سيناريو آخر - حسين مهنّا
قد يُسألُ السُّؤالُ:ما الأجملُ في الفِلَسطينيّ؟ وقد يدورُ في خَلَدنا ما حَسُنَ من صفاتٍ كالصّدقِ والوفاءِ والشَّجاعةِ والصَّبرِ وما الى ذلك من صِفاتٍ، ولا نفطَنُ أنَّ الأجملَ في هذا الجميلِ هو الذَّاكرة..فالذّاكرةُ حبلٌ سُرِّيٌ بين ما كان وما سيكونُ وما هو كائنٌ..الذّاكرةُ بوصلةُ الضّاربينَ في الأرضِ لا تُشيرُ إبرتُها إلا الى اتّجاهٍ واحدٍ.. الذّاكرةُ أمانٌ دائمٌ لِصاحبِ حقٍّ اغتُصِبَ حقُّهُ،وهو قلقٌ دائمٌ لِمَنْ يغتصبُ حقَّا.. الذّاكرةُ أنْ لا ننسى أنَّ النّسيانَ قاتِلٌ بالمجّانِ لدى الأيّامِ،وكلّما تراكمَتْ فوق أكتافِنا ازدادتْ شهيّتُهُ انفتاحا وشراهةً..الذّاكرةُ ثلاثة وسِتّونَ قَسَمَا يؤَكِدُ العهْدَ بين عاشِقٍ ومعشوقٍ..فالفِلَسطينيّ إذا أحبَّ عشِقَ،وإذا عشقَ تَوَلَّهَ..ووَيْلٌ لتُجّارِ العِشْقِ من المُوَلَّهين..فعشْقُ فِلَسطينَ لا يأتي مع مُهاجِرٍ على جَناحِ طائرةٍ..ولا يأْتي على ظَهْرِ سفينةِ قُرْصانٍ..عِشقُ فِلَسطينَ يأْتي من رَحِمِها ومن دفاترِ الأيّامِ..فإذا قالوا داوودُ وسُلَيمانُ،قُلْنا لهم كَنعان..وإذا قالوا أورشليم قُلْنا لهم يَبوس..فأين المفرُّ من ذاكرةٍ كحدِّ سكّينٍ تُحاصِرُ مُزَوّري التّاريخِ؟!وتاريخُ فِلَسطينَ غيرُ قابِلٍ للتَّزويرِ أو التّبديلِ أو التّعديل..إنَّهُ حروفٌ من نورٍ كُتِبَتْ على صحائَفَ من نارٍوفِلسطينُ هي فِلَسطينُ، جَبَلًٌ وسَهْلٌ وبَحْرٌ،قوامٌ جميلٌ غيرُ قابِلٍ للانشطارِ،فإنْ قطَّعَتْهُ حِرابُ أغبياءِ التّاريخِ عادَ وتجمَّعَ كأوزيريس قطعةً قطعةً لِيُصبحَ جسدا سَوِيّا..

رحمَ اللّهُ أميرَ الشُّعراءِ أحمد شوقي حينَ قالَ:

قد يهونُ العُمْرُ إلا ساعةً

وتهونُ الأرضُ إلا موضِعا

ورحمَ اللّهُ أبا الحسنِ بن العبّاسِ المعروفَ بابنِ الرّوميّ حين قالَ:

ولي وَطَنٌ آليتُ ألا أبيعَهُ

وألاّ أرى غيري لهُ الدَّهرَ مالكا

وقدْ ضامَني فيهِ لئيمٌ وعزَّني

وها أنا منهُ مُعْصِمٌ بحبالِكا

فيا أبناءَ فِلَسطينَ حيثُما تكونونَ ،ويا أحفادَها ويا أحفادَ أحفادِها،لِنقرَأ سيناريو الحياةِ على أنَّ قُرانا لا تزالُ عامرةً بأهلِها..تصوَّروا لو أنَّ سُحماتا اليومَ عامرةٌ بِدورِها،زاهرةٌ بأنوارِها،لكُنّا سِرْنا في طُرُقاتِها زُوّارا مُعَزَّزينَ مُكَرَّمينَ ولكانتْ (أهلا وسهلا)و(تفضَّلوا..البيوتُ بيوتُكم)على كُلِّ شَفَةٍ وعلى كُلِّ لسانٍ..ولكانَ يجمعُنا سلامٌ على الأرضِ ومسرَّةٌ في النّاسِ..ولَكُنّا غَنَّينا مع السَّاحِرَةِ فيروز من كلمات الشّاعرِ الفِلَسطينيِّ الغَزِّيِّ هارون هاشم رشيد مع تعديلٍ هامٍّ:مُقيمونَ نحنُ وذا حَيُّنا وليسَ:سنرجعُ يوما الى حَيِّنا..ولكانتْ رائحةُ القهوةِ تُوزِّعُ الأصالةَ العربيَّةَ في كُلِّ مكان..ولكُنّا دخلْنا البيوتَ فأكلْنا من خُبْزِ طوابينِها ومن زيتِ زيتونِها ومن سعترِ حقولِها.هذهِ هي قُرانا..هذهِ هي سُحماتا..ولا أقولُ كانتْ بل هي مُقيمَةٌ ليس في ذاكرتِنا ووِجداننا فقط بل على أرضٍ تحملُ جيناتِنا ونحملُ جيناتِها،ومَنْ حملَ جيناتِ والديهِ يكنِ الابنَ الشَّرعيَّ لهُما.نحنُ أبناءُ هذا الوطنِ..لا نقولُها لِنَسْمَعَها نحنُ تأكيدا.. ولا لِيَسمعَها أبناؤُنا وأحفادُنا فقط،ولا لِنُسْمِعَ هذا العالمَ الأصمَّ القاسي قولَنا بل لأنَّ رُبى هذا الوطنِ تُحِبُّ سَماعَها،وتخضَرُّ أملاً حينَ نقولُها..

12/5/2011






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600