الفلسطيني وموروثه. لم يكن اهتمامهم بالتراث في مجمله مجرد عمل فني جمالي يسمون به شعرهم، وإن كان ذلك بعض غاياتهم، إنما الغاية الأهم في عملهم كانت غاية وطنية غرفوا لأجلها من هذا التراث سلاحا قويا في معركة الحفاظ على الشخصية الفلسطينية، فاستلوا كثيرا من عروق هذا التراث ونصوصه التي حبكوا بها قصائدهم باستعمالهم ألفاظا وتعبيرات شعبية كاملة، ويمكن القول هنا إن شعر الشاعر الفلسطيني الراحل 'توفيق زياد' كله نتاج فولكلوري وهو نتاج واع لدور القصيدة الأغنية في الانتشار الواسع بين الناس، فطالما أن الأغنية الشعبية التراثية منتشرة أصلا ومتجذرة في الوجدان الشعبي جيلا بعد جيل، فإن القصيدة الأغنية التي أعيد إنتاجها بكلمات فصيحة وبسيطة قادرة على استثمار هذا الانتشار والوصول السريع إلى الوجدان الشعبي بما يخدم فكرها ورؤيتها المتجددة، ففي مجموعته الشعرية 'كلمات مقاتلة' يعيد الشاعر 'توفيق زياد' إنتاج أغان شعبية عدة على شكل قصائد غنائية، ومنها قصيدة 'عذب الجمال قلبي'.

تبرز صورة اللاجئ الفلسطيني في الأغنية الفلكلورية الشعبية الذي هجر من وطنه إلى مخيمات الشتات غداة نكبة عام 1948، ويعد 'أبو عرب' سنامة الأدب الشعبي الفلسطيني وخاصة في الشتات ومطرب الثورة الشعبية بلا منازع، فمن المخيم كانت بداية مشواره الفني، حيث صور قساوة حياة المخيم، ولعل الصورة الأكثر جلاء هي صورة الشوق والحنين للوطن والعيش بذكريات قديمة ما تزال عالقة فصولها بالذاكرة، فصورة الوطن في مخيلته واحدة، فهو لا يعرف ما يسمى بالضفة وغزة. هو يعرف فلسطين كما هي على الخارطة، وقد مثلت أغاني 'أبو عرب' هذه الوحدة أصدق تمثيل في جل أغانيه ولا سيما أغنيته المشهورة 'يا ريح سلملي على أوطاني' التي يأتي فيها على ذكر عشرات المدن والقرى الفلسطينية. وقد أعاد توزيع عدد من أغاني التراث الفلسطيني بعد تغيير مفرداتها لتتناسب مع الواقع الجديد، كما قام بإدخال كلمات اللهجة الفلسطينية المحلية كأسماء بعض البقوليات والمدن والقرى المدمرة، ويرى أبو عرب أن الفنان الفلسطيني الملتزم أشد من المقاتل، لأن المقاتل يقاتل بمفرده، بينما الفنان يحفز الآلاف من البشر ويدفعهم للقتال.

برزت في الساحة الفلسطينية مجموعة فرق فنية حملت راية النضال الفني ومقاومة ما يهدد باندثار المأثورات المتنوعة لهذا الشعب، ومن أهمها فرقة 'العاشقين'، و' الحنونة'، و' صابرين' وغيرها، وتعتبر فرقة 'العاشقين' الفرقة الأشهر، حيث زودها الموسيقار الفلسطيني 'حسين نازك' أروع الألحان وأشرف على الكثير من عروضها الفنية، وهي من الفرق التي حملت على عاتقها المحافظة على التراث الفلسطيني في الذاكرة الشعبية بالإضافة إلى كل الفنون الشعبية كالدبكة والرقص مصحوبة بألحان غنائية مختلفة وهي ألحان (الدلعونا، وظريف الطول، ومشعل، وعتابا،...) وتميزت هذه الفرقة بتقديمها الأغاني الثورية المقاومة بأسلوب موسيقي متميز يعتمد على التراث والقوالب الغنائية المتوارثة للشعب الفلسطيني.

إن ثورات الشعوب العربية حاليا، والتي تشهدها عدد من الدول العربية، أعطت مجالا خصبا وواسعا لإعادة تقديم وتلحين الأغنيات الشعبية الوطنية التي تعبر عن صرخات في دواخل الكثير من الشعوب. وتعود بعض الفضائيات العربية لبث باقة من الأغاني الوطنية الفلسطينية والقومية، لحناجر صدحت ردحا من الزمن بالحرية والتحرير لتحيي من جديد نبض الشارع العربي. وقد واكب الأدباء والفنانون الثورات العربية بأشكال متنوعة يرى كثيرون أنها الجانب الإبداعي لهذه الثورات، ومن بين الأعمال الأشهر في هذه الفترة أغنية 'الشعب يريد الحق في الحياة' للموسيقار العراقي نصير شمة، وهي هدية لكل الشعوب العربية المنتفضة والباحثة عن الحرية، ومنها الأنشودة التي كتبها الطبيب الليبي 'عادل المشيطي' وهو نزيل أحد سجون النظام الليبي ثم لحنها وغناها بعد الإفراج عنه، وباتت الآن مرادفة للثورة رغم أنها كتبت قبلها بسنوات. وأصبحت تعتبر من أبرز أغاني الثورة الليبية، وتقول: سوف نبقى هنا كي يزول الألم، وهذه الكلمات مرادفة لقصيدة 'توفيق زياد': 'هنا باقون وفي حلوقكم باقون'.

إن تراثا شديد الأسى من الأغاني والحكايات الشعبية وحكايات الآباء، هو ما حفظ لهذا الجيل ذاكرة الوطن، وهو ما سيحمّل الأجيال اللاحقة رسالة الانعتاق والتحرر، الذي عمد المحتل إلى طمسه، فقد صعد أحد قادة إسرائيل إلى منصة الكنيست وقال: 'ليس هناك شعب اسمه شعب فلسطيني فهو لا يملك أدبا ولا تراثا'، فرد عليه الروائي الكبير 'إميل حبيبي' وكان آنذاك عضوا في الكنيست العربي في إسرائيل: 'سأتفرغ لكتابة أدب يعيش أكثر من دولتكم'، وفعلا نجح في أن يكتب أدبا سيعمر ألف عام.

لا يستطيع الفن الأصيل أن يتنازل عن تفاؤله الثوري باستعادة الحقوق، مهما غابت مبررات التفاؤل على أرض الواقع، وهكذا آمنت الأغنية الشعبية الفلسطينية بحلم العودة، وأصرت على زرع معاني التفاؤل، من منطق الانتماء العميق لقضية فلسطين، لا من موقع المتعاطف أو الشاهد عليها وحسب...ولعل هذا التفاؤل هو الذي حفظ لكل شعوب الأرض حقها في النضال حتى استعادة الحقوق بعيدا عن راهنية المواقف السياسية وتحالفاتها، لذا جاءت الأغنية الشعبية الفلسطينية نموذجا يحتذى في التعبير الوطني الصادق، الذي يرتقي بالصورة الفنية كلمة ولحنا وغناء إلى آفاق تتبدى فيها قوة التعبير وصدق المشاعر، والقدرة على صناعة ذاكرة فنية تثري الذاكرة الوطنية والقومية لقضية العرب الأولى، فتمتزج بها في العمق الشعبي حينا، وتتقاطع معها في الذاكرة الثقافية حينا آخر...


* كاتبة من الاردن
24/6/2011






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600