لم ينهر في سجون العقيد ولم يستجب لمغرياته: الشلطامي الشاعر الليبي الذي أضرب عن الحياة احتجاجا... - رشاد أبو شاور


في شهر آذار (مارس)، وفي يوم مشمس، هاتفني الكاتب الليبي زياد علي من أحد فنادق عمّان، وبعد أن التقيته أخبرني بوجود الشاعر محمد الشلطامي في أحد الفنادق مع أسرته، وأنه مريض جدا، فقلبه منهك تماما، وهو يرفض تلقي العلاج رغم خطورة وضعه الصحي!

قرأت أعمال الشاعر الليبي الشلطامي، وسمعت عنه منذ سنوات بعيدة، وتابعت رحلة عذابه مع سلطة القذّافي الذي أمر بزجّه في السجن مرارا، بحيث قضى الشاعر سنوات أورثته آلاما بدنية نالت من قلبه الذي أمضه القهر من حكم الطاغية وتألهه على الشعب الليبي.

ولد الشلطامي في مدينة بنغازي عام 1945، وكانت بداية رحلته العملية مدرسا في مدرسة ابتدائية في مدينته بنغازي.

قاوم الشلطامي النظام الملكي، وكان ديوانه الأوّل 'منشورات ضد السلطة' عام 1964 تعبيرا جريئا عن تمرده، ولم يكن قد بلغ العشرين، وبدايته هذه تواصلت، وتصاعدت حدّةً ووعيا ووضوحا وتكلفة في حقبة القذافي، وحتى رحيل الشاعر يوم 25 آذار (مارس) عام 2010 في مسقط رأسه بنغازي التي ووري ثراها يوم 26 آذار (مارس).

غنّى الشلطامي للثورات في العالم، من ثورة فيتنام وحتى ثورة البرتغال والتشيلي، مبشرا بسقوط أنظمة الدكتاتورية والطغيان والاستبداد، وهو كان يلهم بقصائده مثقفي ليبيا ومناضليها والمواطنين الذين أحبوا قصائده، وعرفوا دائما أن الشلطامي وهو يغني للثورات في العالم، كان يغني لفجر ليبيا الآتي حتما:

وطني ليس إلها طوطميّا

فبلادي

أينما تنتصر الحريّة الكبرى لمجد البشرية

ولأجل البشريّة

(أفراح سريّة) 1982

السجن حاضر في كل أعمال الشلطامي الشعرية منذ أوّل مجموعة في العهد الملكي حتى آخر مجموعة، وآخر قصيدة في (زمن القذافي) الذي بز في وحشيته ما قرأناه عن دكتاتوريي أمريكا اللاتينيّة، وأفريقيا، بمن فيهم (صاحبه) عيدي أمين دادا، الذي كان يتميّز عنه بشيء من خفّة الدم رغم ثقل وزنه، وحماقاته!

في قصيدة (الزنزانة رقم 6) يتساءل الشاعر محزونا، ولكن بنبرة فيها خيط مضيء من الأمل:

أتعشب في الفجر هذي الصخور؟

أتزهر فوق جدار الردى الأمنيات

وهذي البذور؟

هنا منذ شهر مضى

هنا منذ عام مضى

هنا منذ قرن مضى قام سور،

وسجن وجيل من الهالكين

أتشرق شمس الربيع الحزينة

فتوقظ أحلامنا الميتات؟

لم ينهر الشلطامي في السجن، ورغم (مغازلة) نظام القذافي له فقد تأبى على الإغواء، وترفع عن قبول أي رشوة من نظام القذافي، ولذا زار السجن مرارا لترويضه، فتمكنوا من جسده، وعجزوا عن ترويض جموحه، والهبوط بفكره من عليائه وضمه لجوقة المطبلين للقذافي، والمروجين لعبقرية نظريته العالمية الثالثة وكتابه (الأخضر)!.

يرتفع صوت الشاعر من زنزانته كشأن كل الشعراء الذي عشقوا الحرية، وأرادوها لشعوبهم، وافتدوها، ودفعوا الثمن مزاوجين بين الكلمة والممارسة الفادحة الثمن.

أغلقوا الكوّة في أعلى الجدار

إن يكونوا عصبوا عيني

لن يُعصب قلبي

يا رفيقي كلما كانت ليالي السجن أقتم

كلما كان الحنين

لضياء الشمس والحرية الحمراء أعظم

في وقت مبكّر من عمره، وفي بدايات رحلته الشعريّة رأى الشلطامي مصيره، ومضى إليه غاذا السير دون تردد أو وجل:

ـ ربما يمتصك القبر!

ـ وحتى إن يكن

لست مهتما بما يحدث لي

في ظلمة القبر، ولكن

كل همي

ما الذي يحدث فوق الأرض بعدي

إنما الروعة أن

تركض نحو الموت مرفوع الجبين

ولتجيء من بعدنا شمس الربيع

وليغني كل أطفال البشر

إنما نُقتل من أجل الصباح

قصيدة (حوار) 4 كانون الثاني (يناير) 1970

توجهت أنا والصديق زياد علي الذي أرادني أن أستثمر تقدير الشلطامي لي للضغط عليه، لعله يقبل بان نصطحبه إلى مستشفى أو طبيب أخصائي لمعالجة قلبه.

انتظرناه في قاعة الفندق، وما هي إلاّ دقائق حتى رأيناه يخرج من المصعد ويتجه صوبنا، بجسد نحيل، يمشي مثقل الخطو، رأسه يكاد يسقط على كتفه من شدّة التعب، وجهه ضامر، وعيناه مرهقتان.

تعانقنا، ثمّ جلس وأخذ يفرك راحتيه وهو يسألني عن أحوالي.

ردد هذه الجملة عدّة مرّات:

ـ ها نحن قد التقينا..رغم كل شيء.

حضر ابنه وهو شاب في العشرينات، وجلس قليلاً ثمّ غادرنا بعد أن استأذن من والده.

غمزني زياد، فقلت لنفسي لا بد أن أمهد لإقناعه بالموافقة على زيارة طبيب، وكان زياد قد أخبرني بأن الشلطامي يرفض العلاج نهائيا، وأنه (مضرب) عن الحياة بقرار حاسم، بعد أن ملّ السجن، وشروط الحياة في ظل نظام الدكتاتور وزبانيته الذين حولوا الحياة في ليبيا إلى جحيم.

افتتحت كلامي بالتذكير بأن جيلنا تعذب كثيرا، وأننا خرجنا بأمراض شتّى، ولكننا نستلهم صلابة شعرائنا فنعيش رغم الطغاة، و..لا بدّ أن نعنى بأجسادنا التي تسكنها أرواحنا و...

عندئذ ابتسم وهو يواصل فرك يديه بهدوء، وكأنه يقول لي: أعرف ما ترمي إليه...

نبس بهدوء:

ـ زياد يريدني أن أشفى تماما، وأن تعود العافية إلى جسدي وقلبي، و..أنا اشكره على اهتمامه، ولكنني لا أُريد أن أعالج هذا القلب.

وضع يده على صدره، ثمّ أضاف:

ـ هذا القلب ما عاد يحتمل..انتهى الأمر، لم يعد هناك مبرر للعيش في..في...

ـ والشعر يا صديقي!

ـ هو ما سيبقى بعدنا..نحن لم نبخل على بلدنا وأهلنا...

ثمّ أشار للنادل فجاء وسمع طلباتنا:

ـ دعونا نستغل هذه اللحظة الطيبة فنتحدث بعد سنوات انتظار، ولا نبدد الوقت في حديث الأطباء والمرض. هناك مرض أخطر من متاعب قلبي وجسدي يا رشاد!

التقينا في عمّان لساعات، قبل عودة الشلطامي إلى بلده بنغازي..وذات يوم قرأت نبأ رحيله.

رحل الشلطامي يوم 25 آذار (مارس) 2010 ، وكان أضرب عن العيش احتجاجا على استبداد الدكتاتور، وتنكيله به وبالشعب الليبي الذي أبدع له شعره، وضحى لأجله بشبابه منذ العهد الملكي حتى زمن جماهيرية الطاغية اللاعقلانية التي حولت ليبيا إلى معتقل، والشعب الليبي إلى رهينة مختطفة يجري عليها (العقيد) تجاربه، ويحكمه بفوضاه، يعينه أبناؤه الذين يتربون في ظله طغاة متدربين يؤدون مهنتهم بوحشية تبهج قلب أبيهم، وتكسر قلوب الليبيين وتشقيهم.

مات الشلطامي شابا، وعندما يموت الشعراء شبابا، وهم في أوج عطائهم، فلا بدّ أن يكون هناك خلل في الحياة..وهل هناك خلل أفدح من وجود القذافي الظاهرة اللاعقلانية، وعبثه بحياة شعب..وأجيال بدد حياتها؟!

لم يمت الشلطامي عاشق ليبيا والحرية، فقصائده تتفتح هذه الأيام، تتفتح أزهارا حمراء تملأ الأرض الليبية، بما فيها الصحارى المترامية التي يقتحمها الثوّار الشباب في زحفهم العنيد لتحريرها، وهم ينشدون للحرية، للحرية الحمراء، التي يدفعون مهرها بكبرياء تبهر الناظرين في بلاد العرب والعالم.

يخاطب الشلطامي سجّانه..ومن غيره ذلك السجّان الذي يحرق قلب ليبيا هذه الأيّام؟!

قل ما تشاء

واكتب يخط التاج ما نحت الشقاء

فينا..وقل: متخاذلون

جبناء ماتت في عروق قلوبهم همم الرجال

أنا قد هربت

وتركت أحذيتي ورائي

وتركت خلف الجسر صوت إذاعة الشرق القتيل

قل ما تشاء ..أنا عميل

متخاذل، حاف، يجر وراءه عارا جديد!

قل ما تريد

لكنما : أنا لن أموت

أبدا لتركب جثتي للنصر ..لا..لن أموت

مات الشاعر الشلطامي، وروح الشاعر لن تموت، فها هي ذي مع الشعب الليبي تقاتل الدكتاتور الأرعن وأبناءه الطغاة الصغار ومرتزقة العائلة..بأناشيد الحريّة والغضب ..وروح الشاعر تخترق القبر وتصعد حادية جموع الليبيين الذين ما عادت طائرات ودبابات الطاغية توقف زحفهم، بعد أن تجاوزوا زمن الخوف والجنون.

لم أرثك يا صديقي الشلطامي عند موت جسدك في آذار (مارس) الماضي، وها أنذا أكتب عنك في آذار (مارس) ليبيا المبشّر بالصباح الذي طالما أنشدت له، وبشّرت بقدومه.. وأعطيته عمرك بكبرياء ونبل وحب لليبيا وشعبها الشجاع.


10/3/2011






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600