امل مرقص: الراحلون يقربون النهار
المغنية الفلسطينية أنشدت لأبطال الثورات العربية في امسية بلندن:



لندن ـ من حسام الدين محمد: خلال عبوري السلالم باتجاه القاعة مررت بجدران ارتسمت عليها بعض شعارات الثورات العربية. سألني طفلاي اللذان اصبحا كائنين سياسيين منذ بدء الثورات العربية عن المكتوب، فأخذت اقرأ لهما الى ان وصلنا الى: واحد واحد واحد الشعب السوري واحد فانطلق الشعار على لسانيهما معي.

الحفل كان لأمل مرقص، بمشاركات جميلة لكل من ايمن صفية وزياد عيسى وفرقة الزيتونة التي قدمت عروضا تجمع بين التمثيل والدبكة مع استخدام للشاشة السينمائية. عرض فرقة الزيتونة تطرق الى قصيدة ابراهيم طوقان 'موطني'. قام الجمهور بالوقوف اجلالا للنشيد العظيم، وأخذت عيناي تترقرقان بالدمع وانا اتذكر شعبي المنادي بالحرية، وكانت مصادفة غريبة ان التعليق على الشاشة قال انه حتى اليوم ما زلت ترى الفلسطيني تترقرق عيناه بالدمع حين يسمع هذا النشيد.

بعد ذلك غنى نزار عيسى اغنية تغني للأم والحرية: (باسمك يا امي غنيت الكلام بأحلى غنية/ يا رمز السلام (...) الحرية يا أمي مش برا الحدود/ الحرية يا امي مش نار وبارود/ الحرية يا امي يعني الوجود).

مع نهاية الاغنية صعد السفير الفلسطيني البروفسور مانويل حساسيان وألقى كلمة جميلة ابرز فيها الرابطة العظيمة التي تكشفت بين النضال الفلسطيني للتحرر من الاحتلال ونضال الشعوب العربية، معتبرا ذلك فجرا جديدا يطل على الأمة ومعتبرا ان روحا جديدة دبت فيها مشيرا الى اعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الحديثة وقيمة الانسان فيها.

بعد ذلك غنى ايمن صفية اغنية حزينة قدمها لجوليانو مير خميس الذي قتل في مخيم جنين في جريمة خسيسة اثارت الجمهور الفلسطيني عموما، وعرضت بعدها على الشاشة مشاهد من الاعمال التي شارك بها ممثلون وناشطون ومحبون للفن في مسرح الحرية الذي اسسه خميس.

وفي ربط موفق رغم غرابته ظهرت على الشاشة قصيدة اخرى لشاعر جزائري كان اثر قصيدته بالنسبة لشعبه مثل اثر 'موطني' لطوقان، حيث تحولت 'قسما بالنازلات الماحقات' لمفدي زكريا الى نشيد وطني واثر تاريخي لا يمحى في حياة الشعب الجزائري.

وبما ان عنوان الحفل كان 'نداء الحرية: من ساحة التحرير الى القدس' فقد توقعت ان نرى مزيدا من هذه اللوحات تربط الماضي بالحاضر، لكن ذلك لم يتحقق للأسف حيث شاهدنا عروض دبكة ورقص باليه ثم صعدت امل في ثوب ابيض مثل حمامة لتغني لكل مناضلي الحرية في الوطن العربي:

'لا تخافوا ما في جيوش تساع كل الناس/ بيعتقلوا كتير/ بيبقى كتير/ بلي بيبقى رح منكمل'.

ثنّت مرقص اغنياتها بقصيدة جميلة للشاعر الفلسطيني الأجمل محمود درويش: 'نحن في حلّ من التذكار فالكرمل فينا/ وعلى اهدابنا عشب الجليل والكرمل فينا'، وانهتها بالمقطع الغنائي الرائع الذي غنته ببحة حزينة تشبه مد وجزر بحر يافا: 'عندما كنت صغيرا وجميلا كانت الوردة داري والينابيع بحاري/ صارت الوردة جرحا والينابيع ظمأ/ هل تغيرت كثيرا/ ما تغيرت كثيرا'.

وفي نوّاس جميل من الغناء المتهادي بين هادئ وعنيف، محرّض ومهدهد، ذاهب وعائد، وتراث وشعر حديث وعامي غنّت مرقص اغنية تقول فيها:

(شي يوم مدري كيف حطو حجار فوق حجار صاروا دار وغرسوا عاباب الدار توت وغار وامتلا حوش البيت اخوة صغار والحاكورة طلعت رمانها زمار وصارت عصافير الجبل عالبيت تعمل بالمسا مشوار).

وفي مقطع آخر قالت: 'لو يفتحوا عيون البشر مرة ما كانوا عرفوا الحرب مرة'.

وشّحت امل مرقص الفواصل بين اغانيها بالحديث عن قضايا تشغلها كقضية جوليانو خميس والناشط الايطالي فيتوريو الذي قتل في غزة وصولا الى شهداء الثورات العربية لتعود بعدها الى ابنة جوليانو خميس التي اسماها ماي لاي على اسم قرية فيتنامية شهدت مذبحة شهيرة للجيش الامريكي لتنهي حديثها بغناء قصيدة لتوفيق زياد عنوانها 'شيء عن الحرب':

'اكره سفك الدم وصفارات الانذار/ اكره هذا اللون الازرق في ضوء السيارات' والتي تنتهي بقوله ان الحرب الوحيدة التي لا يكرهها هي 'حرب التحرير'.

واتبعت مرقص بقصيدة 'نيران المجوس' لتوفيق زياد ايضا والتي يقول فيها انه مثل نيران المجوس يضيء من مهده الى لحده وليس نار كبريت يشتعل لمرة واحدة.

احدى اجمل لحظات الأمسية كانت مع عودة امل مرقص الى التراث الفلسطيني القديم مع اغنية من القرن 17 'قطعنا النصراويات مرج بن عامر' والتي شرحت مرقص قصة عن هروب اولئك النساء من احد القصور وكان بينهن عجائز وحوامل وعذارى واهدتها الى كل جدات فلسطين اللواتي ساهمن في حفظ التراث ونقله من جيل الى جيل، وكان غناؤها بلهجة فلسطينية عميقة اضفت اثرا تراجيديا كبيرا على الغناء ودفعت الحاضرين الى تصور مشهد تينك النسوة السائرات نحو المجهول: 'قطعنا النصراويات مرج بن عامر/ ويوم ان قطعن المرج ناحن بالركاب/ معهن حبالى ومعهن مراضيع ومعهن بنات البكر'.

وأتبعت مرقص بأغنية تراثية ايضا عنوانها 'نعنع يا نعنع' ذكرتني بالأغنية التراثية الحلبية 'ومنين اجيبه الحلو ابو دقّه' مما ذكرني بالتواصل العميق بين مناطق الشام واغانيها التراثية ذات القفلات المتماثلة والألحان المتقاربة.

وفي خطتها الذكية للوصل الدائم بين الماضي والحاضر قدمت مرقص بعد ذلك اغنية قالت انها تحتفي بالحياة وانها كتبت لشهداء الانتفاضة الاولى لكنها ما تزال، حسب قولها، مناسبة لليوم:

'اطفال المدينة يلهون بلعبة الموت قرب الشعار/ لا احد يعلم/ ابطال حكايات النهار/ نعرفهم في نشرة المساء/ اناس عاديون يسرقون العناوين للحظة ويرحلون بعيدا/ في زحمة الاسماء والاحداث والاخبار/ لا احد يعلم/ ولكني اعلم ان الراحلين غدا/ انما برحيلهم/ يقربون النهار'.

ولأن مفاجآت امل مرقص لا تنتهي فقد قدمت لنا لحنا من امريكا اللاتينية بكلمات من فلسطين 'لنؤكد على ثورية قضيتنا' كما قالت: 'للحياة غنائي/ وهبتني بقائي/ وحروف الهجاء/ من الف لياء/ بهما اغني'.

هذا التأكيد شديد الذكاء على علاقة موت المدافعين عن الحرية بالدفاع عن الحياة اختتمته مرقص بقصيدة درويش البديعة 'على هذه الأرض ما يستحق الحياة' التي أنهتها ببحّة صوتها الحزينة الانيقة وهي تقول: 'سيدة الارض ام البدايات ام النهايات كانت تسمى فلسطين صارت تسمى فلسطين/لأنك سيدتي استحق الحياة'.

في هذه الأمسية الباذخة من الأمل والاحتفاء بالشهداء والثوار والحياة وجدت روحي مبقعة بالدمع غير انها كانت، والفضل لأمل مرقص، ترفض ان تنحني للطغاة وتؤكد على عشق الحياة.



عن القدس العربي
3/6/2011






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600